أخبار عاجلة
الرئيسية » تاريخ وتراث » د. محمد أحمد الزعبي : الذاتي والموضوعي في الخلاف بين علي ومعاوية

د. محمد أحمد الزعبي : الذاتي والموضوعي في الخلاف بين علي ومعاوية

06.05.2015
بداية لابد من وضع القارئ الكريم في صورة فهمنا الخاص لمفهومي الذاتي والموضوعي ، من حيث أن الذاتي يشير إلى الخيار الحر المتعلق بإرادة الإنسان ، قبولاً أو رفضاً ، في حين أن الموضوعي يشير إلى العوامل غير الخاضعة لإرادة الإنسان .فعندما ظهر الإسلام في الجزيرة العربية في النصف الأول من القرن السابع الميلادي ، كان الصحابة مثلاً، جزءاً من المجتمع الجاهلي السابق على الإسلام . وهو أمر موضوعي خارج عن إرادة هؤلاء الصحابة . ومن المعروف أن عم النبي ( أبو طالب ) والذي تربى الرسول في كنفه ، بل والذي حماه من محاولات قريش ثنيه عن إسلامه ، لم يسلم( بضم الياء ) خلال حياة الرسول ، ومعروف أن الرسول ( ص ) ظل يرجو عمه أبا طالب وهو على فراش الموت أن يعلن إسلامه ( قلها ياعمّاه ) ، ولكن أبا طالب اعتذر عن تلبية طلب ابن أخيه ، لأنه سيصبح حينها غير قادر على حمايته من أعيان قريش .

إن تعاليم الدين الجديد ، قد أزاحت عملياً الواقع الموضوعي القديم ( العصر الجاهلي ) ، وأحلّت محلّه واقعاً موضوعياً جديداً ( العصر الإسلامي ) ، ولكن هذه الإزاحة لم تكن ـ بطبيعة الحال ـ لاكاملة ولا مطلقة ، وهو ماظهر لاحقاً في الصراع بين جناحي قبيلة قريش : الهاشمي والأموي ، أولاد وأحفاد الجد الواحد (عبد مناف ) .
لقد كان الصراع بين الإمام علي بن أبي طالب ( رضي ) ، ومعاوية بن أبي سفيان ، ـ في تقديرنا ـ صراعاً قبلياً تعود جذوره الاجتماعية إلى عصر ماقبل الإسلام ( العصر الجاهلي ) ، حيث كان الإنقسام وبالتالي الصراع القبلي هو سيد الموقف . ( ألا لايجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا ) . ولقد جاءت مبادئ وتعاليم الإسلام ، سواء من خلال القرآن الكريم ، أو من خلال الحديث الشريف ، أو من خلال سلوك الرسول نفسه ، نقيضاً موضوعياً جديداً لهذه القبلية .( ياأيها الناس أنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوب وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم ، الحجرات 13) . هذا وقد شهدت فترة الخلفاء الراشدين الأربعة بعد وفاة الرسول ، غلبة تعاليم الدين الجديد ( العامل الذاتي / العامل الموضوعي الجديد ) في سلوك المسلمين على العادات والأعراف القبلية الجاهلية ( العامل الموضوعي القديم )، بيد أن هذه القبلية ، سرعان ماأطلت برأسها بعد مقتل عثمان ، وأخذت تزاحم الدين الجديد ولكن كانت هذه المرّة ، تحمل بإحدى يديها سيف التعصب القبلي، وبالأخرى القرآن والسنة .

إن سماح الأمويين بشتم الإمام علي (رضي)(الخليفة الرابع) من على منابر المساجد إبان حكمهم ، إنما كان موقفا قبليا و جاهلياً صرفا ، وكان مرفوضا دينيا من معظم المسلمين الحقيقيين ، بمن فيهم الهاشميين والأمويين ( أبناء العمومة ) على حد سواء ، لأن شتم الإمام علي من قبل بعض الأمويين ، كان ينطوي عملياً على بعد ارتدادي عن ثوابت ومبادئ الدين الجديد ، وبالتالي عودة إلى جاهلية ماقبل الإسلام . ومعروف كيف أن الرسول نفسه قال لأبي ذرالغفاري ذات مره وهو الصحابي الجليل المعروف ، عندما نال من أم أحد الأشخاص ، وكانت أعجمية ، بقوله له ” ياأبا ذر إنك امرؤ فيك جاهلية ” .
إذا كانت الإساءة للإمام علي ( رضي ) مرفوضة دينيا ( إسلاميا ) ، فإن التنكر لخلافة إبي بكر وعمر والطعن بأخلاق السيدة عائشة أم المؤمنين ، إنما هو أيضاً مرفوض ليس فقط دينيا ، وإنما أيضاً قوميا ، ذلك أن هذا الموقف السلبي من أول خليفتين للرسول قد جاء بداية ونهاية ووسطاً على لسان شيعة الفرس ، وليس على لسان الشيعة العرب ، بمن فيهم الإمام علي نفسه ، لابل جاء ( التنكر لخلافة أبي بكر وعمر )وهو يحمل في طياته جرثومة الشعوبية ( كره العرب ) ، والتي تحولت هذه الأيام إلى مانراه من الطائفية البغيضة ، بداية على يد بني بويه،في القرن العاشر والحادي عشر ، ووسطاً على يد الدولة الصفوية في القرنين السادس عشر والسابع عشر، ونهاية على يد آية الله الخميني في القرن العشرين ، والذي يقاتل شيعته هذه الأيام ( ماي ٢٠١٥ ) في بغداد ودمشق وصنعاء ، دفاعاً عن مراقد أئمة آل البيت (!!) ذلك أنهم عرفوا فقط في القرن الواحد والعشرين أن الإمام علي نفسه ( رضي )، وزينب والحسن الحسين والحسن العسكري والإمام الغائب إنما هم مسلمون عرب هاشميون ومدفونون في المدينة و دمشق والكوفة والنجف وسامراء ، أي في أرض العرب ، أرض آبائهم وأجدادهم ، وليس في أي مكان آخر . أي أن مراقدهم هي في رعاية وحماية أهلهم وذويهم منذ أن توافاهم الله ( أو غيبهم ) وإلى يومنا هذا
لقد مثل المذهب الزيدي ، الجسر الإسلامي المتين الذي ربط بين خلافة أبو بكر ، وعمر وعلي بن أبي طالب ، رضي الله عنهم جميعا ، وما محاولة الحوثيين المشبوهة التي نراها هذه الأيام في اليمن ، سوى نوع من الإرتداد الإسلامي ( عن الزيدية ) والقومي (عن القومية العربية)،وهي بالتالي استجابة طائفية مدانة لشعار” تصدير الثورة ” (عمليا تصدير ولاية الفقيه) ،الذي نادى به الإمام الخميني إلى الأقطار العربية،سواء القريبة من إيران كالعراق ، أو البعيدة عنها كاليمن وسوريا ولبنان . لقد أدرك الشعب اليمني ، بشوافعه وزيدييه ، أبعاد هذه اللعبة الطائفية ، ولذلك فقد وقف بكل مكوناته الإجتماعية والدينية والسياسية ضدها ، وبات فشلها المحتم قاب قوسين أو أدنى . تماماَ كما هي حال نظام بشار الأسد ( حوثيي سوريا ) ، الذي بدأت تلوح في الأفق بواكير انهياره .

إن ما تعاني منه المنطقة العربية هذه الأيام ، ولا سيما في العراق وسورية واليمن ، إن هو – واقع الحال – إلا من مفرزات ذلك الماضي ، بما له وما عليه ، و الذي أطلت فيه كل من الشعوبية والطائفية برأسيهما ، بعد أن تم دفنهما وتجاوزهما وأصبحا في عداد الماضي . إن جهات متعددة ، داخلية وخارجية ، إسلامية وغير إسلامية ، عربية وغير عربية ، حاولت وتحاول منذ القرن التاسع عشر وحتى هذه الساعة إعادة عقارب الساعة إلى الوراء ، ونبش ذلك الماضي ، وإعادة تفعيله من جديد ، و هنا لا نملك إلا أن نقول لمن أيقظ أو مايزال يحاول إيقاظ هذه الفتنة ( الشعوبية والطائفية ) : ” الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها ” . ويحضرني في إطار إيقاظ هذه الفتنة النائمة ، أن وزارة الدفاع الفرنسية ، وفي تحضيراتها الاستعمارية لاحتلال الجزائر عام ١٨٣٠ ، طلبت من المستشرق الفرنسي سيلفستر دي ساسي أن يترجم لها مقدمة ابن خلدون ، كيما تقف من خلالها على المكونات القبلية والإثنية والدينية للشعب الجزائري ، وبالتالي توظفها في تطبيق سياستها الاستعمارية في الجزائر، وبالذات في إطار سياسة ” فرق تسد ” الاستعمارية المعروفة ، والتي وظفتها وطبقتها فرنسا في سورية ، إبان المرحلة الإنتدابية مابين ١٩٢٠ و ١٩٤٦ ، والتي مازلنا نحصد نتائجها المسمومة حتى اليوم .