أخبار عاجلة
الرئيسية » كتاباتكم » طارق القداح : قصة هروبي من دمشق الى اسطنبول . قصة لاجئ سوري

طارق القداح : قصة هروبي من دمشق الى اسطنبول . قصة لاجئ سوري

قصة لاجئ سوري

ترددت كثيراً قبل كتابة هذه المذكرات، ولكني منذ اليوم الأول لوصولي لاسطنبول وربما قبلها بقليل وأنا أفكر بكتابتها .. أحسست حينها بأنها شأن عام، وليست تخصني وحدي.
ثم أخذتني الحياة، والتحاق عائلتي بي.
سأحاول فيما سيأتي أن أكون دقيقاً قدر الإمكان، ألا أنسى التفاصيل في خضم اللغة، والمعاناة …

أولاً: قرار الرحيل:
ليس من السهل أن تقرر الرحيل، ليس سهلاً أبداً، في حالتي، استهلكني زمن يعادل السنة لكي أقرر، ولكي أفهم أنه لم يعد لي مكان في بلدي ..
ألا يكون لشخص معارض مثلي مكان في بلدي هو شيء طبيعي لدى البعض، لكن قراري لا يتعلق بقرار هؤلاء.. قراري في البدء كان الصمود، والصمود لأقصى حد يمكنني الصمود فيه.
تعرضت للكثير من الضغوضات، ولكني استطعت تجاوزها في السنوات الأربع الماضية.
ولكن وصل الحد في آخر السنة الماضية لمستوى لم يعد بإمكاني معه البقاء، التهديد صار مباشراً، وخضعت لشيء يسير من معاناة من اعتقل أو “تبهدل”. تجربة كانت كافية في فوضى سوريا لأن تقنعني باستحالة البقاء.
لذا قررت الرحيل، وبما أن اسمي ممنوع من السفر، فكان علي الرحيل براً، تهريب بدون جواز سفر.

ثانياً: الطريق للشمال:

المرحلة الأولى، هي إيجاد المهرب، الذي سيهربك لشمال سوريا ومنه لتركيا.
كانت هذه الخطوة مهمة بالنسبة لي، ولكني وجدت الشخص المناسب أخيراً، واتفقت معه على كل شيء، لم ينسَ شيئاً، أخبرني ماذا أقول بمناطق النظام، وماذا أقول بمناطق داعش، فوجهتي كانت منبج.
منبج بلد الشعراء، بلد البحتري وعمر أبو ريشة، بيد داعش، وعلي أن أصل للمهرب هناك أولاً.
بعد الاتفاق مع المهرب، حزمت أمري وأمتعتي القليلة جداً، وخرجت من البيت السادسة صباحاً باتجاه العباسيين، بحثاً عن الشخص الذي توصى بي.
وصلت إليه سلمته المبلغ النهائي المتفق عليه للوصول لداخل تركيا، واستقليت الباص.
الباص كان متجهاً لمنبج، لكن بالنسبة لكل حواجز النظام، فالباص ذاهب لحلب.
بعد أن قطعنا عدة أمتار، أوقفنا حاجز للنظام، طلب الهويات كلها، حاول المعاون (الذي يعرف جيداً كل الحواجز) أن يفهمه أننا خرجنا للتو من محطة الباصات، لكنه أبى.
طبعاً ككل حواجز النظام يريد الأخ المعلوم، أي الرشوة، كنه لم يحصل عليها هذه المرة.. لم يسايره المعاون وأجبر العسكري على إعادة الهويات، أصلاً لا يوجد لديهم إمكانيات التفييش.
سنفهم طريقة تصرف المعاون لاحقاً.
فالمعاون هو الخبير بالحواجز، مهمته الأساسية تمريرنا على الحواجز. وليس أن نشرب عصيراً ولا أن نرتاح بباصنا، المهم أن نمر.

ثالثاً: طريق الحواجز
تأخرنا بالخروج من محطة العباسيين، بسبب الضباب على طريق حرستا، هكذا قيل لسائقي الباصات، وبعد أن انتظروا ساعة، قرروا الذهاب من طريق التل، وهو أطول بكثير.
ذهبنا إذاً بطريق التل، وتأخر ساعة.. كل الحواجز في هذا الطريق “تقبض”. بل كل حواجز النظام.
تمنيت وجود حاجز واحد للنظام لا يمشي بالمصاري.
مررنا بحاجز تلو الحاجز تلو الحاجز، أغلب الحواجز لم نقف عندها إلا الثواني الكافية للدفع للحاجز.
فهمت عندها سبب غلاء الطريق، نصفه أو أكثر يذهب للحواجز.
وصلنا أخيراً للحاجز الرهيب، حاجز القطيفة، أو جسر بغداد، الحاجز الوحيد الذي يحتوي على أجهزة للتفييش.
هذا هو الحاجز الوحيد المخيف، قرأت عنه الكثير، وسمعت أنه لا يمكن المرور منه إلا بأعجوبة.
عندما وصل باصنا أمام الحاجز كان أمامنا أربع باصات فقط، استبشرت خيراً، فمن المستحيل أن يكون هذا العدد القليل من الباصات ويفيشون.
ونحن على الحاجز، كان هناك عسكري يمر من باص لآخر، رأيته من بعيد، واستغربت، قلت لنفسي ربما اختصروا العملية بشخص يمر بشكل سريع على الباصات، ويستقرئ الركاب.
هنا علي أن أعبر عن وضعي النفسي في هذه الرحلة، فلقد كنت في حالة خوف ورعب مستمرة، منذ خروجي من البيت لوصولي لتركيا… الخوف كان يساعدني أيضاً على التركيز.
إذا كان علي التركيز بتعابيري لكي أبدو دائماً لا مبالياً، ألا أنظر بشكل مباشر للعسكري أو العنصر الذي “يطلع” للباص.
صعد العسكري إياه، وحذرنا من رشوة الحواجز أو قبول رشوتهم، وقال لنا “يا جماعة، ولادكم أولى بهالمصاري”. شكره بعض منا.
أما المعاون فابتسم بلامبالاة.
أحد الركاب قال والله من الأول هيك. فقال المعاون، يروحوا يربوا الحواجز مو ييجوا يحاكونا نحنا.
عندما وصلنا لحاجز القطيفة، أي بعد خمس دقائق من هذه الحادثة، اختلف المعاون والعسكري على الحاجز على المعلوم.. وكنت أقهقه ضحكاً في داخلي.. (لك ما حلنا)
الشب اللي عالحاجز أخذ الهويات وقال: يللا عالتفييش، كلو عالتفييش
استغلينا الفرصة لنريح ضمائرنا في هذه الوقفة. ولم ننتهي من ترييحها إلا والهويات قد عادت دون تفييش.. فلقد اتفق أخيراً المعاون مع العساكر.
بعد خروجنا من القطيفة كانت الأمور أيسر بكثير. ولكننا كنا نمر من الحاجز تلو الآخر، مررنا بحوالي 70-80 حاجز، لا سيما بريفي حمص وحماة.
في أحد الحواجز اختلف المعاون مع العنصر، فطلب منه الهويات، ثم اختار منها عشر هويات، وقال له أنزلهم لي.. صعد المعاون وقال لنا، يا شباب ، اللي عليه عسكرية سعرها معروف خمسمية ليرة، فما شفتلك إلا والخمسيميات تتطاير من حولي.
عد المعاون 4000 ليرة، وقال للشباب، خلص بيكفي شباب، هو أصلاً ما بيعرف كم هوية عطاني.. أنزل المبلغ أعطاه للعسكري وتابعنا المسير.
أخيراً وصلنا لحاجزي السلمية المشهورين بحاجز المليون، حاجز بأول السلمية وحاجز بآخرها.
كان الشباب يلعبون قدم، أوقفوا الباص دقائق، ثم جاء أحدهم، عمل فينا قصة رعب، وطلب من المعاون تسكير البرادي. ثم بصوت جهوري قال لنا: يللا كل واحد يطلع ألف ليرة، أو يعطيني هويتو. أربعة أشخاص فقط لم يعطوه الألف، فأنزلهم من الباص وشلحهم الألف ورجعهم للباص: (ستدفع يعني ستدفع).
تكرر ذات المشهد ببعض الفروقات البسيطة على الحاجز الثاني، الفرق في الحاجز الثاني أن التشليح كان بداخل الباص، فلا وقت لديهم للتشليح خارج الباص.
أخيراً وصلنا لحدود مناطق داعش، في الحواجز الثلاث الأخيرة للنظام، يطلبون ماء أو مازوت، من يقف على الحواجز من أهل المنطقة، وبآخر حاجز ينصحوننا (بما يعرفه المعاون)، فصل النساء عن الرجال وإخفاء السجائر.
أخفينا السجائر، ودفاتر الجيش مع النساء.
النساء ذهبن لآخر الباص بشكل منفصل.
ثم بدأ الناس بطي بناطيلهم، لأنه لا يجوز في ديار داعش أن يبقى البنطلون طويلاً كما هو.. عندما تحدثوا عنها في البداية ضحكت، اعتقدتهم يمزحون، لكن عندما رأيتهم يطوون بناطيلهم قلت لهم “هلق عنجد عمبتحكوا إنتوا؟”، وعرفت أنهم لا يمزحون، وبدأت بطي بنطالي.
كان علي معرفة ما ينتظرني، لأني سأقضي ليلة كاملة في بلاد داعش بعد قليل، جيد أني حفظت الصلوات وآداب الوضوء قبل مجيئي، فهناك من احتاجها فعلاً.

رابعاً: في بلاد “داعش”:

كانت مشاعري مختلطة قبيل الوصول إلى مناطق “داعش”، فمن ناحية كنت متشوقاً للتخلص من مناطق سيطرة النظام، وكان لدي رغبة قوية أيضاً في مشاهدة هذا “الوحش” والتعرف عليه عن قرب، كنت في جزء مني متحمساً كمن سيلتقي شخصية مشهورة. وفي ذات الوقت متخوفاً مما قد يحدث، خائفاً من عدم معرفتي بالبروتوكول المتبع والمعمول به ههنا، كيف سأتصرف؟ كيف علي أن أتحدث؟.
بعد خروجنا من مناطق النظام أخيراً، وضبضبة دفاتر الجيش والسجائر والسراويل والنساء! بحسب أنظمة “الدولة الإسلامية”. بدأ معاون الباص بإعطائنا النصائح حول كيفية التصرف عند حواجز التنظيم، جزء غير يسير من ركاب الباص كانوا من هذه المناطق، وكانوا ملمين بما يجب فعله وقوله. مثلاً كان يجب مخاطبة عناصر الحاجز بالشيخ (وليس سيدي)، وتنظيف الموبايلات من أي صور أو فيديوهات أو محادثات خصوصاً إن كان بها ما يمس التنظيم بسوء، وأي صور لنساء.
لا مكان هنا لغير طيف واحد، مسلم سني، هذا الأمر لا أحد يتحدث عنه أساساً، إنه بديهي.
وصلنا للحاجز الأول، ومررنا منه بسهولة، صعد إلى الباص شاب “داعشي” لهجته تشي بأنه مغاربي، تمنى لنا السلامة وتركنا نمر بسلام.
بعده بقليل مررنا بالحاجز التالي، هنا حذرنا جيداً المعاون بأن هذا الحاجز صعب وقاسي. يقف عليه شيخ اسمه بحسب الذاكرة “أبو إبراهيم”. عند وصولنا إليه استغربت من صعود شاب صغير في العمر لا يتجاوز سنه العشرينيات، نحيفاً ناعم الملامح أشقر الشعر.
طلب “الشيخ” هوية جاري في المقعد، وكان شاباً من المنطقة، ولكني شعرت أنه هارب من العسكرية. وكان متوتراً طوال الوقت.. ثم قال له “معك موبايل يا شيخ”. توتر الشاب وقال له نعم، وأخرج موبايله، نظر الشيخ الداعشي للموبايل ثم احتقن، فلقد كان في خلفية الموبايل صورة “أنثى”، وبدأ بالصراخ على الشاب: “هل هذه زوجتك؟ هل هي جالسة بآخر الباص؟ ها؟”، أجاب الشاب بتوتر شديد ” “لا لا”، لم يعرف الشاب أن يشرح له حتى بأن هذه خلفية أساسية للموبايل، لم يعرف حتى كيف يزيلها. كان لدى الشاب موبايل ثاني فيه شريحة، أخرجه عندما كان الشيخ منشغلاً عنه و”نكزني” لآخذه منه.
عاد الشيخ للشاب، وسأله: “هل أنت مسلم؟”، فأومأ بالإيجاب بعد الحمد على نعمة الإسلام. فبدأ بسؤاله عن عدد ركعات كل صلاة، في تلك اللحظة كنت أحاول ترديد العدد معه، أجاب الشاب ببراعة وسرعة عن كل الأعداد المطلوبة. فما كان من الشيخ إلا أن أضاف، حسناً كيف تصلي؟ أي بعد تكبيرة الإحرام ماذا تفعل، قال له: “أقرأ الفاتحة”، فطلب منه تلاوة الفاتحة، انتظره حتى انتهى، فطلب ملحاً “فقط؟، بس هيك خلصت الصلاة”، فأجاب الشاب لا طبعاً، نقول بسم الله ثم آية. هنا خشيت أن يستمر الشيخ بالاستجواب ويقول له “آية فقط؟”. ولكنه توقف عند هذا الحد. تركه ثم ذهب لبقية الركاب، طلب من أربعة شباب منهم أطفال النزول معه لأسفل الباص، وبدأ استجواب معهم لمدة نصف ساعة، لم يتوقف لحين وصول باص جديد. فتركنا نذهب بحالنا أخيراً.
مررنا بحاجز آخر للتنظيم، ولكنه اكتفى بالسلام علينا، ثم استمرينا حوالي الساعة والنصف في مناطق خاضعة كلها لداعش، قرى صغيرة في ريف حلب لم أسمع عنها بحياتي ولم أحفظ حتى اسمها، أخرجنا السجائر، ولكننا كنا ندخن بالخفاء خشية أن يرانا أحد مطاوعة “داعش” المنتشرين على الطريق.
الميزة الوحيدة التي لاحظتها في المنطقة هي انتشار الوقود بأسعار رخيصة نسبياً، وأن التشليح والرشوة معدومة.
أخيراً وصلنا لمنبج، وكان المهرب الشاب باستقبالي، كانت الساعة قد تجاوزت السادسة والنصف مساء بقليل. عند مواقف الباص في بعض المناطق في آخر محطاتنا عند منبج كانت “السرافيس” تنادي للركاب لمن يرغب بالذهاب لتركيا.
لم أكن أعرف ما الترتيب عند وصولي، استقليت سيارة المهرب وكان يرافقه ابن خالته الطبيب، ثم ذهبنا للقاء قريبه الآخر وهو صيدلي في منبج، علمت في الطريق أن الطبيب تم الحكم عليه منذ يومين من قبل داعش بحضور دروس دينية لمدة 18 يوماً “الحسبة” لأنهم في “كبسة” لعيادته للتأكد من قيامه بفروض الصلاة، وجدوا الممرضة لديه مع مريضة في وضع مخل للأدب، لقد كانت الممرضة كاشفة عن وجهها!!!. „grin“-Emoticon
وصلت لبيت صاحبنا، وتعرفت على عائلته كاملة، عائلة مرحة جداً محبة للحياة، وأهل ضيافة وكرم. أخبروني بعد أن ارتاحوا لي ووثقوا بي الكثير عن قصص داعش، وعن كرههم الشديد لهم، أخبروني عن قصة المدينة التي انتقلت خلال السنوات الأربع من قبضة الجيش الحر للنصرة لداعش، وأن أسوأ الأيام يعيشونها الآن. كل شيء ممنوع أو يكاد في بلاد داعش، الفرح ممنوع والسيجارة، ووجود النساء في السوق، وانتقال المرأة لأي مكان بدون محرم، وتربية الشوارب وحلق اللحية وتطويل السروال.. منظر سيريالي بامتياز أن ترى الناس في الشوارع وقد “كفوا” بناطيلهم.
عدا عن الدروس الدينية الروتينية لكل منطقة كل فترة، والإغلاق وقت كل صلاة ومراقبة الناس وعد أنفاسهم.
أخبروني بأنه عند مبايعة البغدادي، تم إطلاق رصاص يكفي لتحرير الجولان، هنا ابتسمت وقلت لهم يعني ما فرقوا شي عن شبيحة النظام؟ هنا تنهد الأب وقال والله أسوأ بكثير.. شعرت أنه يتمنى عودة النظام وتفضيله له على داعش، رغم أن العائلة فقدت شهيدين قتلهم النظام.
في هذه المنطقة أيضاً لا يوجد تغطية اتصالات نهائياً، الأسعار مختلفة وأغلى عموماً فيما يتعلق بالمواد الغذائية، ولكن يوجد بطاقات أنترنت يشترونها من المحلات، ويمكنهم الاشتراك بالكهرباء خلال فترات القطع بشراء أمبيرات.. لم يكن لدي الوقت الكافي ولا المزاج الملائم لكي أسأل عن تفاصيل كثيرة، عن كيفية وقدرة الدولة على تأمين هذه الخدمات رغم المحاصرة الدولية.
نمت تلك الليلة لديهم، ثم أيقظوني الساعة الخامسة صباحاً للذهاب مع المهرب الجديد لرحلة العبور إلى تركيا.
انطلق بنا المهرب، إلى مزرعة خارج منبج، التحق بنا “هاربون” آخرون، بينهم عائلة كاملة مع أطفال صغار.. ثم خرجنا من منبج باتجاه تل رفعت، مررنا بحاجزين لداعش في طريقنا لتل رفعت، ثم تغيرت البيئة، ومررنا بحاجز للجيش الحر، ثم حاجزين للجبهة الإسلامية. هنا كانت الأمور أكثر سهولة ويسر، فالتدخين مسموح، والنساء لسن مضطرات للتغطية عن وجوههن.
في تل رفعت، تجمعنا مع عائلات جديدة، واستقلينا “سرفيس” جديد، وذهبنا مع مهرب آخر باتجاه نقطة التهريب. مررنا بالطريق من “منغ” ووصلنا أخيراً إلى إعزاز، مررنا بجانب المعبر النظامي (باب السلامة) الذي تسيطر عليه الجبهة الشامية، ولكن في حالتنا فكانت الوجهة هي نقطة تهريب تمسك بها جبهة النصرة.
في الطريق كان هناك سيارة واقفة وناس واقفون بجانب طريق طيني وبدأوا يصرخون لنا بأن الطريق مفتوح.
قيل لنا قبل الذهاب لنقطة النصرة، بأن عبورنا للجانب الآخر يعتمد كثيراً على الحظ، وقد نذهب ونعود عدة مرات، بحسب مزاج الأتراك. وحسب المهرب.
سألنا المهرب إن كنا نرغب بالنزول هنا، فأجبناه أن يستمر نحو نقطة النصرة.
وصلنا بعد دقائق لتلك النقطة والتي يسميها أهل حلب (التيل) ويعنون به السياج الجدودي الفاصل.
بدأ عناصر جبهة النصرة بالتحقيق مع المهرب للتأكد بأنه لم يستغلنا مادياً ولم يأخذ أكثر من التسعيرة المعتمدة، والتي لم نعرف ما هي.. لم يستطع أحد أن يقول لعناصر النصرة شيئاً لأننا أصلاً لا نعرف المهرب ولم ندفع له مباشرة.. هنا فهمت سبب التغيير مرتين، فهكذا من الصعب متابعة المهرب الرئيسي.
تركوه أخيراً.
تم تفتيش حقائبنا القليلة، وتدقيق هوياتنا. ثم بدأنا بالصعود إلى “تراكتورات” على مجموعات، صاحب التركتور يأخذ مائة ليرة فقط ليوصلنا لأقرب نقطة من الحد الفاصل.
بعد ربع ساعة كنا على تلك الحدود، كانت دبابة تركية تراقبنا من بعيد لا مبالية بنا. وكان ينتظرنا أشخاص في الجانب الآخر ليساعدونا على اجتياز الخط الفاصل.
مشينا قرابة الثلاثمائة متر، خلال خمس دقائق فقط كنا في تركيا.
كانت تنتظرنا سيارة “فوكس” شبيهة بالسرفيس السوري، ولكنها أكبر وأحدث، بعد مفاوضات مع الشوفير التركي، أخذ 2500 على الراكب لإيصالنا لمحطة باصات “كلس”، على بعد عشر دقائق فقط من الشريط الحدودي.
استغرقت هذه الرحلة من منبج إلى كلس حوالي ستة ساعات، وصلت إلى تركيا حوالي الساعة الثانية عشرة ظهراً.
حال وصولي لمحطة كلس، كان هناك سوريون ينادون على المدن، كان هناك شاب ينادي اسطنبول، ذهبت معه، حجزت بالباص في المكتب، صرفت ما تبقى معي من ليرات سورية، تحدثت مع عائلتي لتطمينهم من موبايله، ثم انتظرت الباص الذي كان سيذهب الساعة الثانية والنصف، في رحلة طويلة إلى اسطنبول استغرقت حوالي 22 ساعة، بقيت فيها طوال الوقت مستيقظاً أراجع فيها رحلتي وحياتي وثورتنا المسلوبة، وبلادنا المدمرة، وحالتنا المشردة.
بدأت إذاً حياة جديدة للاجئ جديد من هذا الشعب المنكوب…



تنويه : ماينشر على صفحة كتاباتكم تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع