أخبار عاجلة
الرئيسية » قصص قصيرة » رسائل حب مُرعبة .. فؤاد قنديل

رسائل حب مُرعبة .. فؤاد قنديل

عندما فتحت الخطاب في حمّام المدرسات، لم تجد غير جملة واحدة فقط.
– آنسة هالة.. أنت لا تدرين كم أنت جميلة!
انتفض جسدها كله وأسرع قلبها يدق طبوله، ونظراتها تمسح الجدران والنوافذ والسقف والأرضية فقد يكون هناك من يرقبها، أسرعت يداها إلى الجيبة والبلوزة تتحسسهما لتتأكد إنها ليست عارية. ظل بدنها يرتعد ولشهيقها وزفيرها صوت مسموع وإيقاع أسرع من المعتاد.
كانت قد أنهت درسها للبنات وغادرت الفصل إلى حجرة المدرسين، ناداها حمزةالسكرتير وسلمها مظروفا قال إنه ورد ضمن بوستة المدرسة. قلبته ظهرا لبطن. ليس مكتوبا عليه غير اسمها (هالة البركاوي) واسم المدرسة (السكاكيني الإعدادية للبنات).
مطت شفتيها وعادت تقلب في المظروف الذي بدا كجسم غريب قابل للانفجار. لا تذكر إنها تسلمت أية رسالة من قبل إلا خطاب تعيينها منذ خمس عشرة سنة. ظرف أصفر كالح كانت تعرف ما بداخله قبل أن تفتحه. لم تحتمل الصبر حتى تعود إلى البيت بعد ساعتين فما زال لديها حصتان. لن تودعه حقيبتها قبل أن تعرف ما فيه ولن تقرأه طبعا في حجرة المدرسين.. الحجرة كلها عيون وعقول يمكنها أن تتوقع عشرات الأخبار والحكايات وتخمن ما لا يخطر على بال شيطان. انحرفت بزاوية قائمة نحو حمّام المدرسات الذي قفز إلى ذهنها فورا وهو يمد يد العون لها قبل أن تمزقها الحيرة.
ثبتت نظارتها غليظة العدسات والشنبر على عينيها وعادت تقلب المظروف. ليست هناك أية علامات أوإشارات أواسم أو عنوان، و كذلك كانت الورقة السماوية المطوية بالداخل والتي تعلوها غلى الجنب الشمال ورود صغيرة حمراء وصفراء وبنفسجية. لم تكن هناك غير جملة واحدة.. واحدة فقط كفيلة بأن تحدث زلزالا في الكون، ويمكنها أن تثير بركانا أوتغرق مدينة أوتحيل العالم إلى حديقة..
– أنت لا تدرين كم أنت جميلة !
جملة واحدة فقط مكتوبة بخط جميل، وكاتبها لابد رجل، لأن الأنثى بالطبع لن تكتب هذه العبارة لأنثي. رفعت فجأة وجهها نحوالمرآة. نظرت إلى ملامحها. كانت خصلة من شعرها منتصبة لأعلى مثل ريشة في جناح غراب خارج لتوه من معركة. فزعت… سوّت شعرها الأسود الكثيف الخشن. جربت معه كل الوصفات كي يصير ناعما بلا جدوى.
بللت شفتيها بريقها. شعرت بالرضا لأن شفتيها جميلتان متناسقتان حمراوان. قبضتهما وبسطتهما ليشتعل الاحمرار أكثر.. يغيظها جدا أنفها الذي طال فيما يبدو بسبب قيام حفيظة القابلة بإمساكه وجرها منه عندما كانت أمها تعاني لإخراجها من بطنها حال الولادة قبل سبعة وثلاثين عاما. فكرت أن تخلع النظارة.. لم تتعجل خلعها. توجست من النتيجة. عزمت أن تخلعها لتتحقق من شكلها بدونها. لم تجد الشجاعة الكافية. شحنت نفسها ومدت أصابعها. أمسكت الشنبر بحذر حتى لا يلدغها. سحبت الشنبر وغادرت النظارة مكانها الذي نادرا ما تبرحه إلا ساعات النوم.. لم تر شيئا إلا بعض الملامح الضبابية. ثمة شيء خبط قلبها
..أسرعت تعيدها إلى موضعها.
عادت تطل في الخطاب وتقرأ الجملة بعينيها وأذنيها وكل حواسها، ثم تعود إلى المرآة كأنها ضابط يقارن وجه متهم وصورته على الكومبيوتر..تقرأ وتنظر في المرآة.. صفع قلبها طرق على الباب. دست الخطاب في الحقيبة وألقت نظرة أخيرة على المرآة ثم خرجت. في حجرة المدرسين جلست شاردة.. صاحب الرسالة واثق في نفسه.. كتب جملة مكونة من مقطعين..أولها، أنت لا تدركين.. أي أنه بحث ونقب ولاحظ ثم انتهي إلى أني لا أدرك.. وفي المقطع الثاني قال: كم أنت جميلة !.. تنهدت من أعمق أعماقها نقطة ماء واحدة أسقطتها السماء على صحراء قاحلة.. عادت تنظر إلى المظروف لتتأكد أنها المقصودة.. تنهدت وتساءلت.. من الشخص الذي يراني كذلك ؟.. لم يعاكسني يوما مجرد شخص عابر في الطريق.. كنت دائما أسمع عن المعاكسات التي تحكى البنات بل العجائز عنها.. هل يخسر شيئا إذا رماني شاب أعور أو أعرج حتى بنظرة.. لماذا لم يذكر ولد صغير أبله في الشارع شيئا عن جمالي حتى لو كذبا وغلاسة ؟
ترقرقت في عينيها الدموع فتماسكت واحتجزتها.. حاولت أن تسيطر على أشجانها المتراكمة
– أخيرا وجدت من يقدر.. يااااااه.. بعد سبعة وثلاثين عاما!!.. لكن من هو؟
– لابد أن يكون من المدرسين أو الجيران
استعرضت كل من تعرف من الرجال الذين لا تزيد أعمارهم عن خمسين سنة وغير مرتبطين.. قطعت شوطا دون أن تحصل على نتائج محددة.. عادت تحدق بفكرها في أسماء الرجال بعد أن أدخلت المتزوجين أيضا، ثم انتهت بعد يومين من التفكير إلى أن كلمات الرسالة لا تسمح بأدني مساعدة على تحديد الراسل وتأهبت لنسيان الموضوع على اعتبار أنه ليس غير لعبة سخيفة من شخص تافه.. لكن الرسالة وجملتها المرعبة تروح وتجيء على خاطرها باستمرار مثل ذبابة صيفية لزجة وملحة.. المظروف متعلق مثل حلية صغيرة زرقاء في رقبتها ورأسها.. يتهادب كبندول.. كلما أزاحته عاد، فتسمح له بالبقاء لعدة دقائق فلا تريد أن تحكم عليه بالشنق والتمزيق. لا يزال هناك أمل ضئيل في حجم نقطة دم يحرك نبض فكرها وقلبها ويؤكد أن ما جاء بالرسالة ليس لعبة.. مع البندول استشعرت الرضا مع الحيرة..الأمل والتوجس. استقرت على قولها:
– شوف يا ابن الحلال. إذا كنت جادا تقدم خطوة.. أخرج من خلف الستائر.
سألتها أمها عن سر شرودها. أجابتها وهي ترفع كتفيها وتمط شفتيها:
– كل شيء عادي جدا بدرجة سخيفة. قالت أمها: عمك نفسه لاحظ
تذكرت زوج أمها الذي حاول في عدة مناسبات التحرش بها وصدته وتجنبته. اقتحمت روحها فجأة عاصفة من الاشمئزاز من مجرد ذكرها اسمه. في اليوم التالي جاءها حمزة برسالة لها الملامح ذاتها حتى الأختام البريدية.
” بحلم بيك أنا بحلم بيك، وبأشواقي مستنيك وان مسألتش فيه.. يبقي كفاية عليه.. عشت ليالي هنية أحلم.. بيك..أنا بحلم بيك.. قد ما عمري يطول يا حبيبي قد ما عمري يطول ح استناك على طول ياحبيبي حاستناك على طول ” كانت على وشك دخول فصل ثالثة رابع، فأوكلته إلى نادية زميلتها وأسرعت بالعودة إلى البيت وهي غير متنبهة تماما لما أقدمت عليه.
لاحظت للمرة الأولي أسراب من حمام أبيض تحلق وتتسابق أمام قصر السكاكيني الذي رغم قدمه بدا كما لوكان قد تم ترميمه وتألقت بالربيع حديقته. دخلت حجرتها وعاشت مع أغنية عبدالحليم. حاولت أن تستقطرمعانيها وتتخيل شعور وقصد الراسل من وراء هذه الأغنية بالتحديد.. هل حقا يحلم بي ؟.. ولماذا أنا بالذات وأين رآني ؟ وما الذي أعجبه في شكلي ؟ وما غرضه الأخير؟ ولماذا لا يفكر في اللقاء المباشر ؟.. هل سنبقي في انتظار الأيام كي تحدد مصيرنا ؟ يمكنه في المرة القادمة أن يرسل عنوانه أويكتب رقم تليفونه فنتحدث حتى لو لم يذكراسمه..العمر قصير يا.. يا من يمكن أن تكون حبيبي.. ياااااه..
هل يمكن أن أحب؟ كم أتمني أن أتذوق لحظات الحب مع من يحبني بصدق ورغبة !!.
عادت تبحث عنه بين المدرسين والجيران.. ورأت أن الأغنية تدفع باتجاه الشباب ومن المستبعد أن يتجاوز عمرصاحب الرسائل الأربعين، وهو مؤشر مريح نسبيا.
خرجت في اليوم التالي من فصل ثانية ثالث وجلست على كرسيها في حجرة المدرسين.. فتحت حقيبتها تبحث عن لبانة تمنحها بعض الطاقة لأنها استيقظت متأخرة ولم تتناول ولو كعكة لذيذة مع الشاي من صنع يدي أمها.. لم يظهر مدبولي الساعي كي يشتري الساندوتشات. اندفع داخلا زميلها شلبي مدرس اللغة الإنجليزية الوسيم وطلب منها أن تحضر بسرعة لرؤية زميلتها نبيلة فقد أغشي عليها. فزعت وأسرعت معه إلي الفصل المجاور.. وجدت أخريات سبقنها وسقوها ماء بالسكر ونثروا العطور على وجهها حتى أفاقت.. تماسكت وداعبوها حتى ابتسمت. عادت إلى حجرة المدرسات فوجدت بعض زميلاتها.. جلست ثم تذكرت اللبانة. كانت قد تركت حقيبتها مفتوحة. قلبت فيها..عثرت على ورقة مطوية تشبه بالضبط رسائل الغرام مجهولة المصدر.. أحست برعب مفاجئ. مذ خرجت من الحصة لم يقابلها إنسانا غير شلبي.. لم يدخل معها لإنقاذ نبيلة. ناداها فقط ثم اختفي..فمن وضع الورقة في الحقيبة ؟ دفعها الشوق المشتعل لمعرفة ما فيها أولا وأرجأت البحث عن الفاعل.
” فستان جميل وبسيط كنت ترتدينه في حفل خطبة ابنة زميلتك إنعام.. لونه الأبيض وعليه بالطول الخطوط الزجزاج السوداء الرفيعة.. الكولة العريضة والكلوش الواسع.. الأزرار الذهبية على شكل باقات الورود.. تسريحة شعرك جديدة تماما ومناسبة لك جدا.. شعرت بالغيرة.. لم أنظرإليك بقدرما كنت أتطلع إلى الشباب خشية أن تقع عليك عيونهم الجائعة المحرومة من الجمال.. كنت متأهبا للنيل من أي شخص يفكر. مجرد تفكير أن يدنومنك. أتمني لك السعادة من كل قلبي ”
الله عليك.. رائع يا ولد.. كلام جميل يناوش قلبي.. لم أشعر يوما بما أشعر به الآن.. تقدم كثيرا صاحب الخطابات. لكننى لا أعرف شكله ولا اسمه. كلام رائع ما كتبه هذه المرة. يبدوعفريتا قوي الملاحظة. الآن يمكننى التخمين.. لقد كان إذن ضمن الحاضرين حفلة ابنة إنعام.. أيهم يكون؟.. استعرضتهم جميعا.. لم تستطع الاستقرارعلى شاب من الموجودين بوصفه الراسل.. لم يبق غير شلبي.. لكنه لم يكن حاضرا في الحفل فمن وضع الورقة؟

أمسكت رأسها وسألتها نوال زميلتها، قالت: قليل من الصداع. محاصرة بكل أسباب الحيرة ورغم ذلك شعرت براحة لذيذة.. تنهدت بنشوة مع أن كل شيء مجهول.. خطة تتم دون معالم محددة.. قامت إلى حصتها التالية وهي تمشي الهوينى وتكاد تتبختر.. تشعر بخفة جسمها ورغبتها أن تتنزه على النيل وتركب زورقا أو تركب دراجة وتجري بها على مروج القناطر.. الآن ليس مطلوبا إلا أن تهتدي إلى أغنية تناسب روحها المحلقة وحالتها الطافية فوق الماء المتراقص.. وجدت نفسها على غير انتظار تغني “اسبقني يا قلبي اسبقنى..ع الجنة الحلوة اسبقني. اسبقني وقول لحبيبي أنا جي على طول يا حبيبي.. اسبقني قوام اسبقني.
بعد الحصة عادت تفكر فيمن وضع الورقة في الحقيبة.. كيف وصل إلى حقيبتها وعَبركل الموانع ؟ من تراه ذلك الغريب الجرئ ؟. لا.. لم يعد غريبا.بل أصبح قريبا جدا.
على مدي ثلاثة أيام فوجئت بنفسها متلبسة بشكل لا إرادي تفتح حقيبتها في المدرسة كل صباح وتبحث فيها عن ورقة سماوية مطوية على كلمات تبعث في روحها مزيدا من الأمل.. أصبحت الدنيا كلها مختزلة في ورقة رقيقة سماوية تتضمن جملة لذيذة قادرة على الرعب أحيانا.. تنهدت بعمق وساورها شعور راسخ بأنها اختلفت عن ذي قبل. صارت تحب الحياة وتتطلع إلى كل شيء فتري فيه جمالا كان متواريا لسبب ما.. لاحظت تراجعا واضحا لغضبها من الدنيا ومن الناس، حتى قالت يوما:
– الحياة صعبة حقا لكنها تحمل الأمل كما قد تدفع أحيانا إلى اليأس، وفي كل الأحوال لا يجب على الإنسان أن يشعر بالتعاسة.. المشكلة دائما في التوقيت ونحن لا نستطيع أن نحدد مواعيد الخيرات المجهولة.
في اليوم الرابع عثرت على الورقة السماوية.تهللت. أسرعت بفتحها..
” ثقي بنفسك واحلمي.. لقد قرأت كتابا مؤخرا لمفكر فرنسي يقول: لا تتصرف كالمحكوم عليه بالإعدام أو الخنزير المجرور إلى المذبح.. قاوم واحلم ولا تدع أحدا يفرض عليك رأيا.. بالمناسبة أتمني أن تقبلي على القراءة.. القراءة تجعلك قوية، وأنت لست قوية بما يكفي.. أنت في حالة انتظار دائم لأي شيء وقد لا يجيء كشخصية جودو في مسرحية صمويل بيكيت وهذا الموقف ضد الحياة.. حاولي أن تخلقي حياة جديدة على هواك. فإذا لم تستطيعي فاسخري منها..هذا ما قاله برناردشو.. لا تنسي أن وجهك نصفه عيون.. والعيون بوابة الجمال… الدكتور لبيب في الميدان يجري عملية الليزك بالقسط.. اعمليها واستغني عن النظارة “.
أصابتها رعدة. الرسالة مختلفة وفيها قليل من القسوة وسوء الظن. بل الإهانة. أنا حقا لا أقرأ.. ربما كان كاتب الرسالة الأستاذ نجيب أمين المكتبة فهو الذي يقرأ كثيرا.. كيف لم أعده ضمن كتابها المحتملين خاصة أنه غير متزوج؟..كما أن الأستاذ رمزي مدرس الرياضيات من المثقفين الذين يقرأون كثيرا. ومع ذلك فأظن أنه نجيب.
انطلقت إلى المكتبة وسألت نجيب عن “برنارد شو” فأجابها وسألته عن بيكيت فأجابها.. خجلت أن تسأله عن موقفه من الزواج.. لاحظت أنه منصرف عنها وغير مقبل على الحوار ومشغول بترتيب كتب كثيرة ووضع أختام عليها. تسللت خارجة يخامرها شعور بأن المشهد فقد بهجته السابقة.. طافت بسمائها بعض الغيوم الخفيفة .. حان موعد الحصة فمضت كالشاة التي جاء ذكرها في الرسالة.. حاولت أن تجتهد في التعامل مع الطالبات وأن تندمج بشدة في الشرح والأسئلة، لكنها لم تفلح بدرجة كبيرة كما تمنت. غادرت المدرسة وموضوع العملية يشغل بالها.
ما إن وصلت البيت حتى وجدت أمها وزوج أمها ينتظراها وقد ارتديا ملابس السفر. قالت أمها وهي تغالب دموعها:
– توفيت عمتك جمالات وعلينا السفر الآن إلى بني سويف.. جهزت لكم الغداء..
لن نستطيع العودة الليلة.
عصرت على روحها ليمونة وقالت بصعوبة:
– البقية في حياتك يا عمي
قال عمها:
-لا تتساهلي مع أخيك..الامتحانات قربت.. لا تدعيه يذاكر خارج البيت
هزت رأسها موافقة أبدت بعض الحزن احتراما لمشاعر زوج أمها الذي لا تحترمه في العادة. غادرت الأم وزوجها على عجل.. تحركت هالة ببطء فقد كان اليوم تعسا إلى حد ما، وكان مزاجها رماديا تغلب عليه المرارة.. لا تشعر برغبة في أي شيء.
لم يحضر أخوها ذو الأعوام الستة عشرإلا بعد الغروب وبصحبته فادي زميل الدراسة الذي لا يفارقه.. اعتادا أن يذاكرا معا، لذلك يرحب به كل من في البيت لأنه فتي مهذب وذكي ومجتهد، وهو الأول على جميع الطلاب في كل السنوات.. تري أمها أنه السبب في نجاح ولدها شامل الذي لا يمسك كتابا إذا كان وحده أبدا، ويكره من كل قلبه الكتب وسيرتها. توفيت والدة فادي منذ عامين وأبوه يعمل مساء في هيئة التليفونات.
قالت لأخيها: الأكل في المطبخ.. قدم منه لضيفك.. عندي كراسات كثيرة أحتاج لتصحيحها. إذا احتجت شيئا اعمله بنفسك.
أخرجت الخطاب وجلست تقرأه كلمة كلمة.. رأت أنه مشحون بالقنابل وقد رجها رجا.. في لحظة عبرت روحها أمنية أن تتوقف هذه الرسائل التي يستعرض فيها صاحبها ثقافته دون اعتبار لها.. مع ذلك رأت إنه خطاب مهم وقادرعلى إثارة العديد من القضايا المصيرية.. سواء كانت تخصها أو تخص جنس النساء. واجهت نفسها.. لابد من الاعتراف أنه مثقف ومخلص. عادت تفكر في عملية الليزك.. استعادت كلماته مرات:
– نصف وجهك عيون. والعيون بوابة الجمال.
– تنهدت.. كلامك جميل يا ابن
تمدد إلى جوارها. ابتلع ريقه. حار من أين يبدأ. تقدمت شفتاه من خديها وقبلها. كانت بلا نظارات قبّل الخد الثاني وتذوق طعم اللحم. حدث نفسه.. أجمل ما في الأنثي رائحتها. قبل شفتيها عدة مرات ثم استقر طويلا معهما. يقلب فيهما ويستحلب وهي مستسلمة لا تشعر بأي شيء. لا رغبة هناك ولا وعي ولا إحساس. جثة هامدة. لم يندم على ما فعل بل طرد أول شعور باللوم. هبطت شفتاه إلى الرقبة والصدر وأقام بعض الوقت. كان الثديان ناعمان دافئان متوردان وقويان.. ارتفعت درجة حرارته فخلع ملابسه و نضا عنها ملابسها. عرّاها تماما. احتضنها بشدة. مضي يقبل كل سنتمتر من جسدها اللدن الناعم.. عاد إلى الثديين. صعد إلى الشفتين إلى أن فوجئ بالكهرباء تستعر في بدنه.. حاول أن يلجها. لم يعثر على بابها المغلق بإحكام.. ارتبك بينما حمم رغبته تتفجر بها أعصابه.. عاد يقبلها بعنف ويقبض علي بدنها الدافئ الطري بأظافرها. حفكر أن ينهش لحمها بأسنانه لكن أعضاءه تداعت وشهوته المجنونة انطفأت فجأة.. انحط فوقها شاعرا بالأسف لغياب التواصل الحميم وسرعة فتور الرغبة. حاول أن يجدد المحاولات. لاحظ أنه أقل حماسة.. ظل فوقها مندهشا من حالة الاسترخاء.. لن تتاح فرصة مثلها في القريب.. لكنها جثة.. حاول أن يقبلها من جديد ويساعد الرغبة بإثارة خياله على أمل أن يبني حالة مختلفة ويستطيع التوغل. لكن شيئا مجهولا كان يؤنبه ويغيب طاقته.. مضي يتأمل وجهها ويسوي شعرها ويحتوي ثدييها بكفيه، ثم نهض وارتدي ملابسه وغطاها بملاءة، وغادر البيت.
ببطء شديد فتحت عينيها. جفونها ثقيلة. استشعرت برودة مباشرة تضرب جسدها. لمحت ذراعها العاري. أحست بأن العُري قادم من أسفل. تسللت نظراتها إلى بقية جسدها. ثدياها عاريان تماما وبطنها وفخذاها. أسرعت تغطي الثديين بكفيها. نهضت بجذعها.مؤكد أنها في كابوس.. تركت ثديا وسحبت بيدها الملاءة. غطت بطنها وفخذيها. أسرعت نظراتها إلى النافذة الوحيدة. كان الشيش مفتوحا والزجاج مغلقا. الستائر الشيفون البيضاء الخفيفة تكسر حدة الضوء لكنها يمكن أن تكشف كل شيء. لفت في الملاءة جسدها العاري الذي كان يرتعد بينما كانت روحها تنتفض بشدة.. أسرعت تختبئ خلف الدولاب.. تحاول تجنب مرمي العيون. بيت الجيران قريب جدا وشرفتهم تصب في النافذة.. لا ليس حلما ولا كابوسا. إنها الحقيقة.. تصورت عشرات الثعابين تزحف على البلاط.. كلما حدقت فيها غابت الثعابين، وسرعان ما تعود إذا خطفها الذهول. ظل بدنها يرتعد..أحست كأن شيئا ناعما ثقيلا كقطرات من دم تمشي على فخذيها.. مدت يدها. كان سائلا لزجا لكنه ليس دما.
.. الساعة نحوالسادسة.. أمها لم ترجع إلى البيت. أخوها لا شك في سريره.. تشعر شعورا غامضا أن رجلا نام معها في السرير. هناك رائحة رجل.هناك أيضا يد رجل وشفتاه وصدره الخشبي.أشياؤه تزحف على جسمها. أسرعت إلى الحمام. هناك لابد رجل كان في البيت بل في حجرتها. رجل حقيقي قام بلمسها. غير متأكدة من ذلك لكنها واثقة أن رجلا كان إلى جوارها وهذا يعني أن ثمة مصيبة.. كيف حدث هذا؟. حاولت أن تتذكر ماذا جري قبل أن تستسلم للنوم.. نعم.. تذكرت أنها أعدت شايا لأخيها وزميله ثم دخلت وغلبها النوم. دخلت الحمام وخلعت ملابسها وتأملت لحمها.. كانت هناك بعض المناطق الوردية ما يعني أنها ناتجة عن إمساك قوي وقليل من العنف.
طوال اليوم لم تفارق روحها ليلة الأمس وماجرى فيها وذلك الرجل المجهول.. نحوالظهيرة وبعدانتهاء كل الحصص وصل تفكيرها إلى نقطة مهمة تخفف قليلا حالة الهواجس المرعبة. فقد استبعدت لأول مرة فكرة الرجل.. إنه لابد حلم طويل وعميق ومركز إلى الدرجة التي يمكن معها أن يتحول إلى ما يشبه الحقيقة. حتى لو كان حقيقة هي لم تخسر شيئا وليس هناك ما يدل على أن الرجل عبث بها. عادت تفكر بقوة وتركيز للبحث عمن لمسها.
هبت بعد الغروب فجأة وفي الرأس تصميم حاسم. اندفعت إلى الخارج ماضية بعزم إلى بيت جارها موظف التليفونات. لم تجده وهي على أية حال لا تريده. فتح فادي الباب وسرعان ما قالت له:
– سأحكي لأبيك ما جري.
– ما الذي جري ؟
– أنت تعرف ما جري.. سأقول له أن ابنك خائن ولم يحفظ الأمانة ولم يحترم بيتا يؤويه.
أحنى فادي رأسه.. استمرت بصلابة
– أنت الذي كنت ترسل الخطابات.. قل حتى لا أحكي لأبيك وأحكي لناظر مدرستك وهو رجل لا يقبل العيبة وسوف يحرمك من الامتحان ويضيع عندئذ مستقبلك.. صارحنى وسوف أعفو عنك
أحنى رأسه واعترف بأنه أرسل الخطابات وهو من وضع لها ولأخيها المنوم في الشاي، لكنه لم يمسها.. حاول فقط أن يشاهد جسمها لأنه يحبها. فجأة طارت كفها ولطمته لطمة سمعها العابرون في الشارع وكاد رأس الفتي يلمس الأرض، ثم غادرت بعد أن صفعت الباب بقوة لم يتصور فادي أن تتمتع بها.
بعد يومين أجرت العملية واستغنت عن النظارة.. لفت وجهها الجديد الأنظار وهنأها كل من رآها.. لاحظت أن فادي لا يحضر للمذاكرة كعادته.. خافت على أخيها الفاشل. أسرعت إلى بيت فادي الذي وقف بعيدا في حذر. لم تسأله عن شيء. دنت منه وعانقته. ضمته بشدة إلى صدرها. ذهل الولد. قبلت خديه وطلبت منه أن يأتي إلى أخيها ليذاكرا معا.
بعد أسبوع طلب يدها شقيق زميلتها نبيلة وهو جواهرجي متزوج ولم ينجب منذ عشر سنوات.. كان وسيما ورشيقا وثريا.. رحبت به ودعت فادي لحضور حفل الزواج وارتاحت من تحرشات زوج أمها، لكنها لم تجسر على أن تمزق أهم رسائل حياتها.