أخبار عاجلة
الرئيسية » ثقافة وفن » جيل كيبيل : في تونس هناك طبقة وسطى شجاعة , وفي سوريا صادرت الطائفية الثورة

جيل كيبيل : في تونس هناك طبقة وسطى شجاعة , وفي سوريا صادرت الطائفية الثورة

قضية للنقاش

 

بعد الطاهر بن جلّون (3/24) وغسان سلامة (4/2) طرحت “النهار” اسئلتها على المتخصص الفرنسي في الاسلام والعالم العربي المعاصر الاستاذ الجامعي جيل كيبيل الذي يتحدث في كتابه “الشغف العربي” عن “معمودية” له في اول زيارة الى سوريا، حين كان فتى، جعلته يشعر بانتمائه الى هذا الشرق مقدِّرا آلامه، وليس خبيرا فيه وحسب.

لدى كيبيل الكثير من المؤلفات: “النبي والفرعون” (الحركات الاسلامية في مصر المعاصرة – 1984) و”ضواحي الاسلام” (ولادة ديانة في فرنسا 1987) و”جهاد” (2000) يدرس فيه تطور الاسلام السياسي ويعتبر ان ترسيخه مؤشر هبوط اكثر منه مؤشر صعود بقوة، و”فتنة” (2004) حيث يبرز الدين الاسلامي كشكل من اشكال الحرب الاهلية داخل الاسلام. في ما يلي إجاباته على اسئلة “النهار”.
ما هي الاسباب التي تدفع بالمجموعات المتطرفة الى النمو ومن ثم الى هذا المستوى من التوحش؟
– اليوم مشكلة التوحش مهمة، صدر كتاب على الإنترنت “إدارة التوحش” لأبي بكر ناجي، يشرح انه يجب تنظيم الارهاب من القاعدة الشعبية الى الرأس وليس العكس. وبحسب ابي مصعب السوري واسمه مصطفى ست مريم نصار في “الدعوة الى المقاومة الاسلامية العالمية” (١٦٠٠ صفحة على الإنترنت) دليل الجهاد المعاصر وهو نقد لعمليات 11 ايلول في الولايات المتحدة التي فشلت في تجنيد الجماهير العريضة المسلمة تحت راية النبي. كان مع الاخوان وانضم الى تنظيم “القاعدة”. عاش في “لندنستان” اي أماكن سكن المسلمين في لندن. وكان رئيس تحرير مجلة “الأنصار” للجماعات الاسلامية المسلحة الجزائرية. عاد الى أفغانستان وكان مسؤولا عن العلاقات العامة لاسامة بن لابن. نظم علاقاته مع روبرت فيسك وغيره، يشرح انه يجب العمل على عكس تنظيم “القاعدة”، اي تجنيد شبان أوروبيين من اصل عربي مغربي وغيره او شباب من اصل فرنسي اعتنقوا الاسلام بعد ان شاهدوا أشرطة فيديو عن قتل اطفال سوريا على يد بشار الأسد، وهم في عملية بحث عن الذات ووجدوا في هذا الاسلام المتطرف الراديكالي هوية جديدة من غير شبهات وأسئلة تطرحها حياتهم في المجتمع ما بعد الحديث. وهذه ظاهرة جديدة عندنا، وحاليا تشير ارقام الشرطة الفرنسية إلى ان نحو ١٤٠٠ جهادي او جهادية في الطريق الى الشام. او هم موجودون في الشام او عادوا منها. وربع هذا العدد من الذين اعتنقوا الاسلام وثلثهم فتيات وهذه الظاهرة لم تحصل ايام تنظيم “القاعدة” قبل ٢٠٠٥.
ما هي مسؤولية الغرب؟ أهي في عدم قدرته على فهم الاسلام أم في رغبته بالتمسك بشبكة من المصالح واستتباع العالمين العربي والاسلامي؟
– لا مسؤولية للغرب في نمو التطرف. المسؤولية هي مسؤولية الأنظمة الاستبدادية في العالم العربي. والجهاديون المعاصرون استفادوا من فشل الحركات الديموقراطية التي انبثقت في العام ٢٠١١ مع الثورات العربية، واستفادوا من الأزمة الاجتماعية في الجاليات الاسلامية في الكثير من البلدان الأوروبية، ومن عدم وجود آفاق للنجاح الاجتماعي. والمشكلة اقتصادية اكثر من اي شيء آخر، لأن الأجيال السابقة من الفقراء المهاجرين او الفلاحين الفرنسيين الذين حضروا من القرى الى ضواحي المدن الكبيرة ترقوا اجتماعيا لأنهم وجدوا فرص عمل في المصانع والشركات الكبرى. ولكن الآن لا يوجد في المجتمع الأوروبي ما بعد الحديث امكان للعمل كما في السابق لغير المتعلمين. وغالبية اولاد الجالية المهاجرة من البلدان الاسلامية لا يتمتعون بالمستوى العلمي الكافي لينضموا إلى مجتمع الخدمات الا في المستويات البسيطة. اما بالنسبة الى ظاهرة الجهاديين الأوروبيين فهي ظهرت لأسباب عدة منها السياسي الأيديولوجي الخاص بالنضال ضد الأنظمة الديكتاتورية مثل النظام السوري وغيره. ولكن في الوقت نفسه بعض الشبان في أوروبا وجدوا في هذا الجهاد جوابا لمشكلاتهم الخاصة وهذا شيء جديد يشير الى العلاقة المزدوجة بين العالم العربي وأوروبا. في السابق كانت أوروبا سلطة استعمارية ثم كانت سنوات الاستقلال، ولكننا الان عدنا الى زمن ما بين الاثنين.
ما هي الرسالة التي تريد المجموعات المسلحة ايصالها من خلال هذه الاساليب في القتل والتدمير؟
– هذه الظاهرة تعود الى تاريخ الطائفية في العالم العربي، القرامطة والخوارج ايام زمان. إثر حرق الكساسبة صدرت فتوى بحق البغاة كي يُقتلوا ويُصلبوا وتقطع اوصالهم. في الاسلام هناك طائفة جلبت الفتنة إلى صفوف المسلمين واضعة وحدة الأمة في خطر. اعتقد اليوم ان “داعش” تشبه كثيرا هذه الطائفة ولذلك بدأنا نرى رد فعل سني أكبر ضدها.
¶ ما هي مسؤولية الدين الاسلامي نفسه عن هذا الغلو؟
– هناك من يقول ان “داعش” لا علاقة لها بالإسلام وهذا غير صحيح، لان الدواعش يمضون وقتهم بتفسير ما يقومون به على انه جزء من النصوص المقدسة. مثلا بيع الرهائن الازيديين برّروه بالنصوص المقدسة التي تسمح بأخذ نساء الكفار كغنيمة وبيعها. المشكلة انهم يترجمون حرفيا هذه النصوص بطريقة سلفية مطلقة. ولكن قوة الحضارة الاسلامية في خمسة عشر قرنا كانت في ترجمة للنصوص المقدسة وأقلمتها في إطار المجتمعات في حينه.
¶ هل صحيح ان ثمة مدارس ومذاهب اسلامية متشددة هي بعينها من يولد مثل هذه الافكار والرؤى الكارثية؟
– اليوم تحديدا “داعش” تريد خلق فتنة داخل الاسلام السنّي وهذا ما يشعر به الكثير من العلماء السنّة. منهم في البداية من اعتقد ان داعش ستكون طليعة السنّة ضد الشيعة والغرب. ولكنه اليوم يرى ان “داعش” أصبحت الخطر الأكبر على الوحدة السنّية بحد ذاتها.
¶ هل فعلا العقل الغربي الضمني مرتاح لهذا الانحراف الخطير والتشدد المرضي لأنه يقدم الوجه السلبي للاسلام، ويؤدي الى تحطيم دول العالم العربي وانظمتها واغراقها في بحور من الفوضى؟
– كلا العقل الغربي ليس مرتاحا. نحن في فرنسا نرغب بالعيش بتناغم مع مواطنينا المسلمين ولكن من غير الممكن ان يحصل التعايش مع وجود هؤلاء الجهاديين في صفوفهم. في المدى القصير بالإمكان الاعتقاد مثلا ان الخلاف الحاد بين السنّة والشيعة يضعف العالم الاسلامي. وهذا يفرح اسرائيل وأميركا ولكن في المدى الطويل انفجار منطقة الشرق الاوسط التي تحتوي على اكبر مخزون للنفط في العالم سيؤدي الى أزمة عالمية.
¶ ما هو المطلوب من المراجع الاسلامية العريقة والمتعقلة والمسؤولة ومن النخب المثقفقة؟
– في العالم العربي على المثقفين التحلي بالشجاعة لنبذ “داعش” التي تضعهم في خطر. وفي العالم الغربي من المهم نبذ “داعش” دون دمجه بالمسلمين ككل، وهذا ما اردنا قوله في فرنسا في التظاهرة الكبيرة التي اجتمع فيها اربعة ملايين فرنسي في ١١ كانون الثاني الماضي.
¶ ثمة خبراء وباحثون يرون ان حالة نكوص وتراجع انتابت الاسلام منذ نصف قرن؟
– داعش إعادت الاسلام اربعة عشر قرنا الى الوراء، وليس ربع قرن، ولكن من الناحية الاخرى هناك ما حصل في تونس حيث الطبقة الوسطى والمثقفون والعصريون نجحوا بعد الثورة، وبعد السلطة الاسلامية، في اعادة إعمار دولة عربية مسلمة وديموقراطية وعلمانية.
¶ يحمّل البعض الغرب مسؤولية غير مباشرة عن هذا التوحش الفالت من عقاله من خلال سني الاستعمار وزرع اسرائيل، وازدراء الدين الاسلامي، وفرض انظمة ديكتاتورية متخلفة على الدول الاساسية في العالم العربي، ما فتح الابواب نحو التشدد والتزمت كرد فعل؟
– اذا عدنا للتاريخ القديم هناك قصة الاستعمار والغزو الإسلامي والجهاد والقرصنة في الغرب وبالإمكان اللعب بتراشق التهم الى ما لا نهاية. يجب النظر الى الحقيقة المعاصرة، وفهم لماذا في بعض البلدان مثل تونس الثورة أدّت الى خلق دولة ديموقراطية ولكن في بلدان اخرى مثل سوريا هناك اليوم “داعش”. برأيي في تونس هناك طبقة وسطى شجاعة كانت قادرة على الكفاح من اجل مبادئها دون ان تتوصل الى تحالفات مع أعداء الحرية. في سوريا صادرت الطائفية الثورة وهو تحدٍ داخلي وخارجي لأن الطائفية استعملتها القوتان الكبريان اللتان تتنازعان السلطة على الشرق الاوسط ايران الشيعية من جهة والسعودية السلفية من جهة اخرى.
¶ هل صحيح ان الصراع الدائر حاليا قد اقفل الابواب امام كل الدعوات التي اطلقت لاقامة حوار واعادت في المقابل الاعتبار لمقولة: “الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا”؟
– هناك ضرورة للتحاور لكي نتمكن من العيش.

 

 

 

باريس رلى معوض  صحيفة النهار