أخبار عاجلة
الرئيسية » ثقافة وفن » مهرجان فرايبورغ يخصص تظاهرة تحية للسينما السورية

مهرجان فرايبورغ يخصص تظاهرة تحية للسينما السورية

فرايبورغ – «القدس العربي»: ضمن برنامج عروض الدورة الـ29 لمهرجان فرايبورغ السينمائي الدولي، كان الناقد السينمائي تيري جوبان، مدير المهرجان، قد وجّه إلى المخرج السينمائي السوري أسامة محمد دعوة ـ في صيغة بطاقة مفتوحة، أو «كارت بلانش» كما جاء في التسمية الرسمية ـ لاختيار مجموعة متنوعة من الأفلام السورية، تندرج تحت تظاهرة «تحية إلى سوريا».
ومن المعروف أنّ سياسة هذا المهرجان، الذي تحتضنه سنوياً مدينة فرايبورغ السويسرية، تقوم على مبدأ «إتاحة كلّ الحريات»، كما يعبّر مديره، في الاختيار والبرمجة وتمكين الجمهور من الاحتكاك بالسينمائيين والممثلين والمبدعين عموماً. كذلك يتميز المهرجان بالتركيز على سينمات آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، في مسعى لإقامة حوار بين جميع ثقافات العالم، خاصة بين ما يُسمّى بـ»الشمال» و»الجنوب».
تظاهرة السينما السورية عرضت 41 فيلماً، بين الوثائقي الطويل والقصير والقصير جداً، فضلاً عن أفلام الصور المتحركة، وقد اختار أسامة محمد أن تتمحور الموضوعات حول الحرّية في كونها موضوعة أساسية أصيلة ومتأصلة في سوريا، عبر سينماها بصفة خاصة، وبوصفها أيضاً الغاية الصعبة والدائمة لصنّاع السينما السوريين، ضمن البحث في لغة الفيلم، الذي كان حاضراً دوماً في تجاربهم، سواء أكانوا أفراداً يواجهون السلطة والرقابات والصعوبات، أو حتى حين منحتهم ثورة 2011 عمقاً معنوياً وقوّة روحية.
وقد اختار أسامة محمد توزيع الأفلام على الموضوعات التالية:
1 ـ «كلاسيكا»، وضمّت شريط عمر أميرالاي الشهير «الحياة اليومية في قرية سورية»، 1974. وفي تقديم الفيلم، قال أسامة محمد (بالإنكليزية): في سوريا السبعينيات حصل عمر أميرالاي وسعد الله ونوس على إذن بمتابعة تأثير الإصلاح الزراعي في قرية سورية، وعند وصولهما كان الفلاحون قد سئموا من هؤلاء الغرباء القادمين بمعدّات تصوير سينمائي، لكنهم انتهوا إلى الانخراط في الفيلم بهدف التعبير عن سخطهم وتبيان الهوة الشاسعة بين كلام السلطة الرسمي والواقع الفعلي للحياة. وكان أميرالاي (1944ـ2011) قد أوضح أنّ فيلمه لا يدّعي تقديم صورة تامة عن الحياة اليومية في هذه القرية، بل حاول فريق العمل، من خلال جهود ومبادرات فردية، إعادة إنتاج السمات الاجتماعية ـ الاقتصادية والثقافية الرئيسية في القرية، والتي من المحتمل أن تكون متشابهة في الجوهر مع قرى سورية أخرى. واعتبر أسامة محمد أن أميرالاي سيّد الصورة، والإطار، وتشكيل الأشياء والبشر داخل المساحة، والإيقاع والبنية. إنه نحات سينمائي فريد، صلب وناعم. ساخر، وصانع مفارقة، وحزين. يقاوم إعلان عواطفه ولا يروّج لها. يزرعها على هيئة سؤال. لا يقدّم تنازلات، لا للسلطة، ولا في السينما.
2 ـ «بطل من هذا الزمان»، وعُرض في إطاره شريط طلال ديركي «العودة إلى حمص»، 2013، الحائز على جوائز عديدة، أبرزها جائزة لجنة التحكيم الكبرى لأفضل فيلم تسجيلي في مهرجان «سندانس» الشهير. الشريط صُوّر على مدى ثلاث سنوات، في مدينة حمص، ويتحدّث عن عبد الباسط الساروت، 19 سنة، حارس مرمى الفريق الوطني لكرة القدم؛ وأسامة، 24 سنة، مصوّر الفيلم؛ ومصير حلمهما بالحرية والدفاع عن سلمية الثورة، وكيف دفعتهما السلطة تدريجياً، خاصة بسبب الاعتقال، إلى موقف آخر. يقول أسامة محمد: «هذا فيلم مهمّ عن سوريا، عن الجيل الجديد، والشباب، والتحرر من الوهم. كانت الكاميرا على مبعدة خطوات محدودة، سنتمترات قليلة، من الساروت. شهدت، بالضبط، ولادة البطل الشعبي ونضجه. تحوّلات وجههه وهو واثق من الانتصار وفي أوقات اليأس. الشريط هو، أيضاً، رحلة الوثائقي إذْ ينقلب إلى روائي. لولا الثورة، لاحتاج طلال إلى 50 سنة لكي تسنح له فرصة إخراج فيلم روائي.»
3 ـ «المثقف… أسئلة سوريا»، وضمّ شريط هالا محمد، «رحلة إلى الذاكرة»، 2006؛ وشريط محمد علي الأتاسي وزياد حمصي، «بلدنا الرهيب»، 2014. الأوّل يُصوَّر في حافلة صغيرة تقلّ ثلاثة رجال، شاعر (فرج بيرقدار)، ومخرج مسرحي (غسان الجباعي)، وكاتب (ياسين الحاج صالح)، عاشوا جميعاً الأيام المظلمة في سجن تدمر الرهيب، سجن الأسد الأقدم، والمكان الذي يندر أن يعود السجين منه. لكن الحافلة تتجه بهم إلى ذلك المكان المشؤوم، وخلال الرحلة يروي كلّ منهم الحكاية التي جاءت به إلى هذا الجحيم. الشريط الثاني يروي رحلة المثقف والمعارض السوري المعروف ياسين الحاج صالح، صحبة المصوّر زياد حمصي، من المنطقة الخطرة في دمشق إلى مدينة الرقة شمال سوريا، حيث يُجبرا بعدئذ على المنفى، ومغادرة البلد إلى تركيا. وأحداث الشريط تحوّل بورتريه هذا المثقف إلى بورتريه مفصّل عن انكسارات سوريا.
4 ـ تصوير تصوير التراجيديا»، وهو المحور الذي تضمّن شريط زياد كلثوم، «الرقيب الخالد»، 2013، الذي يصوّر طاقم تصوير فيلم محمد ملص «سلّم إلى دمشق»؛ والثاني شريط إياس المقداد، «تحت الخزان»، 2013، الذي يصوّر المصوّر في لحظة المواجهة مع قوّات الأمن، وإصابته، وإسالة دمائه.
5 ـ «سوريا الشباب… الفن»، وتضمّن شريط ميار الرومي، «ظلال الأيام الرمادية»، 2003؛ وشريط رولا لادقاني وسلمى ديري، «في الصباح أخاف، في الليل أغنّي»، 2013. والشريطان يعبّران عن جيلين شابين في علاقتهما مع الفنّ واللغة وسوريا، وعن الحرّية وأشكال حضورها في التعبير عن الشخصي والعام، قبل الثورة وبعدها.
6 ـ «المكان والوجود»، وعُرضت في إطاره أربعة أفلام: لواء يازجي، «المسكون»، 2014؛ سعيد البطل، «خط تماس»، 2014؛ خالد عبد الواحد، «شقّ في الذاكرة»، 2014؛ ولينا العبد، «حكاية ما انحكت»، 2013. وهي أفلام تتناول الوضع السوري، عبر امتزاج الواقع/ المكان بالكابوس والحلم، واستحضار طبقات الذاكرة على خلفية هذا المزيج.
7 ـ «الأنوثة …السينما والحرب»، وتضمّن خمسة أفلام، أسماء صانعيها مكتومة، وتتراوح أطوالها بين المتوسط والـ30 ثانية: «شقّ»، 2009؛ «حماة82» ، 2011؛ «رجال تحت الشمس»، 2011؛ «دوّار الشمس»، 2011ـ2012؛ «مفكّرة»، 2011ـ2012، وهذا الشريط الأخير يقوم على 17 فيلماً، تتراوح بين الفيلم/ اللقطة أو الفيلم/ اللحظة.
8 ـ «الجدّ والأحفاد»، وهو المحور الذي عرض شريط «نور وظلال»، 1994، إخراج عمر أميرالاي وأسامة محمد ومحمد ملص، عن السينمائي السوري الرائد وجدّ السينما السورية نزيه شهبندر (1913ـ1996)، الذي أنتج وأخرج أوّل فيلم سوري صامت، سنة 1936، وأوّل فيلم ناطق، «نور وظلام»، سنة 1948؛ كما ابتكر أدوات تصوير وصوت لإنتاج فيلم ثلاثي الأبعاد. يقول أسامة محمد: «لا ريب أنّ هوايته كانت تعكس هواية السوريين، الذين لم يكفّوا عن تصوير أنفسهم وكأنّ السينما دفينة في أحماضهم النووية».
وضمن المحور ذاته، عُرضت أفلام رسوم متحركة لعدد من «أحفاد» شهبندر: محمد عمران وداني أبو لوح، «حكاية ربيعية»، 2014؛ جلال الماغوط، «كانفاس أون ميكس ميديا»، 2012؛ ياسمين فنري، «عنف منزلي»، 2013، و»أ ب سي خطاب مزدوج»، 2010؛ أيهم مجيد آغا، «أبو اسكندر»، 2013؛ مجموعة «استيقظت»، وأنتجت شريط «شو بتسميه»، 2014.
وفي تتويج هذه التظاهرة، عُقد لقاء خاصّ جمع مدير المهرجان تيري جوبان وأسامة محمد، مع وزير الثقافة ومحافظ فرايبورغ ومجمل الطاقم السياسي والإداري والثقافي في المدينة، بناء على طلب منهم .وقد شاء جوبان أن يعرض لهم «ماء الفضة»، إخراج أسامة محمد وسيماف بدرخان، قائلاً: «اخترت الفيلم الذي سيغيّر حياتكم». وجدير بالذكر أنّ عروض الفيلم في الصالات السويسرية تزامنت مع التظاهرة.
من جانب آخر، شاركت مغنية الأوبرا السورية نعمى عمران في التظاهرة، فقدّمت حفلاً غنائياً بالتعاون بين المهرجان ومحافظة فرايبورغ وجمعية Passerelle Suisse-Syrie، فأهدت أمسيتها إلى المعتقلين والمخطوفين في سوريا، وغنّت «صلاة النجاة»، النوتة الأولى في التاريخ،والتي اكتُشفت على لوح طيني في سوريا، وتعود إلى 1400 قبل الميلاد. كما غنّت بالسريانية، وأشعار ولّادة وابن عربي بالعربية، وعدداً من الوموشحات والارتجالات؛ وذهب ريع الحفل، الذي حضره جمهور غفير، لصالح اللاجئين السوريين.