أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات وآراء » هات برميلك والحقني.. خطيب بدلة

هات برميلك والحقني.. خطيب بدلة

دخل “البرميل” في الثقافة الشعبية السورية بقوة بدءاً من انتصار الثورة، ثورة البعث العربي الاشتراكي، ثم الحركة التصحيحية المجيدة.

كان للبرميل، بحسب ما كتب الروائي المتميز غسان الجباعي، استخدامات كثيرة يعرفها الكتاب السوريون المعارضون المبدئيون الذين نعموا، نتيجة لمبدئيتهم، بعشر، أو بخمس عشرة، أو بعشرين سنة إقامة في منتجعات تدمر وصيدنايا في ظل الأسدين الضرغامين حافظ بن علي الأسد، وبشار بن حافظ الأسد، وأما نحن، الكتاب المتسلحين بحذر العصافير الدورية، وجُبْن الإوز البري، فلم نكن نعرف للبرميل سوى استخدامات قليلة.

فالبرميل، مثلاً، يعبأ بالماء من قبل الطَيَّان، ثم يَغرف منه العمال ويسكبونه فوق الرمل والإسمنت، من أجل رفع البنيان؛.. وهذا شيء رائع لأن الأسدين مولعان بالبناء حتى قيل عن الراحل حافظ الأسد إنه باني سورية الحديثة.

ويصلح البرميل، أيضاً، لتعبئة المازوت ويتسع لـ 220 ليتراً، وهذه القضية، أعني قضية برميل المازوت، كانت سبباً مباشراً في تطور ثقافتنا البرميلية على مدى سنين طويلة من حكم الأسدين الضرغامين المذكورين أعلاه.

ففي سنة 1984 حصل خلاف بين الأخوين حافظ ورفعت حول الدولة السورية التي ورثاها عن والدهما علي الأسد وراثة حلالاً بموجب شرع الله عز وجل. وهو خلاف طبيعي وبسيط إذ أن من حق كل وريث أن يدافع عن حقه، وعن حصته الإرثية، وعن ماله، فالمال شقيق الروح، يا شقيق الروح من كبدي.

ولكن النفس- كما جاء في القرآن الكريم- أمَّارَةٌ بالسوء، وبالمصادفة المحضة، أمرتْ كلاً من الوريثين نفسُه بأن يطمع بحصة أخيه! وتطور الخلاف إلى مشاددة وملاسنة، وخرج كل منهما غاضباً باتجاه قواته، ولُقمت البنادق وذُخرت الدبابات والبترإررات، وخُرطشت الصواريخ، وأديرتْ كلها نحو دمشق،… ولأن الأخوين كلاهما يحبان دمشق وأهلها حباً جماً، فقد أخذ كل منهما يهدد أخاه قائلاً: يا بتعطيني حقوقي يا أما أضرب على أهل الشام بالمليان!.. فيقول له أخوه: دخيلك يا خي. كل شي إلا الشام!
ومعروف أن القائد التاريخي معمر القذافي كان “محضر خير” دائماً بين الإخوة والأشقاء العرب، لذلك فقد التقى بالأخ الصغير رفعت الأسد وقال له، ما معناه: أنت دكتور ومثقف، والمثقف بر بوالديه وإخوته، وأنا في مقام عمك، فبرضاي عليك خذ بضعة مليارات مني، هكذا حُبِّيَّةً.. وخل أخاك حافظاً يعطيك ما في حوزة المصرف المركزي السوري من أموال، وخذها، واذهب إلى باريس، واشتغل بعمل شريف تطعم منه أولادك، واترك أخاك يتنعم بميراث أبيه، وفضت يا عرب.

وكان ذلك.

واعتباراً من هذه اللحظة بدأت قصتنا نحن السوريين مع البراميل تكبر وتتسع. فالقائد التاريخي المناضل حافظ الأسد وقف حائراً أمام الخزينة الخاوية على عروشها، وصفن طويلاً حتى اهتدى، بهمته وهمة الطيبين من أهل السياسة والاقتصاد والمفهومية و(المَنْجَهَة) إلى حل طيب، يتلخص بزيادة أسعار المواد الاستهلاكية كلها، وعلى رأسها المحروقات، وإعطاء كل مواطن يمتلك دفتر عائلة ما يملأ برميلاً من المازوت بسعر مخفض، وبهذا يعوض عليه ربنا سبحانه الأموالَ التي أعطاها لأخيه، وما يلزم له من نفقات ومصاريف أخرى بأحسن منها.. سبحان المعطي.

وصار حديث الشارع السوري اليومي هو البرميل.

– سلامات خاي أبو مرداس، بشرني، ان شاء الله عبيت برميلك؟
– أهلين عمي صلاح أبو مراد، إذا مر عليك بياع المازوت، وبعدما تفول برميلك، ابعت لي اياه، لأن برميلي فاضي وعم يقرقع.
– على راسي أبو فهد، بالله عليك تخبر أبو صطيف بشركة سادكوب يبعث لنا سيارة المازوت لنعبي هالبرميل.
وقد أولع آل الأسد، منذ ذلك التاريخ، بالبراميل، فاليوم، على زمن الوريث الثالث السيد بشار الأسد، ما يزال الحديث عن البراميل مستمراً ولكن بصيغة جديدة يتم فيها مراعاة تطور الزمن..

– أهلاً أبو عبدو. بدي أقول لك شغلة. حكيني على القبضة.
– أهلين أبو زكوان. خير؟ نزل شي عليكم براميل اليوم؟
– أي والله، الهليوكبتر طبت برميلين، واحد انفجر والتاني ما انفجر.
– يا لطيف. في ضحايا كتير؟
– لا والله، يا دوب سبع شهداء، والباقي إصابات، أسعفناهم. وأنتم؟
– نحن الحمد لله، من شهر ونص ما نزل علينا ولا برميل. بس مبارحوا طبوا تلاتة.
– في كلور؟
– واحد بس. الباقي حديد وبارود وبسامير..

ولم يعد يقتصر حديث البراميل على القصف، بل تعداه إلى الحكم والأمثال الشعبية، وقد أخبرني أحد مواطني جبل الزاوية الأشم أن أمثالاً شعبية استحدثت هناك منها قولهم:
اللي ما بيدلي برميله ما حدا يعبي له.

وهات برميلك والحقني..

والبرميل اللي بدك تجره على القصف جر، يلعنه ويلعن قصفه!
إلخ.. إلخ.. إلخ..



تنويه : ماينشر على صفحة مقالات وآراء تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع