أخبار عاجلة
الرئيسية » الشأن السوري » مرح البقاعي : المسيحيون العرب جسر بين الشرق والغرب، إنهم وسطاء الحداثة وفتاحو النوافذ على الخارج وتياراته الفكرية.

مرح البقاعي : المسيحيون العرب جسر بين الشرق والغرب، إنهم وسطاء الحداثة وفتاحو النوافذ على الخارج وتياراته الفكرية.

في المدرسة الفرنسية بدمشق «مدرسة راهبات الفرنسيسكان»، حيث تلقيت تعليمي الابتدائي والإعدادي، وتخرّجت فيها متمّمة المرحلة الثانوية، كان لقائي الأول «المجازي» مع الربّ.

فمنذ سنيّ المبكرة، وفي المدرسة التي كانت غالبيتها طالبات مسلمات من البرجوازية الدمشقية «التي انكفأت»، مع أقلية من الطالبات المسيحيات، كانت مادتا الديانة الإسلامية والمسيحية تدرّسان لنا في الحصة الزمنية نفسها، ولكن بعد أن يتم فصل الطالبات المسيحيات عن زميلاتهن المسلمات، حيث كنا – أعني المسلمات – لا نغادر غرفة الصف، بينما كانت مجموعة الطالبات المسيحيات تغادر إلى حيث يتربع الدير المسيحي في قبو المدرسة ذات البناء المعماري الفرنسي العريق.

كان الفصل بين الزميلات، القائم على الانتماء الديني، يثير في نفسي الكثير من علامات الاستفهام عن ماهية الاختلاف بين تعاليم الديانات السماوية وطبائعها وأهوائها طالما أننا نتوجّه، أفراداً وجماعات، على اختلاف هوياتنا الدينية، إلى عبادة الرب الواحد الأحد، فاطر السموات والأرض.

وأشد ما كــــان يثيـــر مخيلتي وفضولــي المعرفي، هـــو ذلك المقـــصد الذي يكمن خلف الأبواب المغلقة للديـــر المهيب في القبو، حيث كانت الزميلات المسيحيات يتلقين دروس الديانة المسيحية، وقد كُتِب بالعربية على بابه الشاسع المغلق بتواصل مهيب عبارة: بيت الربّ.

إذاً هذا هو بيته! الربّ يتربع جليلاً في صدر الدير المنيع! ما عليّ سوى اقتحام هذه الهالات الافتراضية الملزِمة، نتيجة للفصل الديني بين زميلات المقعد الدراسي الواحد، والدخول للقائه… لقاء الربّ!

فعلتها مرة، في صباح شتائي مشهود في ذاكرتي. تسللت خلف الراهبة الأم، كما كنا ندعوها، وهي تفتح الباب الشاسع للدير، وبمهابةٍ تلج دارة من العتمة القدسية التي لا يشوب سكونها سوى حزمات من الضوء النافذ من زجاج الشبابيك المعشق بالألوان والأيقونات. تقدّمني حفيف ثوبها الناصع البياض على الأرض الرخامية الباردة للممر الطويل الذي يودي بك إلى المذبح، وأخذ البخور يتناهى يسيراً إلى حواسي المتنبّهة بحذر وترقّب بليغين، بينما كانت أضواء الشموع تكتمل في مشهد الثالوث الحسّي (بياض، بخور، نور)، الثالوث الذي شكّل، ومنذ انتباهات وعيي الأول، ذلك الخط الوهمي الذي يصل «الموجود» الأرضي بـ «المرموز» السماويّ.

أقول هذا مسترجعة تلك الوشائج التي كانت تربطنا بمواطنينا المسيحيين العرب في فترات ليس بالبعيدة، حيث كان واجب التواصل مع الربّ، وكل حسب طقسه الديني، حرية في التعبير والاعتقاد يضمنها ويصونها المجتمع قبل القانون. فالفصل الديني لم يكن يتعدى ذلك الإجراء الروتيني من الانتقال من غرفة الصف في الطبقة الثالثة من المبنى الفرنسي إلى مقام الدير في القبو العتيد!

تلك استعادات من فصول النوستالجيا التي تأبى إلا أن تنطّ إلى ذاكرتي في زمن متردٍّ وأهوج أخذ منه الفصل الديني، بين مسيحيّ ومسلم، منحاً تصفوياً دموياً نذيراً، تمظهر في أشكال متصاعدة من حومات القتل العمد على الهوية ومن حملات التهجير القسري التي يتعرض لها المسيحيون العرب في غير بلد عربي.

أقول: من حقّ الأخلاق والتاريخ علينا أن نذكر المسيحيين العرب بصفتهم «عمّال التنوير» الحقيقيين في حركة النهضة العربية التي شهد فصولها القرن التاسع عشر على أيدي أعلام مستنيرين، أذكر منهم المسيحي العربي بطرس البستاني الذي كان سبّاقاً في محاولاته إيجاد مخارج ناجعة لأمراض الفصل الديني والمعضلة الطائفية المسحوبة على فصول تاريخنا، والتي عصفت بالمنطقة آنذاك مثلما تعصف بها اليوم، وذلك من طريق إطلاقه مبدأ: الدين لله والوطن للجميع، والذي اتّخذ منه شعاراً لجريدة «نفير سوريا» التي أسسها عام 1860، ثم تبنى الشعار عينه الزعيم الوطني سعد زغلول لتوحيد شقي مصر الإسلامي والمسيحي. ولا نغفل في هذا المقام دور بطرس البستاني في تدوين الموسوعات والقواميس العربية، وإدخال المجتمعات العربية مرحلة من التحديث التربوي من خلال دعوته الحثيثة إلى تعليم الإناث.

وكيف ننسى يعقوب صرّوف، مؤسس مجلة «المقتطف» في 1899 مع فارس نمر، المجلة التي لعبت دوراً أساسياً في نقل النظريات العلمية والفلسفية الغربية إلى الفكر العربي، ما لقّح اللغة العربية بالمصطلحات الجديدة، وجعل من صفحاتها منبراً للحراك النهضوي والتحديث الفكري، حيث كان صرّوف يروّج لضرورة الأخذ بأسباب المنهج العلمي التجريبي الذي أسّس لنهضة أوروبا ودفع تفوقها، وكذا لأهمية البحث عن الحقيقة عبر العلوم التجريبية لا المسلّمات القدرية والعقائد المبتورة عن الواقع المعاش.

أما فرح أنطون فكان من أبرز التنويريين العرب في ظل الهيمنة العثمانية التي كانت قد بلغت ذروة الاستبداد والزجر والتنقية العرقية والمذهبية. وقد كان ناقلاً فاعلاً لأفكار ونظريات أقطاب التنوير الأوروبي كجان جاك روسو وفولتير ومونتسكيو، من الرواد الذين دشّنوا الحداثة الفلسفية والسياسية وأخرجوا أوروبا من عصر الظلمات والأصولية المسيحية المعزولة إلى زمن الأنوار وقبول الآخر والتعددية. هذا وقد كان فرح أنطون منفتحاً على الإسلام وتراثه العقلاني والأدبي من خلال متابعته للأعلام من أمثال ابن رشد والغزالي وابن طفيل وعمر الخيام… وآخرين كثر.

إن عملية التطهير المذهبي التي يتعرّض لها المسيحيون العرب إنما هي جولة من جولات الاستبداد السياسي التي ما فتئت تنخر في عظم الأمة العربية برمتها، والتي سبقتها جولات من التفريغ الثقافي الذي دفع بالأدمغة العربية، على اختلاف مذاهبها الدينية وأصولها القومية وانتماءاتها السياسية، إلى الهجرة القسرية شطر المغتربات. وهو الاستبداد الذي فرز تلك الحركات الأصولية الإسلاموية المتطرفة التي ظهرت، أول ما ظهرت، كرد فعل طبيعي على الإقصاء السياسي والاحتكار السلطوي والاضطهاد الفئوي، ثم سرعان ما تحوّلت إلى معاداة الغرب الحليف لهذه الأنظمة المستبدة، معاداة تتنقّل حَوماتٍ من القتل والتنكيل والإرهاب المنظّم من نيويورك إلى مدريد إلى مومباي… هكذا لتكرّ مسبحة الدم والموت على العالمين، من دون استثناء!

فصل المقال أستعيره قولاً سديداً للمفكر الفرنسي ريجيس دوبريه في كتابه الجديد «طيبو الأرض المقدسة»، إذ يسجّل: «المسيحيون العرب جسر بين الشرق والغرب، بين العالم العربي وأوروبا. إنهم وسطاء الحداثة وفتاحو النوافذ على الخارج وتياراته الفكرية. هم بناة الأحزاب الشيوعية والقومية والحركات التقدمية العلمانية في المنطقة، وهم الذين أسّسوا الصحف والمطابع والفرق الموسيقية، وهم من كانوا في طليعة التمرد ضد الاستبداد العثماني آنفاً، والاستعمار الغربي لاحقاً. إن درجة حضارة المسلمين العرب تقاس بمدى انفتاحهم على المسيحيين العرب وبمدى تقبلهم لهم أو عدمه. وأخشى ما أخشاه أن تؤدي التيارات الأصولية الإسلاموية المتعصبة السائدة حالياً إلى هجرتهم في شكل جماعي».

 

صحيفة  الحياة

* كاتبة سوريّة  –مرح البقاعي