أخبار عاجلة
الرئيسية » تاريخ وتراث » السوريون ملوك العالم…من الأرض السورية خرجوا ليحكموا عروش وممالك روما

السوريون ملوك العالم…من الأرض السورية خرجوا ليحكموا عروش وممالك روما

«عندما نكون في سورية نجد أنفسنا نمتزج مع التاريخ ذاته فهي بوابة التاريخ كما يطلق عليها بعض المؤرخين والباحثين، فكل ذرة من ترابها هي حرف مضيء في سفر الإنسانية الخالد»، هكذا يقول رئيس البعثة الأثرية الأميركية التي عملت في الكشف عن مملكة كانا في منطقة مجاورة لالتقاء نهر الفرات ونهر الخابور في منطقة الجزيرة السورية.

ومن بوابة التاريخ خرج السوريون إلى العالم ليؤكدوا عمق الثقافة السورية وتنوعها وغناها، ناشرين إبداعهم ومثبتين تألقهم ونجاحهم على اختلاف مشاربهم وبشتى المجالات أينما كانوا، فمنهم علماء وأدباء وباحثون وحرفيون تركوا بصماتهم اللامعة، وإن عدنا إلى التاريخ تتكشف لنا أسماء لأشخاص بلغوا أعلى المراتب وأسمى الدرجات ونالوا من المجد أقصاه وخلدهم التاريخ، وعلى وجه التحديد هؤلاء العظماء الذين تبوءوا عرش الإمبراطورية الرومانية وكانوا سوريين بامتياز، حكموا فملكوا، وكانوا مثالاً يحتذى به في الحكمة والعدل والقوة والذكاء، وقد وثق التاريخ مرحلتين امتاز بهما الحكم في روما، الأولى اتصفت بالازدهار والعمران وكان رموزها السوريون الفينيقيون النبلاء المثقفون الذين كانوا يصرون على إظهار أصلهم العربي، ومرحلة الحكم الأخرى قادها أباطرة لاتين اتسموا بالفوضوية والهمجية.

جوليا دومنا (193-211م)
حكم الأباطرة السوريون روما لفترة دامت نحو 42 عاماً امتدت بين الأعوام 193 – 235 م، ابتدأت عندما تبوأ القرطاجي «سبتيموس سيفيروس» الإمبراطورية بعد دخوله روما مع جنوده بصفته قائداً لجيش الدانوب على خلفية حدوث فوضى في انتخاب بديل للإمبراطور كومود الذي توفي مسموماً عام 192م، وبعد رفض قادة الجيوش لحكم الإمبراطور «ديديوس يوليان» الذي أصدر المجلس العالي الروماني لاحقاً حكماً بالقبض عليه وقتله باعتباره مجرماً، فأصبح سبتيموس سيفيروس الإمبراطور الروماني الواحد والعشرين بلا منازع حين قضى على منافسيه الاثنين كلوديوس ألبينوس وبيسينيوس نيغر بعد شنه حملات ضدهم، سبتيموس سيفيروس المولود في ليبيا عام 146م وهو من أصل فينيقي وتحديداً من أفاميا، كان قد تزوج عام 187م من الفتاة الحسناء «جوليا دومنا» التي فتنه جمالها أثناء وجوده في «إميسا» حمص الحالية، جوليا دومنا سليلة الأسرة الحمصية الأرستقراطية، ابنة «باسيانوس» كاهن معبد إله الشمس «إلا هاغابال» في حمص، ولدت عام 170م وكانت تملك قدراً كبيراً من الذكاء والثقافة والجمال وكانت تتكلم اللغة الآرامية، رافقت جوليا دومنا زوجها سبتيموس سيفيروس حين دخل روما وانتخب إمبراطوراً، فكان لها ما لزوجها من مكانة وسلطة ونفوذ، وكان لها الأثر الكبير في الدولة فحكمت بشكل غير مباشر الإمبراطورية الرومانية التي كانت تمتد حينها من سكوتلاندا في أقصى الغرب الأوروبي حتى بلاد الرافدين في الشرق، وفي الوقت ذاته كانت تشرف على إدارة معهد للعلم والأدب والسياسة كان يضم شخصيات من الرومان والنخبة من السوريين، وبلغت جوليا دومنا من العظمة والجلالة في روما أبعد الحدود ونالت درجة الربوبيَّة وأشيدت لها التماثيل والمعابد ونُقِشت صورتها على النقود، وعُرفت بعدّة ألقاب كان منها «آلهة السماء» في قرطاجة و«فينوس السماء» في بوتيولي، رُزقت جوليا دومنا بولدين كان أكبرهما «أوريليوس أنتونيوس» ولُقبَ فيما بعد «كاراكلا» وقد ولد في فرنسا عام 188م والابن الأصغر «بوبليوس غيتا» الذي ولد عام 189م، وشقيقتها «جوليا ميزا» كان لها ابنتان «جوليا سوميا» و«جوليا ماميا» كانتا على درجة عالية من الثقافة والعلم وتملكان ثروة عظيمة. اختتم زوج جوليا دومنا الإمبراطور سبتيموس سيفيروس حكمه بوصوله إلى «كلدونيا» في شمال بريطانيا وانتصر على الاسكتلنديين هناك، ثم توفي في مدينة «يورك» عام 211م، وكانت وصيته الأخيرة الحفاظ على الأسرة الإمبراطورية والسعي لنيل رضا الجيش.

الإمبراطور أوريليوس أنتونيوس «كاراكلا» (211-217م)
بعد رحيل سيفيروس، عادت جوليا دومنا مع ولديها من بريطانيا إلى روما وتسلمت حكم الإمبراطورية من خلال ولديها كاراكلا وغيتا اللذين أقنعتهما بأن يتشاركا الحكم تنفيذاً لوصية والدهما، لكن بعد سنة واحدة من الحكم معاً دبّت الخلافات بينهما وتفاقمت الضغينة والطمع بأن يحكم كل منهما الإمبراطورية على انفراد، فقام كاراكلا ذو الـ22عاماً بقتل أخيه على مرأى من عين والدتهما وقد منعها من إبداء الحزن عليه، فما كان من جوليا دومنا إلا أن تقف إلى جانب ولدها كاراكلا وقامت بإدارة شؤون الإمبراطورية بما تملكه من ثقافة وتمرس بالحكم وبما لديها من حكمة قد ازدادت من خلال علاقاتها الوثيقة مع الفلاسفة والأدباء وكانت تجتمع بهم في الصالونات الثقافية التي تقيمها في القصر، وعلى الرغم من انشغال كاراكلا بالأمور العسكرية إلا أنه حقق الكثير من الإنجازات خلال فترة حكمه كان منها إصداره لقانون يسمح بمنح الجنسية الرومانية لجميع سكان الإمبراطورية الذي عُرف «بتشريع كاراكلا»، فأدى ذلك لامتلاء الخزينة بالأموال التي يتم تقاضيها كرسوم عند منح الجنسية وبذلك جعل جميع سكان الإمبراطورية سواسية ما أدى لازدياد شعبيته بين الرعيّة، وقد عرف عنه من مساعدته للمستجيرين والمحتاجين من خلال تجواله المتواصل في ولايات الإمبراطورية، وفي عام 217م شاركته والدته جوليا دومنا حملته ضد البارثيين في الشرق، واستمرت الحملة حتى تم اغتياله من قبل رئيس الحرس مكرينوس شمال سورية وأرسل رماده إلى والدته التي آثرت الانتحار حزناً عليه بامتناعها عن الطعام، وجرى تخليد كاراكلا في روما عبر إنشاء حمّامات كبيرة تحمل اسمه ومازالت آثارها قائمة إلى يومنا هذا.

الإمبرطور إيلاغابال (218-222م)
بعد اغتيال كاراكلا ووفاة جوليا دومنا، قام مكرينوس بإبعاد شقيقتها جوليا ميزا وجوليا سوميا زوجة كاراكلا وابنه أفيتوس باسيان وشقيقتها الثانية جوليا ماميا وابنها الكسندروس سيفيروس من روما فعادوا إلى حمص وبحوزتهم ثروة وافرة، واستلمت جوليا ميزا مفاتيح الهيكل وعيّنت ابنها أفيتوس كاهناً له، وكان فيه تقوى وورع ما جعل له شعبية بين الناس والجنود الذين حقدوا على مكرينوس الذي قتل كاراكلا وتسبب في وفاة جوليا دومنا، قامت جوليا ميزا بتدبير مؤامرة للإطاحة بماكسيموس وتنصيب حفيدها إيلاغابال ابن جوليا سوميا مكانه. ولتسهيل ذلك ادعت ميزا وزوجة كاراكلا جوليا سوميا أن هذا الإمبراطور الجديد الذي كان يبلغ من العمر أربعة عشر عاماً كان الابن غير الشرعي لكاراكلا، لكن الإمبراطور المراهق تسبب بكارثة للعائلة والإمبراطورية بعد أن التصقت به الفضائح الدينية والجنسية، فقررت جوليا ميزا أنه من المناسب أن تنقل الحكم إلى حفيدها الآخر أليكساندر سيفيروس، وجرى لاحقاً اغتيال إيلاغابال من قبل الحرس الإمبراطوري.

ألكساندر سيفيروس (222-235م)
بعد اغتيال إيلاغابال تولّى ابن خالته ألكساندر سيفيروس الحكم وهو سوري الأب والأم وهو آخر إمبراطور من هذه العائلة، وكان محبوباً من الجند وباشر بإصلاح الخلل الذي ورثه ممن سبقوه، فأقام مجلساً للشورى ضم 16 عضواً من الحكماء، وأقام المجلس البلدي لروما الذي تألف من 14 عضواً، وقد اهتم بشؤون المرأة والارتقاء بالقيم الأخلاقية، ونقش على باب قصره مقولة (لا تفعل بالغير ما لا تريد أن يفعله الغير بك)، ازدهرت فترة حكمه حتى عام 231م حين اضطر لمحاربة ملك الفرس بمساعدة من والدته جوليا سوميا وحقق انتصاراً، تبعته هزيمة على يد الساسانيين حين حرك جيشه إلى عاصمتهم المدائن، إلا أنه أجبر على التراجع ما أدى لحدوث اضطرابات ومحاولات لعزله، واضطر بعد ذلك لمواجهة الغزاة الجرمانيين في فرنسا، إلا أنه سعى للاتفاق معهم عن طريق دفع الأموال لتجنب ويلات الحرب، إلا أن أحد قادة الفيلق الروماني ويدعى مكسيمنوس تمرد على هذا التصرّف بدعم من جنوده الذين اختاروه إمبراطوراً وذهبوا إلى الكساندر واغتالوه مع أمه عام 235م، وبرحيل ألكساندر بدأ ما عرف تاريخياً بفوضى القرن الثالث التي سبقت انهيار الإمبراطورية الرومانية.

ومن الجدير بالملاحظة في فترة حكم الأباطرة السوريين لروما، عظمة نسائهم وكفاءتهن، من خلال مشاركتهن للرجال في القيادة وإبدائهن للرأي والمشورة، فكنّ خير سند لهم في إدارة الحكم وفي أعتى الحروب، وكنَّ خير دليل على قدرة المرأة في العموم والمرأة السورية على وجه الخصوص على إدارة الأمور واتخاذ القرارات الصائبة بحكمة وقوة في آن معاً، ولنا مثال على ذلك جوليا دومنا التي خلّدها التاريخ كأحد أعظم قادة الإمبراطورية الرومانية.