أخبار عاجلة
الرئيسية » كتاباتكم » فاطمة ياسين : اشتريت كتاب مصطفى طلاس “” مرآة حياتي ” وأنا ارتجف خوفا من القبض علي

فاطمة ياسين : اشتريت كتاب مصطفى طلاس “” مرآة حياتي ” وأنا ارتجف خوفا من القبض علي

تحت جسر الثورة يقف رجل أمن طويل أسمر، أصلع الرأس، في الثلاثينات من عمره، يرتدي بنطالاً رمادياً وقميصاً أسود، نادراً ما يبدلهما، فيبدو كأنه بائع كتب خاصة عندما ترى أمام قدميه شرشفاً، كان أبيض في يوم ما، تثبته إلى الأرض بضعة أكوام من كتب وضِعَتْ على زواياه الأربع وتجمع بعضها في منتصفه.
الرجل الذي كان من الدائرة المصغرة لصنع القرار في سوريا والذي يقال إنه وقَّع ألوف أوامر الإعدام في حق المواطنين السوريين في مدن حماه وحمص وحلب في الثمانينات من القرن العشرين، هو الذي صاغ مذكرات مصطفى طلاس، أو على الأقل هو من أوعز إلى أحد الكتَّاب بصوغها في كتاب يحمل عنوان “مرآة حياتي”. كنت أود قراءته لما سمعت عما فيه من معلومات مشوقة. لكن اقتناء الكتاب الصادر عن “دار طلاس”، التي يملكها الرجل، أو السؤال عنه، ليس أمراً محمود العواقب في “سوريا الأسد”. كنت أعمل في شركة هندسية في شارع الثورة تعود ملكيتها إلى رجل من سكان قرية يبرود في ريف دمشق، يمر كل يوم بـ”بائع الكتب” ويعطيه بعض السجائر وأحيانا يطلب منه البائع مالاً على سبيل الدَين فلا يتردد مديري. هذا الأمر جعل للمدير ولشركتنا حظوة لدى رجل الأمن وهذا ما شجعني على التفكير في شراء الكتاب منه. اقتربت من بسطة الكتب وألقيت نظرة سريعة واثقة أنها لن تجد ما تريد، ومن ثم دنوت من البائع قليلاً، ورفعت قدميَّ على رؤوس أصابعهما حتى وصلت قرب إحدى أذنيه وقلت له بصوت خفيض إني أريد مذكرات مصطفى طلاس. اعتقدت حينها أنني أقوم بمغامرة خطيرة وانتابني الشعور ذاته الذي كنت أشعر به في مدينة الألعاب الوحيدة الموجودة في دمشق عندما أقرر أن أذهب مع أصدقائي اللحوحين وأركب آلة غريبة الشكل تتألف من عمودين طويلين معلّق في نهايتَي كل عمود صندوق مفتوح ينحشر الناس في داخله تدعى “لعبة المقص”. المهم قلت له اسم الكتاب وأنزلت قدمي ورجعت خطوة إلى الوراء منتظرةً رد فعله، فابتسم الرجل ذو الشفتين الغليظتين ابتسامة ذات معنى وقال: تكرمي يا آنسة. بحاول دبّرلك ياه هالأسبوع. فتحت عيني على اتساعهما والسعادة تملأ قلبي ثم أشحت سريعاً بنظري عن وجهه الأسمر ووجهت رأسي مجدداً إلى الشرشف والكتب. تناولت كتاب “نسيان com” خَطَّت الكاتبة على الصفحة الأولى منه ملاحظة “يحظر بيع هذا الكتاب للرجال”، فقررت سريعاً شراءه مع أنني فهمت أن هذه العبارة هي خطَّة تسويقية محترفة تشجع الرجال والنساء، على السواء، لشرائه ودفع ثمنه برضى. دفعت ثمن الكتاب نحو ثلاثمئة ليرة ومضيت وأنا أفكر في ما سأحصل عليه من معلومات مهمة عندما أتسلم كتاب المذكرات الخطير. بعد أربعة أيام وبينما أنا جالسة في المكتب خلف جهاز الحاسوب الخاص بي فوجئت ببائع الكتب يأتي والابتسامة تملأ محياه: – صباح الخير.
– أهلا وسهلا صباح الخيرات.
أخرج كتاباً متوسط الحجم من قميصه وُضِعَ على كرتونة سميكة تجمع أوراقه صورة للعماد مصطفى طلاس عندما كان في الخمسينات من العمر وتحته بالخط العريض وبلون قريب إلى الأحمر مكتوب عنوان “مرآة حياتي”. كان ثمن الكتاب بخساً وأوراقه قديمة وصفراء، وفهمت في ما بعد أن لهذا الكتاب أجزاءً تالية. أعطيت الرجل ضعف الثمن المطلوب ووضعت الكتاب سريعا في درج المكتب وأنا أشكره مع غمزة وابتسامة امتنان. عدت إلى البيت مبكرة في ذلك اليوم وفقدتُ ليلةً كاملةً في قراءته، ذهبتُ بعدها إلى العمل في اليوم التالي مضطربة بلا نوم وغاضبة لأنني اكتشفتُ سخافة ما أقدمتُ عليه من مخاطرة لم يكن لها أي مبرر. أذكر أنني في ذلك النهار تشاجرتُ مع زميلي في العمل وسكبتُ القهوة على مكتبي وقميصي، ذلك كله حتى أقرأ بضعة مبالغات عن رجال عظماء لا يشبهون أحداً منذ نعومة أظفارهم، تغلب عليهم صفات الذكاء والمبادرة والقوة بشكل منقطع النظير، بالإضافة طبعاً إلى ما يتمتعون به من قدرة على التنبؤ واستشرافِ حوادث مهمة حدثت فعلاً في ما بعد. يوصلك الكتاب إلى فكرة تفيد بأن هؤلاء القادة، ورغم كل الصعاب والتحديات، قادوا سوريا إلى أفضل ما كان ممكناً. بالطبع، لم ينسَ العماد طلاس إضافة بعض فصول تحوي اتهامات مبطنة لأعداء النظام السوري في كل من لبنان ومصر والعراق. في النهاية لم أفهم سبباً لمنع تداول الكتاب في المكتبات وعلى البسطات! قررتُ بعد سهرة القراءة تلك والنهار المضطرب ذاك، أنني من اليوم فصاعداً سأسلك الطريق الشرقي الطويل من بيتي إلى المكتب! يبقى اجتياز مقاهي ساروجة وشارع البحصة سيراً على الأقدام، بكل ما فيهما من مقاعد مكسرة ودخان وبسطات أقراص “دي في دي”، أفضل من المرور بجانب رجل الأمن النذل وكتبه الصفراء

 

فاطمة ياسين

المصدر : النهار

 

 



تنويه : ماينشر على صفحة كتاباتكم تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع