أخبار عاجلة
الرئيسية » ثقافة وفن » نهاد الترك: سأرسم المسحوقين و الشهداء وليحاسبني التاريخ

نهاد الترك: سأرسم المسحوقين و الشهداء وليحاسبني التاريخ

بين صدمة الثورة التي أبهرته بداياتها السلمية وخيبتها التي دفعته لأن يتحفظ ويعمل “ستوب” بعد أن طغى السلاح على كل شيء، يتمزق ابن الشمال السوري (عفرين – حلب) الفنان “نهاد الترك”، باحثا عن حلمه الأول بين ركام الدمار، وعن أمله وسط أكوام اليأس التي باتت تظلله وهو يعيش على مقربة من الوطن في بيروت، مراقبا أحوال التراجيديا السورية ومأساتها.

كيف لا؟

وهو الذي صدمته بداياتها، لأنه لم يكن يتوقع الثورة، ليفاجأ بهذا الكم الهائل من السوريين يصرخون في الشوارع: حرية، إذ كان وقتذاك (آذار2011) يعمل على لوحة جدارية له دون أن يحسم موضوعها، لتتسلل الانتفاضة إلى اللوحة التي بات يرسمها ويطورها على إيقاع تحولات الشارع وتظاهراته، يقرأ و يتابع ويسمع ويفكر بالشعارات المرفوعة وما تقوله الحناجر الثائرة، ليعود إلى لوحته مقطّرا بها ما علق بروحه من إبداع، لتخرج جدارية بطول أربعة أمتار ونيف، حملت عنوان “أسطورة آذار” وهي عبارة عن شجرة كبيرة يطغى عليها لوني الأسود والأحمر الذي كان الفنان يظلله كلما توسع سفك الدم السوري على يد الدكتاتورية، ليتابع رسمه منجزا لوحات عديدة منها “المندس” في مواجهة مباشرة مع السلطات التي كانت تصف المتظاهر بالمندس في محاولة لتحقيره، فإذا بالفنان يرسم لنا وجها أسود، داعيا إيانا لتأمل جماله وسحره.

لوحة بعنوان "اسطورة أذار" للفنان نهاد الترك. المصدر: الفنان نهاد الترك
لوحة بعنوان “اسطورة أذار” للفنان نهاد الترك. المصدر: الفنان نهاد الترك

لدى الفنان اليوم الكثير من التحفظ على الثورة السورية، بعد أن “دخل السلاح وصار هناك اتجاه نحو الأسلمة. صرت أراقب من بعيد، وكلي حزن على الحراك المدني السلمي الذي ينطفئ ويزول. أصبحت الأمور معقدة” كما يقول لحكاية ما انحكت. إلا أن هذا لم يبعده عن المتابعة والقراءة والتدقيق في محاولة لفهم ما يحصل، وهو ما جعل روحه وجسده مستقرا للانفعال والشحن والتراكم والشهداء الذين يسقطون والأماكن التي تدمر بعد أن مشى بها ذات يوم والمسحوقين الذين عرفهم وبات يقرأ أخبارهم: ضحايا حينا وأبطالا حينا أخرى، الأمر الذي أوصله إلى مرحلة الامتلاء الذي لابد من التفريغ بعده. وكان الفنان يشعر بهذا التراكم “طول هذه السنوات كنت أفكر كيف سأعبر عن هذا التوثيق”، ليأتي الدفق لحظة واحدة، ويدخل في عملية رسم مجنونة لن تتوقف قبل أن ينجز أربعين لوحة خلال مدة قصيرة جدا.

بدأ الأمر حين كان الفنان يرسم بالقلم الأسود الناشف على ورق أبيض، وهو يفكر بما اختزن داخله من شهداء وأحياء ومعتقلين ومهمشين، وكيف سيعبر عنه، لينزلق في نشوة مجنونة ومتعة لا حدود لها، إذ يقول: “كان الفارق بين القلم واللوحة سنتمتر واحد. كنت أشعر أن قلبي ومشاعري تنزلق على الورق وكنت أشعر أن ثمة لذة تابعت حتى رسمت أكثر من أربعين لوحة وهذه أول مرة تجربة ورقية لي”.

خلال الرسم كان يبحث عن “شهداء يتقاطعون مع أحلامه”، فرسم حمزة الخطيب والمغني القاشوش والنساء الكرديات اللواتي قاتلن واستشهدن في كوباني، من “ريحانة” التي قطعت رأسها داعش إلى “حلبجة” ابنة الشاعر “طه خليل”، مركزا بذلك على دور المرأة في الصراع ضد الظلاميين، حيث كان يتابع قصة كوباني وتعلّق بمناضلاتها اللواتي أدهشنه، كونه “مناصرا للمرأة”، إذ يقول “رسمتهن بفخر. شعرت أن المرأة رمز مناهضة الظلاميين”.

الشهيدة حلبجة بريشة الفنان. المصدر: الفنان نهاد الترك
الشهيدة حلبجة بريشة الفنان. المصدر: الفنان نهاد الترك

الوجه الآخر للوحاته هو القاع السوري بمسحوقيه ومهمّشيه الذين أفرد لهم الفنان نصف اللوحات تقريبا، بدءا من “أهبل كوباني” نعيم والذي يناديه أهل المدينة “نعو” والذي حمل السلاح للدفاع عن مدينته بوجه داعش، لنكون أمام رؤية تقول أن المسحوقين هم من يصنعون الأساطير والثورات وهم من أول يحصد خيباتها ويكون أوّل ضحاياها، فأراد الفنان أن يوثقهم بوجه النسيان والتاريخ الرسمي للسلطة والمعارضة في آن، عبر إعطائهم ملامح ووجوه ولوحات.

هذا الانتماء الواضح للمهمشين والمسحوقين يفسره الفنان بحالة الحرمان التي عاشها، فهو ابن بيئة فقيرة ومحرومة أساسا عانت من بطش الجغرافية والسلطة في آن، ناهيك عن صدامه المبكر مع الأمن والسلطات مرة لأنه كردي يبحث عن وضع الثقافة الكردية في صدارة المشهد، ومرة لأنه يسعى لأن يكون مواطنا وفنانا في بلد لا صوت فيه إلا للاستبداد، وهو الأمر الذي قاده لأن يكون نزيل سجن تدمر السيء الصيت لمدة أربعة أشهر، بسبب غيابه عن الخدمة العسكرية لمدة ثمانية عشرة يوما، حيث كان يحضر لمعرض فني، هي التجربة التي تركت جرحا عميقا في ذات الفنان، لا تني تظهر على روحه ولوحته ومعالم وجهه كلما تذكرها، الأمر الذي يجعل بدايات الفنان صعبة، وهو الذي لم يدرس الفن بل قادته موهبته لأن يتصدر المشهد الفني السوري لاحقا من أوسع أبوابه، فـ “كوني فشلت في الدراسة صار الرسم عندي تحدي سأثبت نفسي من خلاله”، لتبدأ موهبته بالتفتح وسط عدم رفض من العائلة والمحيط الكردي الغني بالأحزاب والتجمعات التي تشجع الفن والمواهب في حلب، ليستثمر كل ذلك ويتعلم بالتجربة التي صقلها وجود نحات قريب مثل “سيدو رشو” الذي ساعده على دخول الأوساط الفنية، لتكون التجربة دليله الوحيد، إلى درجة أنه حين سمع بمفردة “الألوان الزيتية” ذهب واشترى ألوان ورسم اللوحة ثم دهنها بزيت الزيتون ثم انتظر أن تنشف اللوحة التي “مضى عليها أربعة أيام دون تنشف” يقول وهو يضحك.

لوحة تمثل مجموعة من وجوه المسحوقين. المصدر: نهاد الترك
لوحة تمثل مجموعة من وجوه المسحوقين. المصدر: نهاد الترك

في السابعة والعشرين من عمره، حزم الفنان لوحاته وذهب إلى دمشق مصمّما أن يعرض في أفضل الأماكن، ليحط به الرحال في المركز الثقافي الفرنسي ويبيع كامل اللوحات في أول معرض يقيمه. يومها اتصل مع أمه ليقول لها ماذا تريد للمنزل، فأرسل لها المال من دمشق لتشتري غازا.

في لوحاته الأخيرة، لابد وأن ينتبه المتابع إلى كون كل اللوحات ترفع شارة النصر في حين أن ثمة لوحة واحدة ترفع إصبعا واحدا وعليه قنبلة، وهي صورة الدكتاتور الذي يعتبره الفنان المسؤول الأول عما يحصل في البلاد، واضعا إياه بمواجهة ضحاياه الذين سينتصرون مهما طال الزمن، رغم أن رؤيته لما يحصل الآن تقول بأن “العنف لن ينتهي بسنوات قليلة، والاستبداد لم ينته وهو يتوزع الآن بين النظام وداعش وأطراف أخرى. أنا حزين أن فكرة الكرامة والحرية على أرض الواقع وليس صفحة الفيسبوك انزاحت من اهتمامات الناس ولم تعد مطلبا واضحا ومباشرا، وأخشى أن موضوع الحقد لن ينتهي بهذه السهولة”.

وجه من المسحوقين وهو يرفع شارة النصر. المصدر: نهاد الترك
وجه من المسحوقين وهو يرفع شارة النصر. المصدر: نهاد الترك

عن علاقة الفن مع الثورة وعما إذا كانت اللوحة نجت من المباشرة، يملك “نهاد” رؤية مغايرة، تنطلق من كون الفنان “إنسان ولديه ضمير ومن حقه أن يعبّر عما يدور في ذهنه”، قائلا ” أنا إنسان قبل أن أكون فنان”، ولذلك فإذا رسم الفنان لوحات مباشرة للشهداء والحرية، أمر طبيعي وضروري فهي مرحلة في عمر الفنان، و “بهذه اللحظات ما بفكر شو الاجتهادات الفنية بفكر بضميري وليحاسبني التاريخ”.

وفيما يخص انتاجات الفن السوري في ظل الثورة، يرى الفنان أن الملصق والبوستر هو الأكثر تعبيرا عن روح الثورة، في حين أن “اللوحات القماشية لم تعبّر جيدا”، حيث شهد الملصق تطوّرا ملفتا إلى درجة أنه ينصح “كل من يريد أن يقرأ الفن في الثورة أو الثورة من خلال الفن أن يتابع الملصق السياسي وليس اللوحة”، فهذا الملصق الذي كنا قبل الثورة نراه في مهرجان القطن أو معرض دمشق الدولي فقط، أصبح اليوم مرجعية للثورة.

المصدر: سيريان انتولد