أخبار عاجلة
الرئيسية » كتاباتكم » عبد الرزاق كنجو- الأصــنـام والــتـمـاثـيــل والـنـصـب الـتـذكاريــة

عبد الرزاق كنجو- الأصــنـام والــتـمـاثـيــل والـنـصـب الـتـذكاريــة

إنتشرت عبادة الأصنام بين عرب الجّاهلية انطلاقاً من الفراغ الرّوحي في تلك الأوقات  , بعد أن كانوا يتأملون ويحتارون في تفسير مايحيط  بيئتهم الصحراوية الشاسعة , فيراقبون حركات الكواكب في السماء وأشكال وتنوع المخلوقات والنباتات من حولهم .
 يرصدون الشمس والقمر والنجوم كوسيلة للإضاءة والتدفئة , وكذلك يراقبون السحب الماطرة كمصدر لمياه الشرب ولسقاية أعشابهم الرعويّة كمواد أساسية لغذائهم ولغذاء حيواناتهم الأليفة معتمدين على صيد الفرائس وزراعة مايلتقطونه من حبوب وثمار محلية .

لذلك كانوا يتطلعون لأبسط المتغيرات الجوية ويربطونها بتوسّلهم لغيمات متناثرة في السماء  , لعلها تمطرهم بما يبل الرمق , وقد اقترن ذلك باعتقادهم بقدرة خفية تجلب لهم الحظ والخير العميم , فراحوا يربطون ذلك ويقرنونه ( بحجارة ولقى من نوع فريد ونادر معتقدين بأنها تجلب لهم تبدّل الأحوال من سيء الى أفضل ).

كانوا كلما وجدوا حجراً مميّزاً في لونه أو في  شكله يحتفظون به , ويتباهون به بين أقرانهم ومجتمعاتهم  ,  بل ويضعونه في مكان ظاهر ــ عندما يقومون ببناء بيوتهم البسيطة ــ  في واجهة البناء أو فوق باب الدخول , كوسيلة تزيينية . وأصبحت فيما بعد رمزاً لمباركة البيت واستدرار الخير , وكحِرزٍ للساكنين فيه وللزوار والضيوف .

انتشرت المزارات و( الكعبات ) في جزيرة العرب لدى معظم القبائل , وأصبحت لكل قبيلة كعبتها كمكان مميّز لها عن سواها , ويقوم على خدمتها وحمايتها سِـدنّة مخصوصون لرعايتها كرمزٍ أو كمضافةٍ  لهم .
 ومثل ذلك كانت هنالك في بلاد فارس  ” بيوت للنار ” لذات المكانة والهدف .

تروي كتب التاريخ انه كانت اكثر من 20 كعبة منتشرة في أصقاع الجزيرة العربية وكانوا يحجّون اليها ويعتمرون , ويلبّون بنفس التلبية الاسلامية فيما بعد ويطوفون ويتمسحّون بالحجر الاسود أو ماشابهه , للمباركة او لطلب الاستشفاء من مرض او لإبعاد عين الحسّاد  ومسّ الجّان عنهم وعن ذريّاتهم .

كل ذلك كان قبل الدعوة والرسالة الاسلامية التي حررت العقول وأنارت الطريق لوحدانية الله الخالق لكل الأشياء .
قال تعالى :
 }وَقَالُواْ لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلاَ تَذَرُنَّ وَدّاً وَلاَ سُوَاعاً وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً { . صدق الله العظيم . الآية 23 من سورة نوح .
وتفسيرها في صحيح البخاري كما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : 
” هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح , فلما هلكوا أوحى الشيطان الى قومهم أن انصبوا الى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصاباً وسمّوها بأسمائهم , ففعلوا .. فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك “. 
( فهذا هو سبب الشرك في الناس وهذه بدايته فلم تكن تلك التماثيل تعبد أبداً بل كانت للذكرى والتذكّر , لكن لمّا تُركت , جاء في المستقبل من يعبدها ــ عن جهل ــ ).

   مع مرور الزمن  وتطور الحضارات وكثرة الحروب , بدأ القادة يخلّدون فترة حكمهم وانتصاراتهم برموز معمارية سامقة  تبقى من بعدهم للأجيال القادمة كرمز فخرٍ  واعتزاز بفترة توليهم وقيادتهم لشعوبهم , كما في أهرامات مصر أو بمدينة  البتراء الاردنية ..   وكذلك في حاضرة تدمر بالبادية السورية … وغيرها الكثير.
 
 وهذا ما أُطلق عليه في علم الآثار , كنصبٍ تذكاريةٍ لحضاراتٍ قديمةٍ  بقيت خالدة الى وقتنا الراهن , وكدليل أبدي على عظمة تلك المراحل وحضاراتها الباهرة .

أما في العصور الحديثة فلقد أراد بعض القادة والحكام تقليد التراث القديم ــ حسب الإمكان ــ كأثرٍ وتذكارٍ لفترة حكمهم وتخليداً ” لإنجازاتهم ” فراحوا يوصون بإقامة التماثيل والنصب التذكارية  لهم  ولمنجزاتهم الحضارية . منطلقين من رغبة الإنسان في التذوّق والإنبهار من الأشكال الجميلة التي يصيغها ويصنعها ــ بالعادة ــ أناس موهوبون يتمتعون بالذوق والإحساس الفني والمعماري , وهذا ماأصبحنا نشاهده في الساحات والحدائق وأمام المنشئات الاقتصادية الكبرى .

 وقد تابع هذه العادات ونَشَرَها   القادة الاوربيون في عصور النهضة  أكثر من مناطقنا التي تأثرت بتحريم الإسلام لتشخيص التماثيل البشرية مهما كان نوعها منطلقة من تقديس الفرد وتأليهه   وبغضّ النظر عن صفته ومقدرته وإنجازاته العظيمة . 

 

1

ولما كان الانسان بفطرته يبحث عن الجّمال ويسعى لنشره أمام الذائقة والمشاهدين من الجمهور فقد لجأ الفنانون المبدعون الى إقامة نُصُبٍ تزييـنيّـةٍ رامزةٍ وهادفةٍ الى نفس الأهداف التي كانت تقام من أجلها التماثيل التشخيصية , ولكن بشكل ابداعي متطور وبطرقٍ  تحويرية   تجعل المتـلقّـي يستمتع بالمشهد ويضيف عليه إسقاطات ومعانٍ إضافيّهٍ , تنبع وتتمازج بين فكره هو من جهةٍ , وبين ماقد أشاده الفنان المصمّـم والمنفذ للعمل الفنّي . 
إنّ بحثي المختصر هذا..  إنّما أقدّمه كتوضيحٍ مبسّط  , للمقارنةِ ولشرحِ
 الفروق بين الأصنام والتماثيل والنّصب التّـذكارية . خاصة بعدما
 تعرّضت تماثيل بعض رموز أمتنا وبلادنا لإعتداءات جاهلة بمعناها والهدف من إقامتها .
 علماً بأنها لم تكن للعبادة أو التقديس في أي وقت مضى … ولنا في تماثيل شاعر العرب أبي العلاء المعري وبطل الاستقلال السوري ابراهيم هنانو اكبر مثال .

 

 



تنويه : ماينشر على صفحة كتاباتكم تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع