أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات وآراء » إيران تغرق بالرمال المتحركة السورية كما غرقت روسيا في افغانستان فانهار الاتحاد السوفيتي

إيران تغرق بالرمال المتحركة السورية كما غرقت روسيا في افغانستان فانهار الاتحاد السوفيتي

ضجيج رقصة النار التي يقوم بها المسؤولون الإيرانيون احتفالا بالاستحواذ على العواصم العربية الأربع: بيروت، ودمشق، وبغداد، وصنعاء.. ضجيج قد لا يستمر طويلا ففاتورة الاحتفاظ بالموقع أكبر بمرات من فاتورة الحصول عليه.
الفخ الذي وقعت فيه الجماعات التي تعتمد على إيران اعتمادا كليا في حراكها، سواء ميليشيات الحشد الشيعي في العراق، أو «حزب الله» في سوريا ولبنان، أو الحوثيين في اليمن، هو فخ كبير استدرجت فيه مجموعات شيعية لخدمة مشروع إيراني توسعي يعتمد اعتمادا كليا في بقائه على الدعم الخارجي، لا على حاضنة طبيعية اجتماعية موجودة على الأرض، فنسبة الشيعة في العالم الإسلامي كله لا تتجاوز في أفضل الأحوال 12 في المائة من مجموع المسلمين، ضخ الدماء في عروق تلك الميليشيات الشيعية العربية يعتمد اعتمادا كليا على الدعم الإيراني بالمال والسلاح والأفراد، وفي بعض الأحيان يعتمد على القيادة الإيرانية بشكل مباشر، فذلك هو السبيل الوحيد للاحتفاظ ببعض المواقع التي سيطرت تلك الميليشيات عليها، فكم جبهة تستطيع إيران أن تبقي على صنبورها المغذي مفتوحا لها؟ وإلى متى؟
قتلى الميليشيات العربية الشيعية المسلحة من اللبنانيين والعراقيين واليمنيين في معارك الاحتفاظ بتلك المواقع التي وصلوا إليها، في تصاعد، مما اضطر إيران إلى أن تمدهم بالأفغان والباكستانيين المرتزقة، كما فعلت في سوريا، فهل تستطيع أن تواصل هذه التغذية؟

النشرة الأميركية للدراسات للشؤون الاستراتيجية والحربية «strategy page» الصادرة في 16 يناير (كانون الثاني) الماضي، فقد أكدت أن «الساحة السورية باتت ساحة كبيرة للنفقات الإيرانية، حيث تنفق الحكومة الإيرانية أكثر من مليار دولار شهريا من أجل الإبقاء على الأسد المؤيد لإيران في السلطة، وكان أحد العوامل المحورية في قدرة الحكومة على استعادة مكاسب الثوار خلال العام الماضي، هو ظهور الآلاف من مسلحي (حزب الله) اللبنانيين، وفي الثمانينات، ساعدت إيران في خلق (حزب الله)، كما قامت بتمويل بقاء ونمو (حزب الله) منذ تلك اللحظة، وعلاوة على المال والأسلحة، وفرت إيران التدريب العسكري أيضا، ومعظم التدريبات كانت متعلقة بأساسيات العمل العسكري، إلا أنه كان هناك الكثير من التكوينات المتخصصة، ولذلك فإنه على الرغم من أن (جيش حزب الله) يتشكل فقط من نحو 2000 جندي بدوام كامل و10 آلاف بدوام جزئي، هناك قوة كبيرة أكبر بكثير من الاحتياطيين المدربين (وهم جنود مدربون لم يعودوا ضمن قائمة المأجورين). وقد تم استدعاء الكثير من هؤلاء الاحتياطيين لـ(التطوع) لقضاء 3 إلى 6 أشهر في القتال في سوريا، وشكل ذلك خطرا كبيرا، إذ إن 2000 من رجال (حزب الله) الذين عملوا في سوريا خلال الشهور الـ18 الماضية، إما قُتلوا أو جرحوا في القتال، وظلت التمويلات الإيرانية وغيرها من الموارد تأتي بكميات كافية إلى هنا، بالنظر إلى أن (حزب الله) استطاع منح تعويضات وفاة للذين قتلوا في سوريا ورعاية صحية (مكثفة) للجرحى». انتهى.
أما الجبهة العراقية، فقد فتحت على مصراعيها الآن والوعود بنصر إلهي وقريب تبخرت، حتى بعد أن دخلت إيران بشكل مباشر للقتال على الأراضي العراقية، ولم يعد خافيا في الحرب على تنظيم داعش أن لإيران دورا أساسيا، بعد أن اتضح أن ما يسمى «الحشد الشعبي» أو حتى الجيش النظامي العراقي غير قادر على صد تمدد «داعش» في الأراضي العراقية من دون مساعدة إيرانية، الذي دفع بإيران أن تدخل بقواتها وتتوغل حتى وصلت إلى حدود تكريت والموصل والمناطق الكردية، وها هي تحاول منذ أكثر من 10 أيام إحداث اختراق في مدينة صغيرة كتكريت، وتفشل، مما يوحي بأن الاحتفاظ بالأرض ليس كالوصول إليها عسكريا وكذلك ماديا، ويؤكد بأن القوات الإيرانية تبدو وكأنها استدرجت لفخ أكبر ممن حسبت حسابه. كما تكشف صعوبة اختراق تكريت أن الموصل قصة أخرى تحتاج من قاسم سليماني غطاء جويا وربما للواء من المدرعات تمكنه من استعادتها، فكيف إذن بالاحتفاظ بها وهي تقع وسط كتلة بشرية معادية لم تنجح 10 سنوات في ترويضها.
أما في اليمن، فنشوة النصر السريع تحطمت على أثر تمكن الرئيس هادي من الهروب من حصاره في صنعاء ليجد الحوثيون أنفسهم، بعد أن دانت لهم اليمن بجبالها ووديانها، أنهم مجموعة مسلحة محاصرة في صنعاء، ويقف المجتمع الدولي ضد ممارساتها، لا اليمنيون فحسب، لتتكرر القصة ذاتها: الاحتفاظ بالأرض ليس كالحصول عليها، وبدأ الحوثيون يطالبون بالدعم الإيراني المباشر (عسكريا وماليا) للاحتفاظ بما حصلوا عليه أو بما تبقى منه.
التكلفة عالية في كل هذه الجبهات والميليشيات الشيعية بدأت تعاني من شحّ الدعم نتيجة العقوبات الاقتصادية، وتطالب بالمزيد، فقد كشف تقرير لصحيفة «كريستيان ساينس مونيتور» أن لـ«حزب الله» عدوا جديدا، وهو «سياسة التقشف» المالي. فقد تأثر الحزب بالأزمة التي يعاني منها راعيه الإيراني، جراء تراجع في أسعار النفط العالمي، ومن آثار العقوبات المفروضة عليها بسبب برنامجها النووي.
وفي الوقت الذي تلتزم فيه إيران بسياسة شدّ الأحزمة، يقوم «حزب الله» بخفض رواتب منتسبيه، وتأجيل دفع الفواتير للموردين، وتخفيض المعاشات الممنوحة للحلفاء السياسيين، وذلك نقلا عن مصادر سياسية ودبلوماسية في بيروت، منهم أعداء وأصدقاء للحزب.
وترى إيران في دعمها للأسد حماية لمصالحها في المنطقة، ويقدر دبلوماسي في بيروت ما ترسله طهران شهريا إلى سوريا، ما بين مليار أو ملياري دولار منها 500 مليون تنفق على الجيش، وخصوصا قوات الدفاع الشعبي التي تضم 70 ألف مسلح.
ويُنقل عن كريم سجادبور، من مشروع الشرق الأوسط في مركز كارنيجي، قوله: «قدموا (الإيرانيون) نحو 5 مليارات كديون ، وعندما تأخذ بعين الاعتبار الدعم المالي العسكري والنفط بأسعار مخفضة ووقت الحرس الثوري الإيراني، فالرقم يصل إلى 10 مليارات، ومن دون الدعم الإيراني ما كان للأسد سيولة مالية». انتهى.
إنما السؤال: إلى متى؟ إذ حتى لو كانت إيران تمني النفس بعودة قدراتها التصديرية النفطية بعد إزالة العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها، إلا أن ذلك لا يغير من كون تكلفة الاحتفاظ بالمواقع التي تبجحت إيران في خضوعها لنفوذها ستكون أضعاف تكلفة الحصول عليها.

 

سوسن  الشاعر

المصدر :  الشرق  الأوسط

 



تنويه : ماينشر على صفحة مقالات وآراء تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع