أخبار عاجلة
الرئيسية » كتاباتكم » تركي مصطفى : سراقب وردة ادلب وأيقونة الثورة

تركي مصطفى : سراقب وردة ادلب وأيقونة الثورة

الداخل إلى سراقب مولود , والخارج منها مفقود , هذا هو الشعور الذي ينتاب كل من شاء له حظّه أن يغترب عن سراقب قسرا ويعود إلى ربوعها , سراقب اليوم كما الأمس , بلد متمرد , وشعب عنيد لا ينحني للعواصف , حتى براميل الأسد المدمرة لم تنل من عنفوان وشموخ أهلها . ولا من تطلعاتهم نحو غد أفضل , لا أحد ينكر حجم الآلام التي كوت أهالي سراقب , غير أنها صنعتهم من جديد . هل تصدقون بعد مرور أربع سنوات من التدمير الممنهج , أن سراقب لا تزال وردة ادلب وأيقونة الثورة الجميلة ؟ .
هل أتحدث عن سهرات سراقب الثورية , عن هتافات المظاهرات الألفية , ومواكب العطر والأناقة , والشذا حتى الفجر , والاستعراضات الفنية التي يؤديها شباب تمردوا على الطغيان والاستبداد ؟ .
هل أتحدث عن سراقب الخمسينيات , عندما كانت تلك القرية الصغيرة , تزدحم بالتيارات السياسية من أقصى اليمين إلى أقصى الشمال , قبل أن تبتلى سورية بنظام بعثي عنصري فاشي أسدي مافيوي , ومن يوم تسلطه لم يتمكن ساسة وشيوخ ومفكري وفنانني سراقب , التعبير عن أنفسهم إلا وصاروا طعاما للسجون والمنافي والفقر والمرض والموت الزؤام . كلنا نذكر إعدام الشيخ عبد الله نزّال في سجون الأسد السيئة الذكر . وعشرات اليساريين الذين قضوا ردحا طويلا في غياهب المعتقلات . منذ ذاك الوقت كانت سراقب خلية نحل تعمل لبناء وطن أجمل , في الوقت الذي كان يبيع الأسد وزمرته التبغ على ظهور الحمير . هل أتحدث عن العمران , وعن البيوت العتيقة والحارات الجديدة , التي لا ترى لها مثيلا في ضواحي أجمل المدن الأوربية , وحولتها آلة دمار الأسد إلى ركام , وكأن سراقب بدورها الجميلة تتحدى آلة دمار الأسد .
هل أتحدث عن ( عجقة ) السير يوم الأحد , وعن نصف ساعة تقضيها داخل سيارتك حتى تصل إلى دوار السوق من جسر ( أبي الظهور ) . بينما اليوم مجرد أن تسمع المرصد ( أبو عرب ) , يقول : ( يا شباب حوامة براميل من معامل الدفاع أخذت جهة الجنوب الغربي وصارت فوق عزّان ) حتى تختلف حركة المرور وتزدحم الناس والسيارات , عائلات , أطفال , نساء , شيوخ مقعدين , الكل أخلى المدينة إلى خارجها , لأن الحوامة تحمل براميل الموت والدمار , وكل من ينظر للحوامة وهي تقترب من سراقب , ينتابه شعور بالإستهزاء من العالم الذي يعتبر نفسه متحضرا .
هل أتحدث عن المطاعم والمقاصف ( أبو سلوى , أبو أيمن , الرزاز , المنار ) وغيرهم , التي يفوق ديكورها مطاعم العالم المتمدن , والمكتظة دائما بروادها , لينعموا بالهواء الطلق , وبالهيطلية الأشهر على مستوى الوطن , لقد حولها الحاقدون إلى أطلال .
هل نتحدث عن فرحة الناس بمرور الجيش العراقي وهو في طريقه إلى الجولان عام 1973م , وتلهف الأهالي لمروره في آراضيهم , في الوقت الذي يقاتل ثوار سراقب اليوم , مجموعات عراقية طائفية تمثلت في عصابات أهل الحق , وأبو الفضل العباس , وحثالة العراقيين …..
لن أنس حملة الاعتقالات التي طالت أهالي سراقب في الصيف الملتهب من العام 2012م , وآلاف مقاطع الفيديو التي صورها ناشطو سراقب وفضحوا من خلالها جرائم نظام الأسد , وعلى رأسهم المكتب الاعلامي الذي تحوّل في وقت مبكر إلى منتدى للناشطين . وكان عامل جذب لمعارضي الأسد , فأمت سراقب شخصيات متنوعة بهرتهم ثورة هزّت كيان الأسد .
هل أتحدث عن معسكرات الأسد المحيطة بسراقب , لن ينس الأسد وشبيحته , هتافات سراقب المنادية بإسقاط طغيانه واستبداده , والمطالبة بالحرية والكرامة , فصاعد المجرمون من همجيتهم , واستمروا في اذلال الناس والتنكيل بهم بمختلف أشكال القمع , مما دفع أهالي سراقب لرفع مستوى الرد ضده , فكان المكون العسكري للثورة , ونشأ اضطرارا وبإمكانيات بسيطة , وبهدف حماية الأهالي والمحافظة على المظاهرات السلمية . ومع استشراس نظام الأسد , تحول عسكر الثورة من مرحلة الدفاع إلى مهاجمة المراكز الأمنية والعسكرية التي تطوق سراقب من كافة جهاتها وكان أقذرها معسكر ( معمل الزيت ) الذي يعتبر ( هولوكست الموت ) , وظلّ أهالي سراقب يدفعون آلة القتل عنهم حتى تحررت مدينتهم . بعد أن دفعت ثمن ذلك التحرير مئات الشهداء .
هل أتحدث لكم قليلا كي تضحكون , بالأمس نشرت وسائل التواصل الاجتماعي مقطع فيديو ظهر فيه شبيح , يقول في معرض حديثه ( الجمعة القادمة سنرفع علم نظام الأسد في سراقب ) , تزامن حديثه في الوقت الذي كان يترنح فيه معسكر معمل القرميد الواقع إلى الغرب قليلا من سراقب تحت ضربات جيش الفتح ومنهم جبهة ثوار سراقب .
ولطالما كانت سراقب منارة على طريق الحرية , كما كانت من قبل مفترقا في طرق الحضارة , وجاءت وسائل إعلام الثورة ( زيتون , راديو ألوان , زيتونة للاطفال ) وغيرها من المنابر الإعلامية في سراقب , صلة رحم بين جديد الثورة وعراقة التاريخ , لتضيف نفسها على تاريخ مكتظ بحوادثة , وهي ترسم طريقا مستقيما لأجل بناء ثقافة حرّة مستقلة عن نظام الأسد وأبواقه المعلنة والمستترة .
هل أتحدث لكم عن أهمية سراقب الاستراتيجية , ستعرفون ذلك من خلال احصائية مستعجلة , لقد بلغت طلعات طيران نظام الأسد والإغارة على سراقب أكثر من ألف غارة جوية , وهدم مئات البيوت والمساجد والمدارس , وطيران الليل لا يفارق سمائها , وقذائف معسكري القرميد والمسطومة لا تتوقف عن إطلاق حممها. لكن رغم الغبطة والفرح اللذين غمرا كل خلجة في قلبي , لابد من تسجيل ملاحظات برسم الجهات الأمنية والثورية في سراقب , جحيم الغلاء الذي يجتاح المدينة , والتوزيع العادل في الإغاثة , وفوضى السير ورعونة بعض السائقين عند مجيء المروحية , ضد مسلسل سرقة السيارات واختطاف المواطنين في محيط سراقب , ضد بعض التجاوزات التي ضاق المواطنون ذرعا فيها , ضد تجاوزات المجلس المحلي ولكن .. ولكن رغم كل هذه الشوائب الطارئة , فسراقب بألف خير ..
سأتحدث لكم أخيرا , بأن شعور الخوف قد ولّى منذ أربع سنين , حتى القصف العشوائي لم يعد يرعب الأهالي , فشعور جميع المواطنين واحد . مع تساقط مراكز الأسد العسكرية في القرميد والمسطومة , فليالي الآلام قد ولّت إلى غير رجعة , وانتصرت سراقب على آلامها , وهذا هو الانتصار , فسلام على سراقب , وألف سلام على أهلها الأشاوس .



تنويه : ماينشر على صفحة كتاباتكم تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع