أخبار عاجلة
الرئيسية » تقارير » طفولة مبعثرة… أجيال تتخلى عن العِلم لصالح البقاء

طفولة مبعثرة… أجيال تتخلى عن العِلم لصالح البقاء

 

على طرف الطريق الواصل بين مدخل قرية “كفرسجنة” من جهة الشمال وسوقها الشعبي يجلس “أحمد” (10 سنوات) يحمل قِطعاً من البسكوت وعُلب المناديل الصغيرة، يترجل بصوته الذي يرافق صدى أقدام المارّة ومزامير السيارات، لكنْ ثمة فرقٌ بمثل قاسيون بين بهجة وريعان طفولة أحمد وبين ما يسد الرمق. وحال “أحمد” لا يختلف عن وضع الآلاف من الأطفال في ريف “إدلب” الجنوبي؛ مآسٍ ألقت بظلالها على الطفولة التي أضحت مبعثرة على الأرصفة والطرقات، وتحولت إلى ظاهرة مخيفة تخيّم وتزداد في ظل استمرار الحرب، لتعزف لحناً من ألحان النذير حول مستقبل الأجيال القادمة.

يسخر “أحمد” من الحديث حول عمله ويركز اهتمامه على المجازر التي يرتكبها نظام الأسد متجاهلاً أوضاعه المعيشية، التي لطالما أجبرته على العمل يومياً، ودفعته إلى ترك مقاعد الدراسة. ويروي “يزن” صديق أحمد أن الأخير من عائلة صغيرة نزحت من ريف “حماة” الغربي واستقرت في القرية منذ سنة، حيث تعتمد على مساعدات المنظمات الإغاثية والمجلس المحلي في القرية وبعض الأقارب، ولأحمد أخٌ صغير يبلغ الرابعة، أما الأم فهي ربّة منزل ولديها إجازة في الجغرافية ولم تشفع لها لعدم توفر فرص العمل، فيما كان الأب مقاتلاً في الجيش الحر حيث ذهب منذ سنتين ونصف إلى “دمشق” برفقة مقاتلين من إحدى الكتائب التي تقاتل في ريف دمشق لكنه ذهب ولم يعد.

الانقطاع عن التعليم والتفكك الأسري ونتائج صادمة
يقول “أبو إبراهيم” وهو مدير إحدى مدارس التعليم الأساسي: الحال التعليمية كارثية؛ تصور أنه من بين مئة تلميذ يوجد خمسة عشر طالباً، إضافةً إلى أن عَجْز الوالدين عن تأمين احتياجات الطفل المدرسية أصبح عائقاً آخر، وليس في اليد حيلة؛ حيث أضحت الأوضاع صعبة من حيث ارتفاع تكاليف الحياة بصورة باهظة، وأغلب الشباب المثقف والعامل نزح طلباً للعمل، مما غيَّب الدور المناط بالأسرة وأفرز التفكك الاجتماعي والانحلال الاقتصادي، كل ذلك أسهم في انتشار البطالة والجوع، وعدم القدرة على تحقيق أدنى مستويات الحياة، تزامناً مع انعدام فرص العمل، أضف إلى ذلك حركة النزوح الداخلي لأُسَرْ الريف معظمها، حيث لم تهدأ منذ أربع سنوات نتيجة القصف العشوائي من جانب قوات النظام، كل ذلك أسهم في ارتفاع معدلات الفقر.
المرشدة النفسية “ف- د” تؤكد أن عمالة الأطفال في ظل استمرار الحرب لها دور مؤثر على تطور الطفل العقلي والجسدي والنفسي والاجتماعي، وتختلف من حيث نوع العمل والمسببات، والأهم من ذلك صور الدمار والخراب التي خلقت آثاراً خطيرة في نفسية الطفل؛ من اضطرابات التعلم والتركيز، ومشاكل النطق، والخوف والاكتئاب والصراخ، والتشاؤم والانطواء، والعدوانية، فالحرب الدموية المستعرة طغت على مراحل النمو والنضج كلها، حتى رسوماتهم طغت عليها صور الدبابات والجنود والأبنية المدمرة، وتلك ليست هواجس بل أصبحت ديمومة لا يمكن تغييبها؛ فمشاهد القتل والدمار شريط يتجدد أمام أعينهم كل يوم.

غياب الخدمات الصحية وضعف نشاط المنظمات غير الحكومية
يؤكد “د. خالد أبو عبد الله” الذي يعمل في مشفى “السلام” بمدينة “معرة النعمان” أن كثيراً من الأطفال يعانون من مشاكل فيزيولوجية، من مثل التبول اللاإرادي، وانتشار الحمى التيفية، والتهاب الكبد، ونقص النمو، وسوء التغذية ولاسيما في القرى والبلدات المجاورة للمدينة؛ حيث أُغلقت كثيرٌ من النقاط الطبية والسبب واضح يتمثل في انقطاع الدعم.
وأكدت منظمة الأمم المتحدة للتربية والتعليم والثقافة “اليونيسف” إنّه مع دخول الأزمة السورية عامها الخامس، وصل عدد الأطفال السوريين الذين هم الآن خارج المدرسة في سوريا أكثر من 2.6 مليون طفل، حيث وصلت قدرات الخدمات الاجتماعية الأساسيّة إلى نقطة الانهيار.
أما المنظمات غير الحكومية الداعمة للنقاط الطبية في مدن وبلدات ريف إدلب الجنوبي فلها حضور خجول، إضافةً إلى جمعيات كفالة اليتامى والجمعيات الخيرية.
ولا شك أن المسؤولية تقع على عاتق منظمات المجتمع المدني والمنظمات الإغاثية، والدور المناط بها للتخفيف من هول الكارثة من حيث إنشاء مؤسسات الرعاية الاجتماعية وروضات للأطفال وما شابهه، والدفع بإنشاء مزيد من الجمعيات الأهلية، وتوفير الإمكانيات المناسبة لهذه المؤسسات والجمعيات.

خليل الصبيح | ريف إدلب الجنوبي

 

موقع تمدن