أخبار عاجلة
الرئيسية » فيسبوكيات » ناديا عيلبوني : نوازع التفكير الأقلوي: المسيحيون مثالاً …!

ناديا عيلبوني : نوازع التفكير الأقلوي: المسيحيون مثالاً …!

 

 

ربما كان من الضروري الإشارة إلى الدور النهضوي والوطني الكبيرين ، الذي لعبته الأقليات في بلادنا في مرحلة ما قبل الاستعمار وخلاله وصولا إلى مرحلة الاستقلال، فقد برز منهم في تلك الحقبة المفكرون والمثقفون والفنانون والأدباء والشعراء والسياسيون والزعماء الوطنيين ، ليساهموا مساهمة كبيرة وفعالة تفوق حجمهم العددي ، في تطعيم الثقافة العربية بالفكر التحرري الذي كان من ابرز سماته الانفتاح على ثقافة العالم الحر من أوسع الابواب ، إلا أن هذا الدور بدأ بالتراجع والتآكل سريعا مع وصول الديكتاتوريات العسكرية في كل من سوريا والعراق ومصر إلي سدة الحكم واعادة المجتمعات العربية مرة أخرى للعزلة عن العالم تحت شعارات قومية ووطنية براقة. ليس هذا فحسب، بل يمكننا ان نلاحظ استكمال حال التراجع والانكفاء على الذات لدى مسيحيي المنطقة مع تقدم الخطاب الأصولي في تلك المجتمعات الذي روجت وووعدت كل أدبياته بالاستئصال الكامل لكل المختلفين في الديانة أو المذهب وفرض اللون الواحد والمذهب الواحد بالقوة على الجميع !

اللافت في سلوك الاقليات وخصوصا المسيحيين منهم، هذا الاستسلام شبه الكلي للأمر الواقع ، بحيث لم يكتف فقط بالإبتعاد عن لعب أي دور كذاك الذي لعبوه في عصر النهضة، بل هذا الاستقطاب الذي يصل إلى درجة الانحياز في كثير من الأحيان إلى جانب الانظمة الفاشية كونها وبحسب اعتقادهم وبحسب ما روجت له تلك النظم عن نفسها، هي الضامن الوحيد لحمايتهم ، أكثر من هذا أيضا ، يمكننا ملاحظة استقطاباً آخر لا يقل خطورة ، ألا وهو انحيازهم لأصولية اسلامية مذهبية يعتقدون انها انها اقل ضررا عليهم وعلى مستقبلهم في بلادهم من أصولية مذهبية أخرى ، في حين أن الواقع يمد لهم بلسانه ليقول أن لا مستقبل لهم في بلادهم سواء في ظل الانظمة الفاشية التي قوضت المجتمع كله ومنعت الانفتاح على العالم وصادرت الثقافة كل الحريات الفكرية والثقافية والاجتماعية والسياسية وهمشتهم تماما ،مثلما فعلت مع الأكثريات.

إلى كل المسيحيين الذين يعتقدون أن انتصار أصولية الولي الفقيه سيحميهم من الاصولية الأخرى اقول: اسألوا المسيحيين في ايران عما حل بهم منذ مجيء جكم الملالي إلي السلطة و تعرفوا على ما كابده مسيحيوا ايران الذين تشردوا في بقاع المعمورة هربا من الاضطهاد الديني ومن الاذلال الذي يلاقونه على يد حكم الولي الفقيه !

ان تختار بين من يريد قتلك وبين من يريد اذلالك، هو خيار الهامشيين والبائسيين الذين يشعرون بالدونية وعدم الجدارة وعدم الاستحقاق للعيش بحرية وكرامة في أوطانهم . وعلى هولاء ان يخرجوا من حال التقوقع والدونية أمام الآخر، ويدركوا ان المواطنة الحقيقة لا يمكن ان تحققها لا الديكاتوريات القائمة، ولا الأصوليات على اختلاف مذاهبها وراياتها، وأنه ليس هناك امام الاقليات ، لا بل مجتمعاتنا كلها من بديل اخر سوى مشروع دولة المواطنة الذي يجب أن يساهموا به مساهمة فعالة تماما كما ساهموا به في الماضي ، وهو وحده دون غيره من يحميهم ويحمي حقوق جميع مكونات شعوبنا!

 

 

 

 

 



تنويه : ماينشر على صفحة فيسبوكيات تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع