أخبار عاجلة
الرئيسية » أخبار عاصفة » النزوح السوري إلى لبنان..واقع مرير وآمال متواصلة

النزوح السوري إلى لبنان..واقع مرير وآمال متواصلة

يستقبل لبنان مليون نازح سوري على الأقل، ما يجعله بلد “النزوح الأكبر” منذ اندلاع الأزمة السورية. أعداد تمثل تحديا كبيراً للمسؤولين اللبنانيين والمنظمات الدولية، فما هي الإشكاليات والحلول المطبقة للحد من معاناة النازحين؟

أربعة أعوام مضت على بداية نزوح السوريين إلى لبنان… والعام الخامس بدأ، ومعه حكايات أزمة سورية تتواصل فصولها. لبنان –البلد الجار- يعايش الواقع، يتفاعل ويؤرشف ليوميات غير اعتيادية.
يستقبل “بلد الأرز” أكثر من مليون نازح سوري. مقارنةً بمساحته الجغرافية وعدد سكانه، يصحُّ وصفه بـ “بلد النزوح الأكبر”. أرقام الوافدين إليه غير محددة؛ المفوضية العليا لشؤون اللاجئين تتحدث عما يزيد عن مليون ومائة ألف مُسجلين لديها. ولكن الرقم “أكبر” كما يؤكد المتابعون مستندين إلى أن أعداداً كبيرة من النازحين غير مسجلة، وتدخل الأرقام في بورصة المزايدات:البعض يتحدث عما يفوق المليونين، وآخرون يقولون المليون ونصف المليون، كلها تبقى ترجيحات، الأكيد أن البعد الجغرافي فعل فعله، إضافة إلى الاستجابة المتأخرة للدولة اللبنانية مع الأزمة العابرة للحدود.
القضية وطنية
وزير الشؤون الاجتماعية اللبناني رشيد درباس يرسم في حديث لـ DWعربية صورة الواقع اللبناني في ظل النزوح السوري، فيقول: “الحكومة اتخذت إجراءات لتنظيم ووقف تدفق النازحين. نجحنا في وقف التدفق، لكننا لم ننجح لغاية اليوم في إيجاد حلول لتداعيات النزوح على المجتمع اللبناني المضيف”.
مجلس الوزراء اللبناني أوكل الملف بداية لوزارة الشؤون الاجتماعية لكن “حين نتحدث عما يزيد عن المليون نازح –يقول الوزير- فالقضية تصبح أكبر من وزارة لتغدو قضية وطنية، بالتالي على الدول العربية والمجتمع الدولي تحمل المسؤولية(…)”.
لبنان بلا رئيس للجمهورية لغاية اليوم. مجلس النواب ممدد له. الحكومة،حكومةُ أمر واقع. لم تعد هناك مؤسسات في لبنان تسير وفق النمط الطبيعي. يقول الوزير درباس إن “الاقتصاد اللبناني يسجل خسارة 20 مليار دولار. النمو انخفض بشكل كبير. البنى التحتية استُهلكت، والمساعدات الدولية شحيحة (…)”.
الوزير درباس يؤكد لـ DW أنه سيطرح ملف النزوح كـ “قضية وطنية” على جدول أعمال مجلس الوزراء، فـ”المسألة ليست مسألة نزوح بقدر ما هي قضية كل لبناني، وعلى كل الوزارات تحمل المسؤولية لإبعاد شبح الفوضى الأمنية(…)”.

منذ أن بدأ توافد النازحين السوريين إلى لبنان، ثار في "بلد الأرز" الجدال حول التسمية الفُضلى لهم: هل هم "نازحون" أم "لاجئون"؟
منذ أن بدأ توافد النازحين السوريين إلى لبنان، ثار في “بلد الأرز” الجدال حول التسمية الفُضلى لهم: هل هم “نازحون” أم “لاجئون”؟

تنظيم، إشكاليات… وحقوق دولية
لم يوقع لبنان اتفاقية العام 1951 الخاصة باللاجئين، وهو بالتالي بلد عبور لا لجوء. وعليه يترتب أن”إعطاء الجنسية اللبنانية للنازحين السوريين غير وارد، ووجودهم مؤقت”، يؤكد أكثر من مسؤول لبناني، وذلك “لا يُلغي احترام بيروت للمواثيق الدولية الراعية لحقوق الإنسان، بما خصّ الإيواء مثلا، لكنّ ملفَ العمل ملفٌ شائك”.
توضح مسؤولة لبنانية في إحدى الوزارات المعنية بالنازحين لـ DW ، وهي فضلت عدم الإشارة إلى هويتها، أن “السوري يعمل في لبنان منذ ما قبل الأزمة السورية. وكان ملف العمل في البداية غير منظم، لكنه اليوم أصبح خاضعا للقوانين، فيحق للسوري العمل بما لا يُشكل منافسة للبنانيين”.
في الخامس من كانون الثاني/ يناير 2015 بدأ في لبنان تنظيم دخول السوريين. وبات على كل سوري إيضاح سبب سعيه لدخول البلاد، إذا كان للعمل، أو بغرض السياحة أو اللجوء، وغير ذلك. الإجراءات هذه قلّصت عدد السوريين الوافدين إلى النصف، وبات ممنوعا دخولُ النازحين إلا ضمن حالات إنسانية فقط.
وزير الشؤون الاجتماعية يؤكد لـ DW نجاح هذه الإجراءات ويكشف عن “خرق بسيط”. حاولنا استيضاح الموضوع فقالت مسؤولة في الوزارة إن “نحو 5600 سوري دخلوا إلى لبنان بصفة غير صفة نازح، ليتبين لنا أنهم قصدوا المفوضية العليا للاجئين للتسجيل كنازحين. المفوضية العليا سجلتهم، ونحن الآن نتابع الموضوع لفصلهم وإبراز احتيالهم على الدولة اللبنانية”.
أمام حالات مشابهة لا يُرحل لبنان الوافدين إليه، وتوضح المسؤولة في وزارة الشؤون، إن “وزارة الداخلية والأمن العام يقومان باللازم لتسوية أوضاع المخالفين”.

في الخامس من كانون الثاني/ يناير 2015 بدأ في لبنان تنظيم دخول السوريين. وبات على كل سوري إيضاح سبب سعيه لدخول البلاد
في الخامس من كانون الثاني/ يناير 2015 بدأ في لبنان تنظيم دخول السوريين. وبات على كل سوري إيضاح سبب سعيه لدخول البلاد

جدال مُستمر
منذ أن بدأت الأزمة السورية، وبدأ توافد النازحين إلى لبنان، ثار في “بلد الأرز” الجدال حول التسمية الفُضلى لهم: هل هم “نازحون” أم “لاجئون”؟ في الواقع كلمة “لجوء” تثير حفيظة غالبية اللبنانيين الذين يعودون بالذاكرة إلى اللجوء الفلسطيني في لبنان، و”مخيمات اللجوء السيئة الذكر”، كما يصفها البعض.
جهود كثيرة تقوم بها جمعيات المجتمع المدني لتعزيز ثقافة الحوار بين اللبنانيين والسوريين، و”المسألة تبقى نسبية”، على ما يقول المحامي وسيم منصوري. وهو يؤكد أن “احترام الحياة الإنسانية شرط أول لثقافة ذات نزعة إنسانية”.
بعض اللبنانيين باتت تربطه بالسوريين علاقات صداقة حديثة. البعض الآخر تربطه بهم علاقات نسب وقرابة، الحوار وقبول الآخر حاضر في الحالتين، وهذا لا ينفي وجود تشنجات في حالات أخرى يعيدها منصوري إلى موروثات تاريخية “مثل أيام التواجد العسكري السوري في لبنان، والإرتكابات بحق اللبنانيين آنذاك (…)”.
بين المُرحب بالسوريين في لبنان، والرافض لوجودهم، ثمة مبادرات تتخذ أوجه مختلفة، منها الفني-التثقيفي، لتقريب المسافات. ففي الآونة الأخيرة شهدت بيروت معرضا للصور الفوتوغرافية حمل عنوان “500 كاميرا لـ 500 طفل في تجمعات النازحين السوريين”. المعرض كان تجربة جديدة لـ “جمعية مهرجان الصورة -ذاكرة”، بالتعاون مع منظمة اليونيسف، وهو بمبادرة من المصور اللبناني رمزي حيدر المقتنع “بأهمية الصور وضرورتها في الأرشفة والتأريخ”، كما يقول. 140 صورة بعيون الطفولة أرشفها حيدر في كتاب حمل عنوان “لحظة2″، كما ظهرت الصور في معرض شكّل مناسبة للتلاقي اللبناني-السوري من خلال المشاركة الواسعة فيه.
“اليونيسف” دعمت معرض جمعية “ذاكرة”. وهي إحدى المنظمات الدولية الناشطة، مثلها مثل منظمة الصحة العالمية، والمجلس النرويجي للاجئين، وبرنامج الأغذية العالمي وغيرها.

النازحون يحاولون التعايش. البعض منهم يقبل النزوح القسري وتداعياته. وآخرون يبحثون بشتى الطرق عن فرص للهجرة
النازحون يحاولون التعايش. البعض منهم يقبل النزوح القسري وتداعياته. وآخرون يبحثون بشتى الطرق عن فرص للهجرة

منظمات… ودعم شحيح
عمل المنظمات متواصل… لكن الدعم شحيح. المتحدثة باسم برنامج الأغذية العالمي في لبنان جويل عيد تقول لـ DW إن البرنامج قلّص في الآونة الأخيرة قيمة الدعم من “27 دولارا إلى 19 دولارا للفرد، وقد تم إخراج بعض العائلات من البرنامج بسبب التمويل… الأزمات الدولية تلعب دورا في تقليص المساعدات ولا ننسى أننا نقدم كل عام مساعدات غذائية إلى أكثر من 90 مليون شخص في أكثر من 70 بلداً حول العالم”.وهنا تُعقب زميلتها في البرنامج باميلا شمالي، وهي مديرة المكتب الفرعي لبيروت، جبل لبنان والجنوب فتقول لـ DW إن “التركيز هو على إعطاء الأولوية للعائلات الأكثر حاجة. ونحن نقوم بزيارات دورية للتثبت من أوضاع العائلات النازحة، كما أننا اتخذنا مجموعة من الإجراءات للتأكد من أن البطاقات المالية تصل إلى بالفعل إلى الأشخاص المعنيين(…)”.
هذا نموذج من عمل بعض المنظمات في ظل نقص الدعم العالمي. ما سبق يعطي صورة بسيطة عن الوقائع. النازحون يحاولون التعايش. البعض منهم يقبل النزوح القسري وتداعياته. وآخرون يبحثون بشتى الطرق عن فرص للهجرة. “هي حلم ليلة صيف”، يقول أحد النازحين.

المصدر: دويشة فيله