أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات وآراء » بدء الترتيبات لمرحلة ما بعد سقوط الأسد :كونغرس سوري وجيش حر كبير ومنظم وضمانات للأقليات

بدء الترتيبات لمرحلة ما بعد سقوط الأسد :كونغرس سوري وجيش حر كبير ومنظم وضمانات للأقليات

محمد خليفة – الشراع
لمن لا يفهم ميكانيكية حركة الأحداث والتطورات في المنطقة, وينكر وحدة ((الوطن العربي)) ندعوه للتأمل في آلية تطور المشهد الاقليمي منذ ((عاصفة الحزم)) بقيادة المملكة العربية السعودية في نهاية آذار/مارس الماضي وما ولدته من ديناميات متتابعة ومتسارعة على مستوى المنطقة, وخاصة في سورية, بسبب وحدة الظروف الموضوعية بين ما يجري في اليمن وسورية, إذ دعمت روح التحدي في الجنوب العربي روحاً مماثلة في الشام, حفزت ثوارها على المبادرة والهجوم, فشنوا سلسلة هجمات على مواقع النظام وقواته وقوات حلفائه (حوثيي المشرق!) طوال شهر نيسان/ابريل بموازاة معركة اليمن, وكأن ((عاصفة الحزم)) صارت تسير على ساقين وقدمين, لا تستقيم إحداهما من دون الأخرى لكي تحقق نتائجها المطلوبة في صد الغزو الايراني وحماية الأمن القومي العربي.

نيسان/ابريل السوري كان شهر معارك كبرى أسفرت عن انتصارات استراتيجية في شمال وجنوب البلاد ولدت سلسلة نتائج سياسية سريعة ومهمة, فأنعشت حيوية المعارضة ممثلة بالائتلاف الوطني، وأعادت له ما خسره من مكانة على الصعيدين الاقليمي والدولي منذ انهيار مفاوضات جنيف 2 في فبراير/شباط 2014 وخلال مرحلة الركود, كما أنها ولدت مجموعة من التحركات والمبادرات الايجابية على الصعيدين الاقليمي والدولي, وها هي في نهاية الأمر تؤدي لخلق واقع سياسي جديد هو الأول منذ اشتعال الثورة عام 2011 يوازي ما خلقته الانتصارات الميدانية من واقع جديد على الارض .

نقطة البداية في هذه التحركات العسكرية والسياسية كانت وصول القوى المحلية والخارجية الى الاقتناع بأنه إذا لم تتغير موازين القوى على الارض فلا سبيل لتغييرات جدية في المواقف السياسية لأطراف الصراع, وخاصة نظام الأسد. وبعبارة أخرى: إذا لم تتسلح قوات الثورة بأسلحة نوعية لمواجهة قوات النظام وسلاحي الجو والدبابات وإلحاق هزيمة بها فلا أمل في ((إقناع)) الأسد بتقديم تنازلات حقيقية للمعارضة والتجاوب مع المبادرات الاممية. ولذلك عملت الأطراف الاقليمية المساندة للشعب السوري وفي مقدمها السعودية وتركيا وقطر على تجاوز خلافاتها الثانوية والتفاهم على تنسيق جهودها دعماً للثوار والمعارضة بعد أن ضحت بهم إدارة أوباما على مذبح التفاهم مع إيران, وتركتهم فريسة للمذابح الوحشية لقوات الأسد وحلفائه .

وقد أثبت الثوار قدرتهم واستيعابهم للمعطيات الموضوعية التي تتطلبها المرحلة وطبيعة الصراع فوحدوا صفوفهم في جيوش كبيرة نسبياً, وحرروا مناطق واسعة حساسة, وألحقوا خسائر فادحة بالنظام, أقلها هيبة جيشه المنهار, ووضعوه أمام اختبارات لم يواجهها من قبل, لا سيما احتمال انتقال المعارك قريباً الى قلب دمشق وعمق المناطق العلوية في الساحل, واحتمال حصول تدخل عربي – تركي مباشرة, وفرض ((مناطق عازلة)) لحماية المدنيين وتحييد سلاح الطيران بعد أن تم تسليح الثوار بصائد الدبابات صاروخ لاو (BGM-71 TOW) .

تداعيات سياسية متلاحقة :
هذه الانتصارات ولدت تحركات ومبادرات سياسية لا تقل عنها أهمية في الأيام القليلة الأخيرة:
أولاً – إجبار المجتمع الدولي على العودة الى ((مسار جنيف)) والتراجع عن البديلين السابقين, مسار موسكو, ومسار ستيفان دي ميستورا اللاسياسي.

ثانياً – إعادة الاعتبار لدور ((الائتلاف الوطني)) كممثل وحيد للشعب السوري بدعوة رئيسه د. خالد خوجة لإلقاء كلمة أمام مجلس الامن الدولي 29 نيسان/أبريل.

ثالثاً – استقبال د. خوجة أيضاً في واشنطن وإجراء محادثات مع وزير الخارجية الأميركية جون كيري أسفرت عن تجديد الولايات المتحدة لتعهدها بعدم الاعتراف بأي دور للأسد في العملية السياسية.

رابعاً – تحدثت أوساط سورية من الاطراف التي شاركت في منتدى موسكو الأخير فأوضحت أن هذه أوعزت لحليفتها وجارتها كازاخستان لتنظيم لقاء مشابه بين النظام وفصائل المعارضة ودعوة ((الاخوان المسلمين)) إليه, نكاية بالأسد الذي أفشل جهودها لإيجاد نقطة انطلاق نحو حل سياسي منخفض !.

خامساً – فشل عدة محاولات من أطراف اقليمية لإيجاد بديل عن ((الائتلاف)) للالتفاف على موقفه الرافض للأسد.

سادساً – نجاح مبادرة الائتلاف للمرة الاولى في عقد أول لقاء من نوعه لغالبية فصائل الثورة المسلحة مع قيادة الائتلاف في عينتاب (25 أبريل) والوصول الى تفاهم مبدئي بين جناحي الثورة السياسي والعسكري على محددات وطنية ثابتة لا يسمح لأي طرف التفريط بها في أي تسوية أو حوار مع أي طرف إقليمي أو دولي.

لا نذيع أسراراً إذا قلنا أن بازار المشاورات والاتصالات بين العواصم الدولية وأطراف المعارضة السورية كان حتى أسابيع قليلة يحتوي على عروض بخسة تتراوح بين اقتراح روسي – ايراني يقضي بقبول بقاء الاسد في الحكم حتى نهاية فترته الرئاسية, واقتراح مصري يقضي ببقائه لمدة سنتين فقط تجري بعدها انتخابات رئاسية مبكرة, وعدم اشتراط تنحي الأسد سلفاً, وكلا الاقتراحين يعني عملياً إهداء الأسد انتصاراً واعترافاً من المعارضة بهزيمة الثورة, لا سيما وأنهما سيؤديان الى بقائه في السلطة (الى الأبد) لأنه سيعيد إنتاج النظام عبر انتخابات مزورة!

ولتجاوز عقدة ((الائتلاف)) الرافض للاقتراحين تبادلت العواصم فكرة إنشاء هيئة جديدة للمعارضة بحجة توحيد قوى المعارضة في الداخل والخارج في إطار جديد موحد مع إعطاء الأفضلية لمعارضة الداخل (القريبة من النظام).

وكان في البازار أيضاً أفكار للمبعوث الاممي تدعو الى وقف القتال بلا قيد ولا شرط ومباركة ((المصالحات)) التي يفرضها النظام بالقوة على المناطق المحاصرة مقابل إمدادها بالماء والغذاء .
وكان في البازار أفكار تطرح همساً تعيد الحديث عن التقسيم كحل نهائي للأزمة عبرت عنها دعوات لنقل العاصمة الى طرطوس!

أفكار لتجاوز ((الائتلاف))
رفضت المعارضة السورية العروض السابقة وتعاملت معها بهدوء وحزم فرحبت بمشروع توحيد المعارضة ولكن على قاعدة المبادىء والشروط التي تضمنتها وثيقة جنيف 1 وجنيف2, ووثيقة القاهرة 2012 ومحددات الائتلاف الوطني. وهي تعاطت مع المبعوثين الروس ودي ميستورا, ولكنها رفضت مبادرات لا تلتزم بالمرجعيات السابقة, ورفضت المشاركة في منتدى موسكو 1 وموسكو 2. وهي أيضاً تعاملت بإيجابية مع رغبة القاهرة بالتوسط لحل المشكلة السورية وباركت دورها ولكنها تحفظت على الاعتراف بشرعية الاسد, ورفضت كل ما لا ينص صراحة على خروجه من السلطة.

كانت القاهرة قد استضافت في كانون الثاني/ يناير الماضي لقاء تمهيدياً جمع ممثلين عن الائتلاف وهيئة التنسيق ودعمت العمل لعقد مؤتمر سوري عام ينتخب قيادة جديدة تؤول لها شرعية التمثيل بدلاً من الائتلاف وتقوم بمهمة التفاوض مع النظام بشروط أدنى من السابق. وكان يفترض أن ينعقد هذا المؤتمر المقترح في مطلع أيار/ مايو إلا أن الفكرة انتهت الى طريق مسدود, ثم اضطرت القاهرة لتجميد مساعيها بعد التطورات الميدانية في سورية في نيسان/ ابريل الماضي.

وظهرت مبادرة أنضج قادتها الرياض لعقد لقاء سوري وطني يضم ((الائتلاف)) بشكل رئيسي وشخصيات سورية عامة معتدلة يراعى في دعوتها إعطاء حيز أكبر لممثلي الاقليات والطوائف المسيحية والدرزية والعلوية ورجال الدين وشخصيات معتدلة من الداخل والخارج كمعاذ الخطيب.. إلخ.

هذه الفكرة لا تلغي دور الائتلاف ولا تنقص من شرعيته لكنها تسعى لتأسيس ما يمكن تسميته بـ((كونغرس سوري)) يفاوض ويحاور الاطراف الدولية كافة بحيث يلبـي شروط الغرب, بدون تنازل عن الشروط الاساسية, وأهمها تنحي الاسد ونقل السلطة منه ومحاسبة المتورطين في جرائم الابادة والتمسك بالسلم الاهلي ووحدة سورية كدولة ارضاً وشعباً. ومع أن الفكرة ما زالت متداولة وقيد النظر والتشاور فإننا علمنا من مصادر رفيعة في الائتلاف أن الرياض نفسها تميل الآن مع حليفتيها للتريث, لأن (الفكرة) في نظرها ليست ملحة, وأن وجود الائتلاف في صيغته الراهنة كاف حالياً.

قادة ((الائتلاف)) زاروا الرياض والدوحة في الاسبوعين الأخيرين وأجروا ((محادثات على مستوى القمة)) سبقها حوار مع رئيس وزراء تركيا احمد داوود أوغلو. وحسب مصادر عليمة فقد تلقى الائتلاف من الحلفاء الثلاثة تجديداً للتعهدات السابقة بالمساندة على كل المستويات وتطمينات بالعمل على تغيير ميزان القوى العسكرية والسياسية بكل الوسائل, وأكدت العواصم الثلاث انها تنسق جهودها حالياً بشأن سورية وتعمل وفق خطة موحدة لإنهاء محنة الشعب السوري وتغيير النظام, ووضع حد للتدخل الايراني وإقامة مناطق آمنة.

وعلى إثر ذلك زار رئيس الائتلاف خالد خوجة اميركا بدعوة رسمية وأجرى محادثات مع وزير الخارجية كيري تركزت على انتزاع تعهد بألا يكون للأسد دور في مستقبل سورية وألا يكون جزءاً من أي حل سياسي, وقد صرح الوزير بهذا المبدأ في نهاية اللقاء كما حصل خوجة على دعم سياسي لدور الائتلاف ووعد بدعم الثوار المقاتلين بالسلاح والتدريب والمال.

كما تلقى خوجة دعوة للحديث أمام مجلس الامن الدولي (29 نيسان/ ابريل) عن رؤية الائتلاف لأوضاع سورية ومطالبه من المجتمع الدولي, وقد ركز رئيس الائتلاف في كلمته على ضرورة التدخل الفعلي لوقف مجازر الاسد ومحاسبته مع زمرته على جرائمه بدلاً من التفكير بإعادة الشرعية له, وتعهد أن يحمي الثوار السلم الاهلي وعدم السماح بحصول فوضى بعد سقوط الاسد, وكشف عن اجراءات وضعتها الفصائل المسلحة لحماية مؤسسات الدولة وحماية الاقليات واستمرار الحوار والجهود مع اطراف المعارضة كافة لتوحيدها على مبادىء مشتركة بما فيها الفصائل العسكرية الوطنية, ومحاربة الفصائل المتطرفة والغريبة.

أول لقاء بين المعارضين والمقاتلين
وتجدر الاشارة هنا إلى أن أهم ((انجاز)) حققه ((الائتلاف)) في هذه الفترة هو نجاحه في تنظيم وعقد اللقاء التشاوري بين الائتلاف وغالبية الفصائل المقاتلة الرئيسية, وهدفه تحصين موقف المعارضة الوطنية بشقيها تعزيزاً للوحدة الوطنية والاتفاق على مبادىء وقواعد وطنية موحدة لا يجوز لأي طرف الخروج عليها ومخالفتها في أي تسوية أو مبادرة وذلك لتعزيز الجبهة الوطنية في مواجهة بازار المساومات الدولية, ومحاولات دول عديدة لاختراق الصف الوطني باستمالة فصائل وأطراف وتشتيت قواها لتمرير مشاريع ومخططات لا تلبـي المصلحة الوطنية.

اللقاء الفائق الاهمية انعقد يوم 25 نيسان /ابريل في عينتاب وشارك فيه قادة الائتلاف وأهم الكتل فيه, ومن الطرف الآخر حضر عشرات القادة العسكريين الممثلين للغالبية الساحقة من الفصائل المقاتلة في جميع الجبهات من جنوب سورية الى شمالها, وبكل اتجاهاتها السياسية والفكرية, واستمر اللقاء يوماً كاملاً, انتهى الى اتفاق تاريخي على التنسيق والعمل معاً سياسياً وعسكرياً, والاتفاق على محددات أي حل سياسي, وخاصة الرفض القاطع لبقاء الاسد ونظامه وزمرته, وحتمية محاسبة المسؤولين عن الجرائم, ورفض المساس بوحدة الكيان السوري, ورفض أي وجود أجنبـي سواء من داعش والقاعدة أو من المنظمات الشيعية والايرانية, وتغليب الهوية الوطنية وتأجيل أي مشاريع فكرية وسياسية مخالفة للهوية الوطنية الى ما بعد اسقاط النظام.

شكل هذا اللقاء أو ((الانجاز)) ورقة قوية تسلح بها قادة الائتلاف في زياراتهم للعواصم العربية والاجنبية وبمواجهة حملة المشاريع الدولية, والمتذرعين بالخوف من مستقبل سورية بعد سقوط نظام الاسد على مصير الاقليات وعلى استقرار البلاد والدولة.. إلخ.

وأكدت مصادر مطلعة لنا أن تنسيق الدول الصديقة للشعب السوري أسفر عن الاتجاه الى توحيد جميع الفصائل العسكرية وصولاً الى الاندماج في جيوش كبيرة, تنسق فيما بينها للقتال بشكل موحد على كافة الجبهات, حيث بلغ بعض الجيوش حالياً أكثر من ثلاثين ألف مقاتل, وأقلها عشرة آلاف. وهناك اتجاه وسعي حثيث للوصول الى وحدة عسكرية شاملة في جيش واحد يكون بديلاً لجيش النظام, ويضمن وحدة البلاد ومنع الفوضى, إن لم يكن تنظيمياً, فعلى الاقل على مستوى إدارة الصراع مع قوات النظام وقوات حلفائه الايرانيين.

وهناك مؤشر آخر لا يقل أهمية عن السابق هو عدم تأجيل التصدي لقوات المنظمات المتطرفة كداعش والقاعدة والنصرة, والاتجاه للقضاء عليها والتخلص منها نظراً لدورها التخريبـي في المناطق المحررة.

علّـق مصدر من قادة المعارضة على هذه التطورات قائلاً: إن قوى الثورة السورية بلغت سن النضج, وهي تتهيأ للتحول الى قيادة الدولة قريباً, وتتصرف بوعي تام بمتطلبات المرحلة الجديدة, مرحلة سقوط النظام, وإدارة البلاد ومؤسساتها وإثبات جدارتها كنخبة سياسية مسؤولة وكفوءة, لكي لا يتكرر في دمشق سيناريو بغداد بعد سقوط نظام صدام حسين عام 2003, ولا سيناريو كابول بعد سقوط النظام الشيوعي عام 1989 الذي أدخل افغانستان في طور جديد من الحرب الاهلية لم يتوقف عملياً حتى اليوم!



تنويه : ماينشر على صفحة مقالات وآراء تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع