أخبار عاجلة
الرئيسية » الشأن السوري » حسب صحيفة الحياة فقد اقتربت ادلب لتتحول الى رقة وموصل أخرى

حسب صحيفة الحياة فقد اقتربت ادلب لتتحول الى رقة وموصل أخرى

مرة جديدة، إدلب نقطة انعطاف. مرة أخرى، تقع ضحية التعميم. هذه المرة، من «أنصار» المدينة. «أُسقطت» في فخ التنميط، عندما «تحرّرت» منه. استعجل «أنصار الثورة» وأد حلم أهلها. أُلبست النقاب غصباً عنها. وُضعت في أيدي أبنائها، كل أبنائها، رايات «جبهة النصرة». رُفعت الرايات السوداء فوق بيوتها وتلالها وكرزها وزيتونها ومدت في سهولها ووديانها ونهرها العاصي. سالت شقائق النعمان في شوارعها وبين المتبقي من بيوتها. هنا، الكرز والزيتون وشقائق النعمان، ليست تفاصيل استشراقية.

لم يغفر لها نشطاؤها وشبابها. لم تسعفها كفرنبل وسراقب وبنش. اُعيد أهلها إلى العهد السابق. اختصروا في الوجه الآخر لـ «البعث». كما كانت «معقلاً» لـ «الإخوان المسلمين» في خطاب النظام لعقود، صارت معسكراً لـ «جبهة النصرة» في خطاب بعض المعارضين والمثقفين وبعض «الأنصار» في أيام أو ساعات. كانت «مزرعة» وأصبحت «إمارة». لم يكن فيها بشر. فقط «نازحون ومُفقرون، ومزارعون فقدوا مواسمهم وتلامذة خارج المدارس». تكرم بعضهم بعدم تعداد الجوامع. المواسم هي من لوازم «مزرعة البعث» والمساجد من أدوات «الإمارة». كانوا رعايا في المزرعة وهم إرهابيون في الإمارة. ولا يمكن لـ «عاقل أن يشتهي ذلك». المدينة «لم تتحرر، بل اُحتلت». هذه المرة «احتلت من الظلاميين» الذين «لم يأتوا لنصرة ثورة الشعب السوري كما زعموا في البداية، بل جاؤوا لاغتيال ثورته»، أي ثورتـ «نا»، نحن المثقفين.

وأعظم عمليتي «اغتيال» حصلتا، عندما «الظلاميون» أحرقوا «العلم الرسمي الحالي» الذي كان «علم الاحتجاج في بداية الثورة ورفعه الحمويون (أهالي حماة) بتظاهراتهم الكبرى». أما «الاغتيال» الثاني، فكان «ما وصلنا بعد سقوط إدلب من فيديوات عن تحطيم تمثال إبراهيم هنانو». ولا بد من تذكير أحدهم لأهل إدلب، إبراهيم هنانو «هو شخصية سورية من أصول كردية».

لحسن الحظ، نسي «أنصار» المدينة تذكير أهلها بـ «اغتيال» ثالث، تمثل بقطع رأس تمثال الفيلسوف أبو العلاء المعري العام الماضي. لحسن الحظ، لم يُذكر نشطاء معرة النعمان وجبل الزاوية بـ «رهين المحبسين». ولم يعرفوهم بحضارة ايبلا ومكتبتها الطينية والعريقة واتفاق السلام فيها قبل آلاف السنين و «المدن المنسية» ومتحف الفسيفساء في معرة النعمان، لدى تحذيرهم بأن 15 ألف قطعة أثرية كانت موجودة في متحف المدينة، باتت عرضة للنهب. لم يعلق في ذاكرة النصحاء، تلك الكهوف، إرثهم الحضاري بات ملجأ من القصف. اُعيد أهلها فعلاً إلى العصر الحجري… والظلام.

هذا ما جاء في مقالات وتعليقات على «فايسبوك» من «أنصار» المدينة. أما في الخطاب الرسمي، فان «أهالي ريف إدلب والقرى المحيطة في المدينة يعانون من انتشار تنظيمات إرهابية تكفيرية تشن هجمات إرهابية على الأهالي وتسلب أرزاقهم وتخرب ممتلكاتهم وأغلبها تنضوي تحت زعامة جبهة النصرة الإرهابية»، بحسب «وكالة الأنباء السورية الرسمية» (سانا). موالو النظام، كانوا أكثر معرفة بإدلب وقراها، إذ كتب أحدهم أن «وحدات من الجيش تنفذ عمليات مكثفة ودقيقة على أوكار تنظيم «جبهة النصرة» في مدينة إدلب وسلقين وسرمين ومعرة مصرين». الموالون أكثر معرفة بأسماء القرى والضيع، إذ إن «مدفعية الجيش تقصف مواقع الإرهابيين في مجدليا والنيرب وجنوب كل من سراقب وكورين ونصيبين وفي معربليت وغرب كفر نجد وفي بنش وسلقين وأبو الضهور وتل سلمو والحميدية وسرمين وتفتناز وبياعة والجعكية والتمانعة والهبيط ونحليا وفيلون وجنوبها وقميناس وعلى طريق الفوعة في ريف إدلب».

إدلب منعطف، لأنها ردمت جزءاً ليس يسيراً من الفجوة. ليس هيناً أن يلتقي بعض «أنصار الثورة» و المعارضة و»أنصار النظام» في اختزال إدلب في «جبهة النصرة» وأهلها بأنهم «تكفيريون». أي أن من بقي من أهلها هم «إرهابيون»، والتعامل معهم، هي لغة واحدة. يعرف مفرداتها أهل الرقة، حين تركوا لمصيرهم لسنتين قبل مجيء التحالف وغاراته. الأنصار نصحوا بالكلمات، هنا النصيحة بالغارات.

ما حصل في الأيام الأخيرة والمحاولات المتعثرة لم تغفر لأهل المدينة. إدلب «اُسقطت» خطابياً في أيدي الظلاميين. صور المخيلة هي «حقيقة». من قرأ التعليقات والنصائح، يتخيل الآتي: دخل مقاتلو المعارضة إلى المدينة حيث نصف مليون مدني. دخلت «النصرة» ورفعت راياتها السوداء على جميع المواقع الحكومية. قصر المحافظة ومنزل المحافظ. قصر العدل. المدارس جميعها. المستشفيات. المقاهي. دار السينما الوحيدة. حرقت مكتباتها. اصطحب «أمير قطاع إدلب» عناصره وقطاعي الرؤوس إلى حي المسيحيين حيث ١٥٠٠ شخص. جمعهم أمام الكاميرا. قطع رؤوسهم. حرق كنيستهم. دمر صلبانهم.

يُخيل لمن بقي على الأرض، كأن حديث بعضهم هو عن مدينة أخرى. كأنه كان لدى إرهابي «النصرة» قائمة بأسماء «الشبيحة». ثلاثة آلاف اسم. أحيلوا إلى «القضاء الشرعي». رفعت المقصلات. قطعت الرؤوس وتدحرجت في الشوارع. وسالت الدماء أنهاراً. هذا معدن «الأدالبة» في القتل والتطرف. أشد بداوة من البداوة. جمعوا «أجرام» المزارع والصحراء. أيضاً، دخل الإرهابيون إلى المقرات الأمنية. قتلوا جميع المعتقلين، من بقي منهم. حرقوا الأبنية. أخبار الحرق وقطع الرؤوس، سبقت وصول الإرهابيين. فاقت الأخبار المتواترة من أمين معلوف عن حرق وشوي أهالي معرة النعمان المحاصرة إبان الحروب الصليبة قبل مئات السنين.

ليس إنجازاً أن هذا بعضه أو كله لم يحصل. ولا يستحق التهليل. ببساطة لم يحصل إلى الآن. لحسن الحظ أنه لم يحصل إلى الآن. والأمل والعمل ألا يحصل. إذن، دعك مما يحصل في تكريت. دعك من أخبار «الحشد الشعبي». دعك مما يحصل في بيروت ولبنان. هؤلاء لا يحتاجون إلى نصيحة. هم أدرى بأمورهم ويعرفون. أخبار ادلب طازجة اكثر. وأهل ادلب اعزاء يستحقون «النصح». ولا يستحقون الاستشارة في مصيرهم. هم نزحوا. ومن كان متردداً، هرب بعد فظائع لم تحصل. صارت مدينة من دون بشر.

 

«إرهابيون فقط»

لم يسمع أهالي ادلب الى نصائح «انصار الثورة». لو سمعوا لكان وضعهم افضل. طالما انهم لم يصغوا الى «النصيحة» ووقعوا في فخ الارهاب. وطالما ان «التكفيريون يسيطرون» على ادلب وريفها. لا يتطلب الامر، مناشدة القوات النظامية وطائرات الدولة للقضاء على الارهابيين. مئة غارة في اسبوع. اذن، «عودة ادلب الى حضن الوطن، افضل من بقائها في حضن الارهاب». قائمة الاهداف، طويلة: مستشفيات حكومية وخاصة، مدارس، مساجد، مركز الهلال الاحمر، مبنى المحافظة، المحاكم. هذا مشروع، انها «معاقل الارهاب»، بل ان الارهابيين دمروها. ألم تؤسس «النصرة» في ادلب «امارة» اسوة باعلان «داعش» في الرقة. بل حتى المعارضين موافقون على ذلك. كأن ابو محمد الجولاني زعيم «جبهة النصرة» فرع تنظيم «القاعدة»، اكد ذلك. كأنه اعلن في كلمة مسجلة انه «سيستأثر بالحكم» وانه «سيطبق الشريعة بحد السيف» لتأسيس «امارة اسلامية» لان «الاولوية هي لتأسيس الامارة على ركام المدينة». كأن هذا ما تعاهد عليه مع قادة الفصائل التي شاركت في «جيش الفتح». كأنه لا فرق بين «احرار الشام» و «صقور الشام» و «فيلق الشام». لا ألوان. فقط لون اسود واحد. كلهم ارهابيون واهلهم «الحاضنة الشعبية للارهاب». اتفقوا على الاف الارهابيين. كلهم شيشانيون واجانب وعرب. «الارهابيون الجدد» ليسوا ذاتهم الذين كانوا في «الفصيل المعتدل» في «جبهة ثوار سورية». نأى ابناء ريف ادلب على الانضواء في «جيش الارهاب». هي مدينة من دون بشر. او بشر غير سوريين. او ابناء جبل الزاوية جاؤوا لـ «احتلال» المدينة. اهلها، يعتقد بعضهم انهم يعرفوهم، باتوا في مقاهي بيروت او جامعات السويد يتعلمون الدروس عن ضيعهم.

حاول بعض الفصائل الحفاظ على الوجه المدني للمدينة. اقترحوا تشكيل مجلس محلي مشترك، ان تترك ادارة المدينة الى المدنيين والخبراء من مهندسين ومعلمين وقضاة واطباء وان يجري تشكيل مجلس قضائي واخر امنياً وثالث للخدمات. ناشد المعارضون، العاملين في المؤسسات الحكومية وعناصر الشرطة جميعاً بالبقاء في وظائفهم لتوفير الكهرباء والمياه والصحة وادارة المدينة.

صودرت محاولتهم. هذه المرة، من «الانصار». يُخيل للمرء، بان القوات النظامية بادرت الى وقف القصف لترك مجال وهامش للحياة. وان «الظلاميين» و»التكفيريين» أبوا إلا أن يكون البديل هو الخراب. كأنه كلما ظهر ملمح معتدل قوبل بفرض التطرف. دفع اهله الى التطرف الحدي. ما حصل في الرقة يحصل في ادلب، قبل ان يحصل. حصل في مخيلة الانصار. هنا «النصرة» وهناك «داعش». انه الارهاب الاحمر القادم من ادلب الخضراء.

مرة اخرى، تدفع ادلب ثمناً. يدفع أهلها ثمناً. لأنهم لا يصغون الى «النصائح» ويستمتعون بالغارات والنزوح. كأن حزب «البعث» كان غريباً كما هو الحزب الناصري والحزب الشيوعي و»الحزب السوري القومي الاجتماعي». في ادلب وريفها فقط اسلاميون والمتطرفون منهم. مرة اخرى، يُصر «الانصار» على محو اي لون في ادلب واهلها. كانوا «اخونجية» و «طائفيون للعظم». كفرنبل كانت في مخيلة البعض قبل سنوات بالنسبة الى مثقفين معقلاً لـ «الاخوان» كما هي الحال مع عشرات القرى «المنسية» في جبل الزاوية. هذه المرة، المدينة «احتلها ظلاميو النصرة». ادلب كانت تحت «الاحتلال» في خطاب معارضين وباتت تحت «الاحتلال» في خطاب معارضين وموالين.

بالنسبة الى البعض، اهل ادلب انقلبوا على «اهداف الثورة بتحقق الدولة المدنية والديموقراطية والعلمانية ودولة المواطنة والمساواة». هي ثورتـ «نا» وليست ثورتـ «هم». طالما انهم لا يحققون اهداف الثورة، فهم اختاروا الظلام. اذن، نحن هنا ننتظر. عليهم التضحية ونحن متأهبون لمجيء الفرصة. نفكر عنهم. ننصحهم. نكتب عنهم… ثم نحكمهم. اننا مشغولون بهمهم اكثر من همنا. يؤرقنا اعتدالهم أحياناً. ان يأخذوا زمام حالهم. نرتاح لتطرفهم. نحن البديل حين تحين الفرصة. يجب اعادتهم الى قنينة ما قبل الثورة. يجب ان يبقى ابن ادلب متطرفاً وسائق سرفيس. يجب ان يبقى السوري عاملاً وبائع كعك وعنصر امن او بواب… او لاجئ ونازح.

هذه المرة، يُفتي في شؤون ادلب من يراه أبناؤها بعيداً ومن كان بعيداً. من استعجل الاحكام. النظر الى الثورة من عليائه الطبقي او الايديولوجي أو الطائفي وغيره. مرة اخرى، يُغيب البشر. غيبوا لعقود من النظام. ويغيبون من «الأنصار». من السهل القول ان ادلب هي الرقة، كأن سورية كانت واحدة طوال الوقت. وكأنها ما زالت كذلك. «الرقة تذبح بصمت». لِم الاستعجال بادلب الى ذات المصير. لم التهليل بسورية الى الظلام.

في إدلب، كما في سورية، علمانيون وإسلاميون من جميع اطيافهم وقوميون وناصريون ووطنيون ووحدويون وإنفصاليون وطائفيون وعشائريون. فيها كل شيء وليس كلهم إرهابيين وتكفيريين.

مطلوب الكثير من التأمل والعقلانية والنظر الى الامور بواقعية. ما حصل في سورية كلها ليس قليلاً.

 

ابراهيم حميدي 

* صحافي سوري من أسرة «الحياة»