أخبار عاجلة
الرئيسية » منوعات » مارتن لوثر واندلاع العاصفة / نظرة على الاصلاح الديني في المانيا ونشوء البروتستانتينية

مارتن لوثر واندلاع العاصفة / نظرة على الاصلاح الديني في المانيا ونشوء البروتستانتينية

قبع الشاب مارتن لوثر مستكينا أمام العاصفة الرعدية والسواد الدامس والمطر الممتد الذي أحاط به وهو يعبر الغابة في طريقه إلى منزله في مطالع القرن السادس عشر بإحدى مقاطعات ألمانيا بعدما كان عائدا من مدينة «إيرفورفت» التي كان يدرس بها، وقد انكفأ الشاب يرتعد من شدة البرد، ولكنه كان في حقيقة الأمر يخشى بردا مختلفا؛ لقد كان يخشى الموت وأن يلقى ربه وهو مُكَبَّلٌ بالذنوب.. كان الشاب يخشى أن يكون سلوكه في الحياة على غير رغبة المولى سبحانه، فكان يريد أن يطهر نفسه من هذا الخوف. وفي هذه الليلة الرعدية قطع الشاب مارتن لوثر على نفسه عهدا بأن يهب حياته لله سبحانه وتعالى وللطريق الديني القويم إذا نجا من هذه العاصفة، وذلك بالانضمام لأحد الأديرة راهبا، تاركا حلم أبيه بأن يكون محاميا ليخرج الأسرة من طبقتها الاجتماعية الدونية.
ولم يكن الشاب مارتن لوثر يدرك أن هذا العهد الذي حمله للتقرب من الله سبحانه وتعالى والأمان من العاصفة، سيؤدي إلى عاصفة لم تشهد أوروبا مثلها في تاريخها، فلقد كتب لهذا الشاب أن يبدأ حركة واسعة النطاق عرفت بحركة الإصلاح الديني في أوروبا في مواجهة أعتى مؤسسة عرفتها أوروبا الوسطى والغربية؛ وهي مؤسسة الكنيسة الكاثوليكية وقيادتها ممثلة في بابا روما، فهذا اليوم كان بداية لسلسة من الأيام والسنوات والحقب التي غيرت مجرى التاريخ الأوروبي وفتحت المجال أمام الشعوب الأوروبية للتغيير والتحرر من فساد الكنيسة وطغيانها على الفرد والدولة معا.
لقد كانت الكنيسة الكاثوليكية بمؤسساتها المتشابكة ورجال دينها فريدة من نوعها في التاريخ الحديث والقديم على حد سواء، فلقد كان البابا مركز سلطة الكنيسة الكاثوليكية، ومقره في روما، وكانت مؤسسته الدينية عابرة للحدود والقوميات بحكم السلطان الروحي، فلقد رأس البابا سلسلة من عشرات الآلاف من الكنائس المنتشرة في أوروبا، التي كان لها دورها الحاسم في فرض مفاهيمها الدينية بموجب الإيمان المطلق بسلطانها، الذي كان مصدره القديس بطرس مؤسس الكنيسة، الذي أخذه مباشرة من توجيه السيد المسيح له.
وحقيقة الأمر أن قوة الكنيسة لم تقف فقط عند هذا الحد، بل إن سلطانها بات يتحدى السلطة السياسية أيضا، فلقد كانت الكنيسة تتحكم في حياة أي شخص في القرن السادس عشر في أوروبا من خلال الطقوس الكنسية المختلفة التي يقوم بها رجالها بدءا بعملية التعميد عند الميلاد لإدخال المولود الجديد إلى الأسرة الكاثوليكية، وحتى عملية الاعتراف الأخير قبيل الوفاة لضمان تطهير الروح للقاء بارئها، إضافة إلى ما عرف باسم «اليوكاريستيا Eucharistia» أي التناول، الذي بمقتضاه يتحول الخبز والنبيذ إلى لحم ودم السيد المسيح.. وغيرها من الطقوس التي ضمنت الولاء الكامل للرعية؛ وأهمها «الاعتراف» بوصفه وسيلة للغفران من خلال الكنيسة، فلقد أخذت الكنيسة على عاتقها مسؤولية أن تصبح هي همزة الوصل بين الله سبحانه وتعالى وكل الرعايا الكاثوليك، والباب إلى جنة الخلود، وهو سلطان إضافي ضمن للبابا والكنيسة دورا محوريا في حياة العباد.
ومع مرور الوقت، بدأت الكنيسة تفسد تدريجيا، فلقد أصبح البابا يقود مؤسسة أقرب ما تكون إلى مؤسسات الدولة؛ لها إداراتها الخاصة، وقد ساهم في إفسادها السلطة الروحية المطلقة التي كانت في أيدي البابوات الذين تفرغوا في مناسبات كثيرة للحياة الدنيوية ولزيادة أموال الكنيسة بما لا يتفق وتعاليمها. كما أن الفساد في السلك الكنسي أصبح ملموسا في كل ربوع أوروبا، خاصة عندما بدأت الكنيسة تتقاضى أجورا عن الخدمات الروحية التي كانت تقدمها للرعية، إضافة إلى تراكم الثراء لديها جراء امتلاكها أراضي كثيرة قدرها البعض بقرابة ثلث الأراضي الزراعية في بعض مناطق أوروبا، وهي لا تخضع للضرائب المدنية، فضلا عما توفر للكنيسة من دخل يفوق في مناسبات كثيرة الدولة، بسبب ضريبة العشر، إضافة إلى الأوقاف والهبات.. وغيرها، وهو ما وضعها في صراع مباشر في مواجهة الملوك والأمراء الذين ضاقوا ذرعا بمثل هذا السلوك الدنيوي للكنيسة.
لم يدرك الشاب مارتن لوثر هذه الحقائق عندما وهب نفسه إلى حياة الرهبنة وفقا لتعاليم الكنيسة الكاثوليكية، فلقد عمل على مدار قرابة ست سنوات للتقرب من الله سبحانه وتعالى من خلال ممارسة الطقوس اليومية والبعد عن كل ملذات الحياة ومتع الجسد، ولكنه مع ذلك لم يستطع أن يحصل على ما يريد أو الصفاء الروحي المنشود، فلقد ظل الخوف من عذاب الله قابعا في أعماقه، وقد زاد من حالته النفسية السيئة الرحلة التي قام بها إلى روما موفدا من الدير، حيث وجد في المقر البابوي كل ما هو أبعد عن أصول الديانة المسيحية من بذخ، وإدارة أشبه بالملكية للكنيسة، فضلا عن فساد غير مبرر؛ وعلى رأسه فكرة بيع صكوك للغفران من مرحلة «المطهر» التي تعذب فيها روح الكاثوليكي لتتطهر قبيل دخول الجنة، وهو ما كان يتعارض تماما ومفاهيم هذا الشاب الراقية حول المسيحية وتعاليم السيد المسيح.
عاد مارتن لوثر من رحلته وهو حانق على الكنيسة، وبدأت رحلة الشك في المؤسسة الكنسية تسيطر عليه، ومع ذلك ظل قابعا في فكره خائفا من الهلاك في الآخرة، ولكن الظروف لعبت لصالحه حين تم نقله إلى جامعة «فيتنبورغ»؛ حيث تبناه أحد الأساتذة ومنحه فرصة للتعلم ودراسة الكتب المقدسة بشكل أعمق بكثير مما كان سائدا في الأديرة، وتدريس اللاهوت، وقد زاد هذا من موقفه المتشكك إلى أن اصطدم بظاهرة مباشرة تمثلت في بيع صكوك الغفران للشخص أو أسرته من الأحياء أو الأموات، التي قادها موفد البابا المسمي «جون تيتزل»، وكان الهدف من ذلك هو جمع المال للانتهاء من تشييد كنيسة القديس بطرس في روما.
وقد هال مارتن لوثر ما سمع من أمر هذا «المنافق»، واعتبره تجسيدا لما لا يجب أن تكون عليه الكنيسة، وقد كانت هذه الحادثة هي القشة التي قصمت ظهر البعير، فلقد قرر مارتن لوثر عدم الرضوخ إلى هذه الظاهرة ومعها كثير من تعاليم الكنيسة وسلوكها، خاصة أن دراسته اللاهوت أوصلته إلى حقيقة أساسية؛ وهي أن الغفران يأتي من الله مباشرة، ولا يحتاج إلى وسيط من البابا أو رجاله، فالمطلوب أن يكون الإنسان خالص النية لربه، وأن التوبة هي مفتاح النجاة. وهنا بدأ مارتن لوثر يضع يده على مفتاح الهداية والإيمان بالنسبة له.
انفجرت الثورة الداخلية للشاب مارتن لوثر، فاحتج على هذا السلوك في 31 أكتوبر (تشرين الأول) 1517 ميلاديا، من خلال قيامه بكتابة ما عرف بـ«الخمس والتسعين رسالة» مستندا فيها إلى الكتب المقدسة ليثبت للعامة وللكنيسة أن بيع صكوك الغفران أمر غير مقبول أو جائز وفقا لتعاليم المسيحية، وقد قام بتعليق هذه الرسائل على مدخل كنيسة «فيتنبورغ» في نوع من الاحتجاج على هذه الممارسة والفساد.
وقد فوجئ أهل المدينة بهذه الرسائل، وهو ما أدخل المدينة في حالة ذهول ومناقشات ممتدة، وعلى الفور تم إرسال نسخة من هذه الرسائل إلى البابا في روما، ومن هنا انطلقت الشرارة الأولى لما هو معروف باسم «حركة الإصلاح الديني في أوروبا»، وهي في التقدير أقوى وأعنف حركة سياسية – اجتماعية تضرب أوروبا في تاريخها، سواء قبل أو بعد اعتناقها المسيحية، فلقد واجه الشاب مارتن لوثر أقوى مؤسسة في أوروبا وحده في بداية الأمر، ولكنه لم يبقَ وحده في هذا الصراع، فلقد اكتسب كثيرا من التحالفات والقوة مع مرور الوقت؛ حيث كان الأمراء والملوك قد ضاقوا ذرعا بقوة البابا المتنامية التي بدأت تنافسهم، لامتلاك البابا حق عزل أي حاكم أو أمير كنسيا بما يخرجه عن الملة تماما، كما كان في استطاعته خلع ولاء طاعة الرعية عنه في حال عدم امتثاله لرغبات الكنيسة، كما أن تراكم القوة السياسية الذي لم يَفُقْهُ إلا تراكم القوة المالية، كان له أكبر الأثر في اتساع الهوة بين السلطة الزمنية ممثلة في الملوك والأمراء، مقابل السلطة الكنسية ممثلة في البابا ورجال كنيسته، فلقد كانت الكنيسة في مناسبات كثيرة أغنى من الدولة ذاتها إلى الحد الذي أصبحت فيه الكنيسة تنافس الدولة في الاستحواذ على الضرائب والرسوم والهبات، وهو ما وضعها في طريق الصدام مع الدولة. يضاف إلى كل ذلك، أن الكنيسة كانت تعتبر سلطانها أقوى من سلطان الملوك والعامة، وبالتالي، فقد كان من الطبيعي أن يبدأ الصدام، وأن يسعى الملوك والأمراء إلى القضاء على نفوذ الكنيسة..
وهكذا أصبح المسرح مهيئا لأكبر صدام فكري وسياسي وعسكري في التاريخ الأوروبي كما سنرى.

 

تابعنا كيف وقف الراهب الشاب مارتن لوثر أمام فساد الكنيسة من خلال رفضه عمليات بيع الكنيسة صكوك الغفران للعامة ضمانا لعفو المولى عنهم أو عن ذويهم اتقاء لعذاب المطهر أو الآخرة، وقد قام بتعليق رسائله الخمسة والتسعين على كنيسة فيتنبورغ في ألمانيا في عام 1517، ويفند فيها أسباب فساد الكنيسة وإفسادها للرعية من خلال هذه العملية، واصلا إلى قاعدة فكرية مهمة كانت مغيبة عن عمد في الكنيسة، وهي أن الخلاص يبدأ بالتوبة والندم، وأن الله هو واهب الغفران، وأنه لا حاجة لوساطة أحد، وعلى رأسهم البابا وكنيسته.
وعلى الرغم من أن البابا لم يكن مستعدا لقبول مثل هذه المعارضة من قبل من هو في أسفل السلم الكنسي، من وجهة نظره، أو غيره، فإن حركة الاعتراض التي قام بها الراهب الشاب فتحت الباب على مصراعيه أمام الرغبة في التغيير التي كانت طبقة واسعة من الملوك والأمراء الألمان يشتاقون إليها، بينما كان المفكرون يتمنونها، والرعية ترغبها ولكنها تخشى الخوض فيها.
بمجرد أن قام مارتن لوثر بطرح معارضته، تم عرض الأمر على البابا الذي لم يكن يتخوف كثيرا في بداية الأمر ولم يدرك الخطورة، خاصة أن الكنيسة لم يكن غريبا عليها أمثال مارتن لوثر، وكان أهمهم «Huss» الذي تم إحراقه بعد محاكمته بتهمة الهرطقة ومعارضة الكنيسة.. ولكنه لم يكن يدرك أن بعض الأمراء الألمان رأوا في مارتن لوثر أداة للتغيير الاجتماعي والسياسي الذي كانوا ينشدونه، خاصة فريديريك الحكيم، الذي كان ضمن سلسلة من الأمراء الأقوياء ممن يقومون باختيار الإمبراطور، حيث رأى الرجل في هذه الحركة فرصة مواتية للإطاحة بسلطان الكنيسة، ولذلك سعى على الفور لأن تكون محاكمة مارتن لوثر في الأراضي الألمانية وليس في روما حماية له من بطش البابا.
وبالفعل انعقدت المحاكمة في مدينة أوجسبورغ، لكنها لم تسفر عن شيء محدد؛ حيث رفض مارتن لوثر التنازل عن آرائه. وفي عام 1519 جرى حوار آخر بينه وبين ممثلي الكنيسة، انتهى مرة أخرى برفض التراجع عن أفكاره، مؤكدا أن الكتاب المقدس لم يشتمل على أي فقرة تشير إلى سلطة البابا في منح الغفران، ولكنه لم يدرك أن محاكميه استدرجوه لكي يعلن رفضه لحرق «Huss»، فأصبح بذلك مدانا، وتم عزله كنسيا ومنحه 60 يوما للتوبة، ولكن الرجل كان عاقدا العزم على الاستمرار في موقفه، وعندما جاء قرار البابا بذلك، قام بحرقه في ميدان فيتنبورغ أمام الكنيسة نفسها التي علق عليها رسائله، ثم كرس وقته لمهاجمة الكنيسة وسلوكها، ووصفها في كتابه الشهير «الأسر البابلي للكنيسة» بأنها خرجت عن النص المقدس، ورفض كل الطقوس التي أضافتها الكنيسة إلى سلطانها باستثناء التعميد والتناول.
واقع الأمر أن الإمبراطور الألماني تشارلز الخامس كان منهمكا في صراعاته الداخلية، وتأخر كثيرا في التحرك لاحتواء حركة لوثر، وعندما بدأ يستفيق تدريجيا في عام 1521 دعا إلى مجلس في مدينة فورمز، وطلب مثول مارتن لوثر أمامه؛ حيث طلب منه مرة أخرى التراجع عن أفكاره، ولكنه أعاد التأكيد على موقفه مرة أخرى. وعند هذا الحد بدأت مرحلة صراع مفتوح بين الرجلين، وفي طريق عودته من المجلس وحماية له، قام فردريك الحكيم باختطاف مارتن لوثر وتحديد إقامته بعيدا عن أيدي الكنيسة والإمبراطور، حيث تم استبقاؤه في أحد القصور التابعة له لمدة عام؛ حيث عكف على ترجمة العهد الجديد ليستطيع العامة التعرف عليه بلا أي تدخل خارجي؛ حيث كان القداس الإلهي والمواعظ تتم باللغة اللاتينية من قبل الكنيسة للحفاظ على سلطانها بصفتها مسفرا مطلقا للكتاب المقدس. وفي هذا المكان بدأ مارتن لوثر يضع المبادئ الأساسية لمذهبه الجديد، فكان أول ما طالب به هو رفض مفهوم الرهبنة من الأساس، وتأكيدا لذلك تزوج من إحدى الراهبات التي اقتنعت برأيه وهربت من الدير، فكان من ضمن تعاليمه الإضافية أيضا رفض كل أنواع التزين في الكنائس، لأن بيوت الرب يجب ألا تزخر بالثراء الدنيوي من الذهب والفضة، كما تنصل تماما من رفات القديسيين الذي رأى أنه يخالف العقيدة المسيحية، وأكد على العلاقة المباشرة بين الله والعبد دون الحاجة لوجود وساطة الكنيسة التي يقتصر دورها على التعريف بالدين. كما رفض كثيرا من الطقوس التي كان البابا يقوم بها، وأدخل اللغة الألمانية أداة للتخاطب بين الكنيسة اللوثرية والعامة.
وبعد خروجه من العزلة، بدأ الرجل يجهر، وبدأ مريدوه يأتونه من كل اتجاه، وبدأ الأمراء يؤيدونه أيضا للتخلص من نفوذ الكنيسة عليهم وعلى ممتلكاتهم ورعاياهم، خاصة أن الرجل أكد على أهمية إعادة زمام السلطة للملوك والأمراء بعدما طغت عليها السلطة الروحية للكنيسة.
وكما هي الحال في الثورات الفكرية أو الدينية، فإن تبعاتها الاجتماعية والسياسية لا تنتهي باندلاعها، فعلى غرار الملوك والأمراء، رأى المزارعون ضرورة استغلال هذه المتغيرات لنيل حقوقهم؛ حيث كانوا يعانون بشدة من وطأة العيش في النظام الإقطاعي القاسي، وكانت هناك فئة غير قليلة منهم لا تزال تعاني من السخرة، فكانوا يعيشون في شظف وفقر شديدين، واندلعت نار الثورة تنهش في الإقطاعيات الألمانية؛ حيث لجأ المزارعون للثورة المسلحة من أجل الحصول على المطالب بالتحرر أو خفض الضرائب أو التحرر من السخرة، وقد رأوا في مارتن لوثر وتعاليمه ضالتهم، ولكن المصلح الديني لم يؤيد ثورتهم، بل حاول في البداية احتواءها من خلال الوساطة، ولكنه فشل، فانضم إلى النخبة والنبلاء والملوك ضدهم، وأدان ثورتهم، وأقر حق استخدام القوة ضدهم، وبالفعل أخمدت ثورتهم بعد مقتل ما يقرب من مائة ألف مزارع، وهو ما أثر سلبا على هذه الحركة الوليدة، حيث رأى كثير من المزارعين أنها لا تحقق أمانيهم، ولكنه في حقيقة الأمر كان مصلحا دينيا فقط، ولم تدخل تعاليمه في السياسة والنظم الاجتماعية إلا بالقدر القليل وكلما استطاع تفادى الأمر.
وقد اشتعلت الأقاليم الألمانية بحالة من الانقسام الديني بين مؤيد للمذهب اللوثري ومؤيد للكنيسة الكاثوليكية، وبات الصراع وشيكا مرة أخرى حول المستقبل الديني لهذه الأقاليم، وفي عام 1530 قام الإمبراطور بمحاولة أخرى لرأب الصدع بين رجال الكنيستين، وعقد مجلسا في مدينة أوجسبورغ مرة أخرى، حيث صاغ أحد معاوني مارتن لوثر صيغة توافقية يمكن أن تمثل حلا وسطا بين الكنيستين، ولكن البابا في روما رفضها تماما وأصر على القضاء على هذه الحركة الثائرة داخل كنيسته، وكان ينتظر تفرغ الإمبراطور ليضع الجنود تحت إمرته للقضاء على هذه الحركة الرافضة بقوة السلاح، وفي عام 1546 اندلع الصراع المسلح في الأقاليم الألمانية بين قوات الإمبراطور نيابة عن البابا في روما من ناحية، والقوات التي شكلتها المقاطعات المؤيدة لمارتن لوثر، واستمرت هذه الحرب حتى عام 1555 عندما عقد ما هو معروف باسم «صلح أوجسبورغ» بعدما أيقن الإمبراطور أن الصراع العسكري لن يحسم الأمر، وهنا تم إقرار مبدأ مهم للغاية أثر مباشرة في مستقبل أوروبا؛ بل غيره تماما من الناحية السياسية، وهو مبدأ «من يملك، يحدد المذهب» والمعروف باللاتينية باسم «cuius regio eius religio»، فكان هذا بداية لمفهوم «السيادة» في القانون الدولي، وبداية فكرية وعملية لمفهوم «الدولة القومية» المبنية على مؤسسات مدنية، ومنذ ذلك التاريخ صارت أوروبا على دربها السياسي الذي تطور على النحو الذي نعرفه اليوم.
وهكذا نجح مارتن لوثر في تغيير دفة التاريخ الحديث لأوروبا ووضعها على نهج مختلف تماما عما كانت عليه، فلقد كسر وحدة الكنيسة الكاثوليكية وحلمها الكبير المتمثل في «إله واحد.. إمبراطور واحد»، وهنا يمكن القول إن مارتن لوثر هو الذي أخرج أوروبا من مفهوم الأممية ومهد لمفهوم الدولة السيادية، وقد كان من نتائج حركة هذا الرجل أنه فتح الباب على مصراعيه أمام التعدد المذهبي في أوروبا، الذي كان له أكبر الأثر في ظهور فكر مختلف في بعض دولها.. كما سنرى.

 

تابعنا كيف استطاع الراهب مارتن لوثر كسر سلطان الكنيسة الكاثوليكية وصياغة حركة الإصلاح الديني في الأراضي الألمانية، ولكن هذه كانت بداية لتفسخ وسط وغرب أوروبا إلى مذاهب مسيحية مختلفة كثيرًا، منها رافضة للمذهب الكاثوليكي ولقيادة الكنيسة في روما، وقد أثرت حركة لوثر في فتح المجال أمام ظهور مزيد من حركات الإصلاح المسيحي التي استمرت إلى يومنا هذا تؤثر في النسيج السياسي والاجتماعي، بل والاقتصادي لدول أوروبا، فلقد شجع مارتن لوثر الكثير من المتحفظين على ممارسات الكنيسة والرافضين لرؤيتها الضيقة والمتشددة في الديانة المسيحية على الجهر بآرائهم، وكان منهم شخصيتان مهمتان أثرتا مباشرة في نشر مزيد من المذاهب الرافضة وكان لهما أثرهما المباشر في نشر مذهبين بروتستانتيين هامين في أوروبا وهما المُصلح زوينغلي وجون كالفن، اللذان اتخذا من المدن السويسرية مركزًا لنشر مذهبهما الإصلاحي، خصوصا أن سويسرا كانت منقسمة إلى ثلاثة عشر «كانتونًا» أو مقاطعة بلا سلطة مركزية قوية، وهو ما منحهما هامشًا من الحركة والحرية مقارنة بدول أوروبية أخرى لها سلطة مركزية قوية مرتبطة بشكل مباشر بسلطان الكنيسة في روما.
لقد بدأ زوينغلي حركته الرافضة بعد مارتن لوثر مباشرة، فبدأ حياته دارسًا ثم قسًا، ثم اتجه للتفكر بعدما رفض ممارسات الكنيسة، وبعدما أصبح راعي كنيسة «زيورخ» رفض فكرة بيع الصكوك للحصول على الغفران باعتبار أن الله هو غافر الذنوب وليس للكنيسة أي دور في هذا الإطار، ومثل لوثر قام زوينغلي بطرد مندوب البابا المكلف ببيع صكوك الغفران من المدينة، وبدأ بذلك حركة إصلاح ديني خاصة به، فقام بكتابة سبع وستين رسالة يضع فيها فكره للعودة بالمسيحية إلى أصولها، فكان مرتكز فكره هو كون الإنجيل مصدر الإيمان الوحيد، رافضًا التفسيرات المختلفة والمشتقات الفكرية التي دونت على مدار العصور والتي ركزت السلطة في أيدي البابا والسلك الكنسي، وقد ضرب الكنيسة ضربة إضافية بالتأكيد على أن الخلاص منبعه العلاقة المباشرة بين العبد وربه وأساسه الإيمان بمعتقدات المسيحية الأصلية، كما رفض الزخارف الفكرية والعملية والتجميلية للفكر المسيحي والكنسي على حد سواء، وكذا دور السلك الكنسي والوسطاء بين العبد والإله من القديسين وغيرهم، كما رفض فكرة الأديرة ودورها.
وعلى الفور تجمع الكثيرون حوله ممن وجدوا في فكره منطقًا مقبولاً، كما بدأت المراسلات بينه وبين مارتن لوثر في ألمانيا، وجرت محاولات كثيرة لتوحيد المذهبين بما في ذلك لقاءٌ جمعهم في مدينة شتراسبورغ، ولكن كل الجهود فشلت بسبب الخلاف حول نقطة محورية واحدة وهي الخاصة بالتناول والذي بمقتضاه يتحول الخبز والنبيذ إلى دم وجسد السيد المسيح عليه السلام، فعلى حين أصر لوثر على الإبقاء على التفسير الحرفي لمقولة السيد المسيح، رأى زوينغلي ضرورة أن يتم تفسير هذا النص على اعتباره رمزيًا وليس حرفيًا هدفه إحياء ذكرى العشاء الأخير والتذكرة بالسيد المسيح عليه السلام، وهو ما وضع بداية تفسخ الحركة البروتستانتية في أوروبا، ولكن العداء الحقيقي لزوينغلي وفرقته كان من الأمراء والملوك الكاثوليك وليس من الحركة اللوثرية، وبالفعل اندلع الصراع في بعض المقاطعات السويسرية حتى عام 1531 عندما هُزمت قوات زوينغلي ومات الرجل في المعركة، وعلى الرغم من ذلك فإن مذهبه بقي في سويسرا والتي كانت من أوائل الدويلات الأوروبية التي أقرت حق ممارسة الشعائر الدينية واختيار المذهب الديني.
أما جون كالفين فقد ولد في فرنسا وبدأ حياته على درب الرهبنة، ولكن والده سرعان ما غير مستقبل الابن وجعله يدرس القانون ليصبح محاميًا، وعلى الرغم من أنه لم يكن منخرطًا في الفكر الديني، فإن فرنسا في بداية عصره كانت قد بدأت تعاني بقوة من الحركات الرافضة للكاثوليكية، إذ انتشرت مذاهب مختلفة معروفة في التاريخ الفرنسي باسم الـHuguenot، وعلى الرغم من أنه كان رافضًا لفكر مارتن لوثر في بداية حياته، فإنه تأثر كثيرًا عندما رأى عملية إعدام أحد المنشقين عن الكنيسة حرقًا بالنار، وهنا بدأ كالفن يدرك خطورة مثل هذا التطرف وبدأ الشك يساوره في تعاليم وسلوكيات الكنيسة، وزاد من قناعته اعتناق كثير من أصدقائه لأفكار رافضة للكنيسة الكاثوليكية، ونتيجة لعلاقته بالمنشقين عن الكنيسة تم اتهامه زورًا ففر هاربًا في 1534 إلى مدينة بازل السويسرية، وبدأ الرجل يتفكر ويتأمل إلى أن وصل إلى قناعة بأن البابا وكنيسته قد ضلا الطريق تمامًا، وقد وضع أفكاره في عام 1536 في كتابه الشهير «مؤسسة الديانة المسيحية» الذي تمت ترجمته للفرنسية بعد ذلك في 1541 وأهداه إلى فرانسيس الأول ملك فرنسا في محاولة لاستمالته نحو الإصلاح ومنح الشعب الفرنسي حرية اعتناق المذاهب، ولكنه سرعان ما أدرك أن المؤسسة الملكية كانت كاثوليكية تمامًا، فتم حرق الكتاب على اعتباره رمزًا للكفر والهرطقة، ومع ذلك فإن هذا الكتاب أصبح ركنًا هامًا من أركان الحركة البروتستانتية الرافضة للبابا وكنيسته.
قرر كالفن أن يهاجر إلى مدينة شتراسبورغ، وبينما كان الرجل في طريقه إليها توقف في مدينة جنيف والتي كانت في حالة فوضى عارمة بسبب انتشار حركة الحريات الواسعة والتي جاءت كرد فعل للتشدد الكاثوليكي، فعم الفساد الأخلاقي في المدينة بشكل مريع، وعندما مر كالفن على المدينة سعى الإصلاحيون إليه لينشر مذهبه ويمهد لعودة المدينة إلى طريق الهداية، وقد سلموا له أمرهم وبدأ الرجل يسعى لوضع مذهبه الديني حيز التنفيذ، ولكن الحركة التحررية كانت أقوى من التيار الإصلاحي، فثارت المدينة عليه ثورة عارمة بسبب تشدده الديني فاضطر الرجل إلى الفرار إلى مدينة شتراسبورغ في عام 1538م، حيث بقي هناك لمدة ثلاث سنوات وتزوج في المدينة وبدأ في مراجعة وتطوير كتابه وفكره مرة أخرى.
لقد اعتمد فكر كالفن الديني على بعض الركائز الأساسية وعلى رأسها التفسير الضيق والعميق للإنجيل باعتباره مصدر الإيمان والسلوكيات، ولكن الرجل كان أكثر تشددًا من غيره من الإصلاحيين في تفسير الإنجيل، حيث فسره في أضيق الحدود، فمال إلى رفض كل ما ليس محللاً في الإنجيل، وكان مؤمنًا بضرورة معاقبة أي فرد يخرج عن الدين، كما تخلص تمامًا من الزخرفة الفكرية والفنية في الكنائس، كما أنهى السلك الكنسي المبني على النظام الكاثوليكي، كذلك فقد ارتكن كالفن إلى العهد القديم للوصول إلى الله أيضا فكان ذلك بمثابة خروج عن الفكر البروتستانتي التقليدي، ولكن أهم ما قدمه كالفن في فكره كان مفهوما مشابها لمفهوم الجبرية في المسيحية، فعلى الرغم من قناعته بأن الخلاص يتم من خلال الإيمان فإنه ليس كل مؤمن على موعد مع الجنة، فداخلو الجنة قد حسم الله أمرهم من قبل ميلادهم لأنه خالقهم ويعرف سلوكياتهم مسبقًا، فدخول الجنة مرتبط بالإرادة الإلهية أكثر منه بسلوكيات الفرد، وهنا ارتكن كالفن إلى الفكر التقليدي «للقديس أغسطس» حول نظرية أن الإنسان مسير وليس مخيرًا، ولكنه أخذ الفكرة إلى أبعد من ذلك بكثير في مسألة الخلاص ودخول الجنة، ولكنه رغم ذلك فرض فكرة ضرورة أن يعمل كل فرد بما ورد في الإنجيل ويسعى لتحسين مجتمعه.
وعلى الرغم من تشدد المذهب الكالفيني، فإنه بدأ يلقى اهتمامًا خاصًا في مدينة جنيف، حيث دعاه ممثلو الفريق الإصلاحي إليهم مرة أخرى ليتولى أمر المدينة بعدما فسدت تمامًا وانتشرت الرذيلة في أرجائها، وفي عام 1541م لسبب غير معروف عاد «كالفين» إلى جنيف، حيث سيطر على المدينة تمامًا وطبق فيها رؤيته لما يجب أن تكون عليه المدينة الفاضلة بشكلها الواسع، وتمثل الفترة التي بقي فيها كالفن في جنيف تجسيدًا لحالات غير كثيرة من النظام الثيوقراطي البحت في أوروبا بعد اعتناقها المسيحية، فإذا كانت الدول الأوروبية تعاني من وجود نظام سياسي وآخر ديني يتصارعان تارة ويتصالحان على حساب الشعب تارة أخرى، إلا أن الطريقة التي حكم بها كالفن المدينة عكست سيطرته الكاملة على مقاليد الحكم فيها وما حولها، فلقد أنشأ تنظيمين لإدارة المدينة، الأول ديني يقوم هو برئاسته، والآخر مدني يتم انتخابه، ولكن مع مرور الأشهر سيطر كالفن على الاثنين معًا، وبدأ يضع القوانين الخاصة بالمدينة من خلال تطبيق حرفي للعهد الجديد، وفرض عقوبات قاسية على كل مظاهر الترف في المجتمع، فمنع المسرح إلا لو كان يعرض مسرحية واردة في العهد الجديد، كما تشدد كثيرًا في الحريات العامة وقام بحرق السحرة وكان يعتبر نفسه وكيل الله في الأرض، ومع ذلك فقد كان شخصًا رقيقًا على المستوى الاجتماعي محبوبًا من العامة، وقد استمرت مدينته الفاضلة إلى أن توفى في عام 1564، ولم يستمر الهيكل السياسي – الديني الذي وضعه طويلاً، فسرعان ما بدأت السلطة المدنية تستعيد زمام الأمور، خصوصا بعد اختفاء الشخصية الكاريزمية لكالفن، فعادت جنيف مرة أخرى إلى السيطرة المدنية، ولكنها أبقت كثيرًا من تعاليم الكالفينية، التي مثلت حجر الزاوية للحركة الإصلاحية الدينية في أوروبا، خصوصا في شرق فرنسا بعدما اتحدت سياسيًا مع حركة الـHugenout وفي إنجلترا من خلال ما عرفوا بـ«التطهيريين Puritans»، وهو ما فتح الباب على مصراعيه لحرب أهلية انتشرت في كثير من الربوع الأوروبية، فكان لها دورها المباشر في بداية حرب أهلية ضروس في فرنسا كما سنرى.

 

كثيرا ما يُعتقد أن الحرب الأهلية الفرنسية كانت تلك المرتبطة بالثورة الفرنسية في 1789. ولكن الواقع أن القرن السادس عشر منذ مطلعه حتى قبيل انتهائه كان يمثل في حقيقة الأمر حربا أهلية فرنسية ممتدة يتخللها في أوقات قصيرة هدن متعاقبة، ولم يكن السبب وراء هذه الحرب الأهلية في الأساس النظام السياسي بقدر ما كانت حركة الإصلاح الديني وحرية العقيدة وممارساتها هي السبب، ففرنسا لم تخرج عن نطاق التطور الفكري الأوروبي، فلقد تأثرت بشكل مباشر بحركة الإصلاح الديني في ألمانيا التي قادها الراهب مارتن لوثر، فانتشرت بؤر الحركات الإصلاحية التي عرفت باسم «الهوغونو Huguenot» في شرق البلاد، كما أن ظهور المصلح الديني الفرنسي جون كالفن كما تابعنا في الأسبوع الماضي وانتشار فكره في مناطق فرنسية كثيرة بدأ يؤجج من المذهبية في فرنسا بشكل أصبح يهدد الوحدة السياسية الفرنسية، وهذا أمر طبيعي يحدث عندما تتفتت الوحدة العقائدية في البلاد في وقت تكون فيه الأطراف الداخلية غير مستعدة أو غير قادرة على استيعاب فكرة وجود مذهب مختلف حتى ولو كان لنفس الدين.
لقد كانت فرنسا قوة كاثوليكية منذ أن دخلتها المسيحية، وكانت الملكية رغم خلافاتها المتفرقة مع البابا التي وصلت للصدام المسلح إبان حكم «فيليب العادل» في القرن الثالث عشر تتفق على أهمية المذهب الكاثوليكي باعتباره جزءا من هوية الدولة وشرعيتها، ولكن مع مرور الوقت بدأ التاج الفرنسي يسعى لمحاولة التخلص من النفوذ الكنسي لنفس الأسباب التي عانت منها دول أخرى سواء لتسلط البابا وكنيسته أو تدخلاته المستمرة في شؤون إدارة الحكم، ورغم التناغم الذي حدث بين البابا والملك فرنسيس الأول في مطلع القرن السادس عشر بعدما حصل التاج الفرنسي بعد صراع ممتد على حق تعيين الأساقفة في فرنسا، فإن الملك سعى للاستيلاء على حكم الإمبراطورية الرومانية المقدسة بترشيح نفسه إمبراطورا، ولكن البابا والقيادات السياسية في الإمبراطورية وقفوا مع إبقاء الحكم في أيدي الأسرة الألمانية الحاكمة لخطورة توحيد التاج الفرنسي مع الإمبراطورية. وطالما بقي أمل الملك فرنسيس الأول عالقا، فإنه كان عاقد العزم على محاربة كل أنواع الحركات الإصلاحية في بلاده والتشبث بالمذهب الكاثوليكي، ولهذا فإنه أغار بشدة على الحركات الإصلاحية خاصة المذهب الكالفيني بعد ذلك، وأذاق هذه الفرق ألوانا من العذاب والمحاربة الفكرية، ولكن هذه السياسة كانت مرتبطة بشكل كبير بظروف العلاقات الخارجية الفرنسية، فتارة يشتد التنكيل بالمذاهب المختلفة وتارة يمالئهم ارتباطا بصراعاته الخارجية مع الإمبراطورية الرومانية المقدسة، خاصة أنه كان يمول الحركات البروتستانتية في الإمبراطورية الرومانية المقدسة لإضعاف السلطة المركزية للإمبراطور، وهو نفس السلاح الذي استخدمه الإمبراطور ضد العرش الفرنسي في الأراضي الفرنسية.
مع تولي هنري الثاني الحكم خلفا لوالده ورث الرجل وضعا صعبا بسبب انتشار مذهب كالفن الإصلاحي الذي ارتبط بتفشي الفقر الشديد الذي أصاب الطبقات الدنيا وفساد الكنيسة، وقد عمد الملك إلى محاربة هذه الحركات وكان يسانده في ذلك زوجته الكاثوليكية كاثرين دي ميديتشي، وقد اتبعت زوجته هذا المنهج بعدما أصبحت الوصية على عرش ابنها بعد موت زوجها، واستعانت في هذه المهمة بعدد من الأسر الفرنسية الرائدة على رأسها أسرة «دي جيز» التي نكلت بالمذاهب غير الكاثوليكية ولكن دون جدوى، فسرعان ما أصبح لهذه المذاهب قوتها وتنظيماتها المسلحة لحماية معتقداتها، ودخلت فرنسا حربا أهلية واضحة وصريحة، واقترف التاج الفرنسي مذابح ممتدة ضد المنشقين عن الكنيسة دون القدرة على التخلص منهم مما اضطره لمهادنتهم في فترات وجيزة من خلال مراسيم ملكية تسمح لهذا التيار ببعض الحريات، ولكنها كانت بمثابة الهدن لأن التاج لم يكن مستعدا لقبول فكرة التشرذم المذهبي للبلاد.
استمرت الأوضاع الفرنسية في شبه حرب أهلية ممتدة، ولكن بداية ظهور مطامع أسرة «دي جيز» الكاثوليكية في الحكم بسبب ضعف أبناء كاثرين دي ميديتشي فرضت نوعا الحذر على الملكة الأم وأبنائها للحفاظ على العرش، فلقد بدأت مطامع أسرة دي جيز في العرش تظهر خاصة مع ضعف الملك الشاب والشبهات التي دارت حوله، وبالتالي فإن التحالف المؤقت مع المذهب الإصلاحي في البلاد صار أمرا ضروريا لالتقاط الأنفاس صاحبه سعى التاج لمحاولة التقليل من الاعتماد على أسرة دي جيز ولكن هذه السياسة لم تستمر طويلا، فأسرة دي جيز كان لديها الرغبة في المضي قدما لمحاربة المذهبية في البلاد حتى تزيد من شرعيتها، وقد تزامن مع ذلك تنبه التاج إلى خطورة العلاقات الوطيدة التي نشأت بين الإمبراطورية الرومانية المقدسة والكالفينيين بما بات يهدد الكيان الفرنسي فاشتعلت الحرب الأهلية مرة أخرى.
وهنا قررت الملكة الأم توجيه ضربة قاضية إلى القيادات الدينية والمذهبية المختلفة وكسر ما اعتقدته الطابور الخامس في البلاد فعملت على التخلص نهائيا من هذه القيادات المناوئة لحكم أولادها، فقررت مهادنتهم في بادئ الأمر لأسباب تكتيكية فتم توقيع اتفاق «سان جيرمان» الذي بمقتضاه تم منح المذاهب غير الكاثوليكية المزيد من الحريات الدينية إلى جانب ضمانات أمنية كفلها التاج لهم ولكنها لم تصل أبدا للحرية المطلقة للعبادة التي كانت المذاهب غير الكاثوليكية ترنو لها، وقد قامت الملكة الأم بدعوة قيادات الفريق المذهبي المناوئ إلى حفل زفاف ابنتها إلى هنري نافار أحد القادة الكالفينيين، ودبرت لهم ما هو معروف في التاريخ الفرنسي بمذبحة «القديس باثولوميو» على غرار مذبحة القلعة التي نفذها محمد علي ضد المماليك، وعلى حين نجح الأخير في هدفه فشلت الملكة الأم في ذلك، فرغم قيام القوات التابعة لأسرة دي جيز بالتعاون مع الحرس الملكي بذبح القيادات المعارضة في جنح الليل والفتك بهم بل وإرسال رأس زعيمهم إلى البابا في روما فإن المذبحة لم تحقق أهدافها في فرنسا.
لقد اعتقدت الملكة الأم وأسرة دي جيز أن هذه الخطوة كانت كفيلة بضرب المذهبية المعارضة في البلاد، وأن مسألة التخلص منهم بعد ذلك ستكون أمرا يسيرا، ولكن هذا لم يحدث، فلقد نبت لهذا التيار جذور قوية داخل المجتمع الفرنسي وكانت معتقداته راسخة أيضا فكان من الصعب التخلص منهم بهذه الوسيلة، ورغم حدوث حالة من الفوضى داخل هذا المعسكر عقب المذبحة، فإنهم سرعان ما استجمعوا قواهم مرة أخرى ودخلت فرنسا في حرب أهلية مفتوحة تماما بعدما تكون الاتحاد الكالفيني الذي رأسه بعد ذلك شخصية قوية للغاية هو هنري بوربون وبدأ ينظم صفوفه عسكريا بشكل أكثر دقة وهو ما دعا لظهور العصبة الكاثوليكية لمواجهته بدعم من التاج، وراحت نار الحرب تحرق البلاد مجددا بشكل قاس للغاية، وقد زاد من خطورة الأمر أن هنري دي جيز حليف الملك الضعيف كانت له أطماعه الواضحة في العرش الفرنسي، فبدأ التاج يخشى منه أكثر من خشيته الاتحاد الكالفيني، وهنا دخلت الحرب الأهلية الفرنسية منعطفا ختاميا خطيرا بحيث أصبح بقاء هذه الدولة شبه مستحيل لو استمرت الأوضاع على ما هي عليه، ولكن الأقدار كثيرا ما تمنح الدول رجال دولة يكون لديهم بُعد النظر والحكمة والقدرة والكفاءة لانتشال بلادها من الفوضى والتفتت ويعيد لها رونقها مجددا، وهو ما تجسد في شخص هنري بوربون كما سنرى.

 

لقد تابعنا كيف تحولت فرنسا إلى ساحة اقتتال على مدار عقود القرن السادس عشر بسبب انتشار الحرب المذهبية التي داهمتها بعد ظهور الحركات البروتستانتية الرافضة للكاثوليكية وسلطة البابا في فرنسا، والتي تطورت فيما بعد لما عرف بـ«الاتحاد الكالفيني»، والذي أدى لظهور «العصبة الكاثوليكية» في المقابل، وقد فشلت كل جهود الملكية للسيطرة على الأمر، خاصة بعد مذبحة «القديس بارثولوميو»، والتي حاول التاج من خلالها التخلص من قيادات الحركات البروتستانتية، ولكنها لم تنهِ الحرب في كل الأحوال، فاستمرت الصراعات مما اضطر الملك الفرنسي الفاسد «هنري الثالث» لمحاولة تهدئة الأوضاع بعد الصراعات داخل القصر بسبب زيادة نفوذ أسرة «دي جيز» الطامعة في الحكم، وهو ما اضطره في النهاية للتحالف مع «هنري نافار» الكالفيني لمواءمة سطوة الكاثوليك على حكمه، ولكن القدر لم يمهله طويلاً، فقد طعنه أحد القساوسة لاعتقاده أنه خرج عن الملة الكاثوليكية، ولكن الرجل كان قد عقد ولاية العهد إلى «هنري نافار»، والذي آل إليه حكم فرنسا في عام 1598 وحكم البلاد تحت اسم «هنري الرابع»، وقد استمرت أسرته في الحكم تحت اسم «البوربرون» إلى أن قامت الثورة الفرنسية في عام 1789.
لقد ورث هذا الملك الطموح مملكة مهلهلة بالحرب الأهلية مستعصية على أي محاولة للوحدة السياسية أو الدينية أو حتى الاقتصادية، ولكن المشكلة الأساسية التي واجهت هذا الملك الجديد هي أنه لم يكن قادرًا على دخول العاصمة باريس، والتي رفضت توليه العرش لكونه غير كاثوليكي، ولكن رجل الدولة بداخل الملك تغلب عليه، فسرعان ما أعلن عودته إلى الكاثوليكية لاستمالة أهل باريس، كما أنه بدأ يمالئ السلك الكنسي في فرنسا مرة أخرى، ولكنه لم يكن على استعداد لأن يشق الجراح الدينية، فلقد قرر الرجل أن يضع حدًا للحرب الأهلية الدينية، فأصدر ما هو معروف بـ«مرسوم نانت» في عام 1598، والذي بمقتضاه سمح بحرية العقيدة في كل الأراضي الفرنسية على أن تبقى باريس وخمس مقاطعات كاثوليكية لأسباب مفهومة، وقد سمح أيضا بحرية ممارسة العبادة في كل الأماكن وضمنت الدولة هذه الحقوق تمامًا، كما أنه منح للبروتستانت حق المحاكمة من خلال المحاكم المختلطة لضمان العدالة في البلاد، حيث كان يجلس على المنصة قاضيان، الأول كاثوليكي، والثاني بروتستانتي، كما منح هذا المرسوم للبروتستانت ما يقرب من مائة محمية للدفاع عن المقاطعات البروتستانتية على أن تقوم الدولة بتمويل هذه المحميات، وعلى الرغم من أن الكاثوليك أصيبوا بصدمة من إقرار مثل هذه الحقوق، فإن البروتستانت رأوا أنها لم تصل إلى مستوى المساواة الكاملة مع الكاثوليكية، ولكن هذا المرسوم الهام والشجاع كان له بُعد نظره في ظروفه، حيث امتص شحنة الصراع وأزاح شبح الحرب الأهلية على الأقل في المدى القصير حتى يمكن له إدخال الإصلاحات اللازمة في البلاد ليمتص عناصر الفوضى، كما أنه فتح المجال لما يمكن أن نصفه اليوم بإجراءات بناء الثقة بين الطرفين بشكل يسمح بإقامة مجتمع أكثر هدوءًا وتعايشًا، وهنا كان الملك غاية في الحكمة، فلقد استوعب كل الأطراف حتى وإن لم يرضوا جميعًا عنه.
بمجرد أن أزاح هنري الرابع كابوس الحرب الأهلية، أدرك أن الفقر هو العدو التالي لفرنسا، وكان عليه أن يتحرك بخطى سريعة لاستيعاب الفئات المهمشة والفقيرة، فالدولة الفرنسية قاربت الإفلاس بسبب الحروب الداخلية والخارجية الممتدة، كما أنها كانت تعاني من التفسخ الاقتصادي والاجتماعي، إضافة إلى نظام ضريبي فاسد تمامًا وانهيار كبير في البنية التحتية في البلاد، وقد كان على رجل الدولة الجديد أن يبدأ بعملية واسعة النطاق لاستيعاب كل هذه المشكلات، والتي كان من شأنها أن تبعث الفوضى في البلاد بما يمكن أن يؤدي لانتشار الحرب الأهلية مرة أخرى، وهنا استعان الرجل بصديق قديم له معروف في كتب التاريخ باسم «الدوق دي صالي»، أحد أبرع الساسة الذين أنجبتهم فرنسا في القرن السابع عشر، وقد كان هناك شبه تقاسم سلطة بين الملك وهذا الرجل، فالأخير كان حكيمًا صاحب رؤية ثاقبة، بينما مثل الملك السلطة الحاكمة والقادرة على إدارة البلاد بدبلوماسية شديدة كان الأول يفتقر إليها تمامًا.
بمجرد تعيين «دي صالي» رئيسًا للوزراء، بدأ الرجل مرحلة إصلاح واسعة النطاق بدأها على الفور بتحسين نظام الضرائب وإدخال التعديلات التشريعية اللازمة عليه لضمان وقف السرقات التي كانت معتادة، كما أنه وضع نظامًا محاسبيًا دقيقًا للبلاد ضمن له السيطرة الكاملة على موارد الدولة، ويضاف إلى ذلك أنه اهتم اهتماما واسعًا بتحسين المرافق العامة والبنية التحتية في البلاد فقام بشق القنوات والترع وبناء شبكة واسعة من الطرق، فضلاً عن تحسين أحوال المزارعين بتقديم الدعم اللازم لهم لزيادة الإنتاج والمنافسة، كذلك فقد نهض الملك بالصناعة ووضع الحوافز المختلفة لتشجيعها، وعلى رأسها صناعة الحرير والصوف والزجاج وغيرها، وقد ضمن لها نوعًا من الدعم، فضلاً عن الحمائية من خلال رفع التعريفات الجمركية أو حتى منع الاستيراد لكثير من هذه الصناعات المنافسة، أما على الصعيد الخارجي فقد تعمد الملك تحسين أوضاع فرنسا خارجيًا بتقوية الجيش والأسطول على حد سواء، وفي عهده حصلت فرنسا على مقاطعة «كيبيك» الكندية بحيث أصبحت في بداية الطريق للحصول على مستعمرات في الخارج، كما أنه أنهى الصراعات الفرنسية مع أسرة الهابسبورج، سواء في الإمبراطورية الرومانية المقدسة أو في إسبانيا.
وقد أتت هذه الإصلاحات الدينية والاقتصادية بآثارها السريعة والعظيمة في آنٍ واحد، فلقد عم السلام الاجتماعي في فرنسا بشكل لم يكن معروفًا على مدار القرن الماضي، كما أنه قام بتسوية كل الديون الفرنسية المعلقة من خلال سياساته الاقتصادية، والتي سمحت بمزيد من الضرائب والمكوس وزادت من قدرة الدولة وقوتها، ولكن أهم ما أسفرت عنه هذه السياسات هو زيادة قوة العرش الفرنسي، فلقد أصبحت فرنسا على أعتاب الحكم الملكي المطلق بفضل مزيج من العناصر على رأسها الحنكة والحكمة لهذا الملك المتعقل في أمور بلاده، وأيضا بفضل رؤيته لما يجب أن تكون عليه الدولة وسياساته الإصلاحية في كل المجالات، فلقد استوعب كل الأطراف المعنية في المعادلة السياسية في البلاد، ومع ذلك فإن الإصلاحات واستكمال المشروع المطلق للسلطة الملكية لم يكتمل بالقدر المطلوب، حيث وضع قس كاثوليكي حدًا لهذه الحقبة العظيمة من تاريخ فرنسا بقتل الملك هنري الرابع في 1610، والذي ظلت إصلاحاته التاريخية هامة للغاية ومنحت فرنسا هامشًا واسعًا من الهدوء والأموال سمح لها بأن تستوعب كارثة الحكم الضعيف لابنه الذي ورثه.
وبموت هذا الملك العظيم ورجل الدولة الهام الذي انتشل فرنسا من الحرب الأهلية، آل الحكم إلى ابنه لويس الثالث عشر، وكان دون العاشرة من عمره، فآلت مسألة الوصاية السياسية إلى أمه «ماريا دي ميديتشي»، وهي ثاني ملكة من أسرة ميديتشي تحكم فرنسا بشكل غير مباشر، ولكنها لم تكن أفضل حالاً من سابقتها، والتي أفسدت مع أولادها الحكم في فرنسا، فلقد تخلصت هذه الملكة المتشددة ذات الرؤية الضيقة من رئيس الوزراء العظيم واستعاضت به بشخصيتين إيطاليتين من عديمي الخبرة والرؤى، فبدأت الدولة تدخل مرة أخرى في مرحلة من الفوضى السياسية والاقتصادية، وخاصة أن الإنفاق العام للملكة والقصر بلغ أشده، وأضحت البلاد على وشك الإفلاس، وبدأت حالة التمرد ضد العرش تظهر من جديد، وإزاء المديونية العالية اضطر الملك المسكين إلى طلب عقد البرلمان الفرنسي، والذي يمثل القطاعات المختلفة من الشعب الفرنسي، الأول هو لرجال الدين، والثاني للطبقات الأرستقراطية، والثالث لعامة الشعب، ولكن الصراعات الداخلية في البرلمان منعته من التقدم بأي أفكار جديدة، مما تسبب في مشكلة حقيقية في البلاد، وباتت البلاد في حاجة إلى رجل دولة جديدة حتى لا تنزلق في الفتن وبراثن الحرب الأهلية، وهنا منح القدر فرنسا فرصتها الثانية ممثلة في رجل دولة تقديري أنه من أفضل رجال الدولة في تاريخ فرنسا على الإطلاق، وهو الكاردينال «ريشيليو» أحد أعجب الشخصيات وأكثرها تناقضًا ليس فقط في تاريخ فرنسا، ولكن في تاريخ الدول على مر العصور كما سنرى.

 

د. محمد عبد الستار البدري  /   الشرق الأوسط  اللندنية  

كمغترب  في  اوروبا  من  المهم  ان  تعرف  كيف  نشأت  البروتستانتية