أخبار عاجلة
الرئيسية » فيسبوكيات » آشور دياب : ثقافة حياة

آشور دياب : ثقافة حياة

(ثقافة الحياة… )

(بياع بطيخ ) كانت تلك أول مهنة أزاولها في حياتي في الصف السابع مع أخي الأصغر، كانت بسيطة مستلزماتها عبارة عن سيارة بطيخ 5 طن، بسطة منمقة مفروشة بنشارة الخشب و مغطاة بشادر عسكري لاتعرف مصدره لايباع في الأسواق، وموجود في سقيفة كل بيت، ربما سرقه أحدهم من أحدى القطع العسكرية يوماً ما، بالإضافة إلى موس كباس يستخدم للـ(مكسر) و للدفاع عن النفس.
(حلاق) تدربت على رؤوس كل أطفال الحارة، و عجائزها أي الفئات التي لاتهتم بالموديلات الحديثة الصارخة، وغالباً مايكون طلبهم حلاقة على الصفر للعجائز، أو حلاقة مدرسية في موسم العودة إلى المدارس للأطفال.

(نجار باطون) في المرحلة الثانوية، كانت جبهة العمل مشتعلة في معرض دمشق الدولي أثناء تأسيسه، تؤمن فرص عمل لجميع الراغبين، ماعليك إلا التواجد هناك في الصباح الباكر مع العتاد الميداني الكامل لأي معلم باطون، شماخ ملفوف على الرأس، سطل، شاكوش و قطاعة، و جعبة للمسامير، طبعاً في رحلة العودة إلى المنزل بلباس العمل و أطنان الغبار على رأسك عليك تحمل نظرة العالم و أقوالهم السطحية “أبوك دكتور.. شو الله جابرك تشتغل هيك، شو ناقصك”
(معلم غرازة) أي حفارة آبار كانت تلك أخر مهنة في مرحلة البكالوريا والتي لاقت استياء كثير من قبل الأهل لخطورتها في ذلك الوقت، بالإضافة إلى أضاعة الوقت الذي من المفترض استغلاله بشكل تام في الدراسة، رغم أنها كانت مرحلة العمل الأكثر ازدهاراً حيث كان الناس يحفرون الأبار بشكل سري وفي غفلة من الدولة التي تمنع ذلك بدون تراخيص بسبب الجفاف، تطورت فيها بسرعة ووصلت لمنصب “شوفير السيخ”.

المراحل السابقة هي التي تعلمت فيها فلسفة الحياة، الحاجة، المسؤولية، التي لم تعلمنا أياها المدارس و لا الجامعات التي ارتدناها، التي رسخت فينا الثقافات الجاهزة و المعلبة المعدة مسبقاً لانشاء روبوتات تلبس بدلات رسمية على الوظيفة، و تسرح شعرها مع فرق جانبي، و تتعطر بعلبة عطر تركيب معظمها كحول، وتحمل لابتوب أو حقيبة فارغة أثناء ذهابك و إيابك من العمل كأحد مستلزمات برستيج وظيفة الأحلام الجديدة التي حصلت عليها بعد التخرج.
الأن بعد أن تحولت إلى روبوت كغيري من الخريجين في هذه الحياة بدأت أفهم ميل والدي للزراعة والصيد الذي كنت اعتبره لايليق به كطبيب، إذ أنه لا انجاز في أي وظيفة يوازي منظر شجرة الزيتون التي زرعتها بيدك وهي تعصر لك زيتاً بعد سنوات انتظار، لا شيء يوازي فرحة بيعك لأخر بطيخة بلدية من بسطتك و حساب الغلة، أو انجاز حلاقة لولد يبكي و يولول خوفاً من المقص، أو شرب كأس الشاي بعد انجاز (صبة سطح) بنجاح لابد أنها أشهى و أجمل من عشاء أو ورشة عمل في فندق فاخر، أو لحظة الانتهاء من حفر بئر و رؤية الماء يتدفق بارداً كأنه الحياة، انجازات بسيطة تظهر نتائجها مباشرة على العكس من الحياة العملية الروتينية، التي يكون فيها أعظم انجاز هو البقاء على قيد العمل لا أكثر.



تنويه : ماينشر على صفحة فيسبوكيات تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع