أخبار عاجلة
الرئيسية » تقارير » مستقبل مظلم يواجه آلافاً من معوقي الحرب في سوريا

مستقبل مظلم يواجه آلافاً من معوقي الحرب في سوريا

حاول الوقوف للإستقبال, لكنه لم يستطع، نظر إلى قدميه و ضحك، قال: (إعذرني لا أملك ما تملك، أعطني عكازي لإقف, لأنني نسيت ما حل بي)، بهذه الكلمات إستقبلنا “محمد” في دار للإستشفاء على الحدود التركية السورية, التي تحوي عدداً من الشبان بترت أطرافهم خلال سنوات الصراع الأربع في سوريا أثناء زيارة تمدن لتلك الدار).
تبقى الحرب في سوريا شيئاً خارج الوصف و الإحصاء, بعد أن كسّرت كافة الأرقام و الإحصاءات, فبات السوري حقل تجارب لكل أنواع الموت و العذاب, حيث أكدت مؤسسات دولية أن أكثر من 270 ألف إصابة دائمة أحصيت نتيجة الحرب المستمرة والأرقام في تزايد، هذا غير إنعدام الدعم النفسي و المادي لهم جراء تلك الإصابات.
معاناة بعد الألم
لم يتوقع “محمد” -شاب في العشرينات من العمر- أن حاله ستتبدل في يوم من الأيام، ولن يستطيع الوقوف مجدداً بدون عكازتيه, والتي يعتبرهما الصديق العزيز، فقذيفة غادرة غيرت مجرى حياته, نقلته من الإنسان العادي إلى إنسان معاق لا يستطيع الحركة, يقول في حديثه لتمدن: (بعد ان بترت ساقي نتيجة سقوط قذيفة أمامي نقلت بشكل فوري إلى المشفى الميداني والذي لم يكن مجهزاً لاستقبال إصابة مثل إصابتي, فقاموا بعمل الإسعافات اللازمة ونقلي لمشفى آخر في إحدى القرى القريبة منّا في مدينة “الرستن”، و تم بتر ساقي و أخبروني أنه عليّ السفر إلى “تركيا” لتلقي العلاج و تركيب طرف صناعي”.
رحلة العبور من الموت إلى الموت كما وصفها “محمد” قائلاً لتمدن: “الطريق من مدينة “الرستن” إلى “تركيا” أشبه برحلة عبر طريق يحفه الموت من كل جانب, فمجرد السير لمدة 120 كيلو متراً بالنسبة لجريح أو مبتور أحد الأطراف كارثة، و لكن لا حل آخر وقررت السفر, و في طريقنا دخلنا في القرى الموالية لنظام الأسد, ودفعت مبلغاً من المال يقدر بـ 600 دولاراً أمريكياً كي نستطيع العبور، وأكلمنا طريقنا حتى وصلنا باب الهوى, و لم يقم أحد بإدخالنا إلى تركيا إلا بعد ألف واسطة و واسطة”.
مواجهة المصير
ويقول المعاقون نتيجة الحرب في سوريا أنهم يواجهون مصيرهم بجروحهم المتعبة بعد غياب تام للدعم النفسي و المالي, و مع تخلي المؤسسات المحلية و الدولية عن رعايتهم وتقديم المساعدة لهم, وعدم وجود برامج رعاية و تأهيل تساعدهم على الإندماج بالمجتمع.
الشاب عبد الكريم – عنصر منشق انضم للجيش السوري الحر – أحد ضحايا الحرب بترت ساقيه نتيجة إنفجار لغم أرضي زرعته القوات النظامية أثناء محاولة الحر السيطرة على ضاحية الأسد في حلب.
لا يقلق “عبد الكريم” من شيء سوى إخوته الخمسة الذين لم يبقى لهم معيل بعد إصابته، فأمه لقت مصرعها جراء قصف لقوات النظام على منزلهم في حلب، وأبوه فارق الحياة قبل بداية الثورة السورية، فالوضع الجديد لم يكن سهلاً عليه كل ما أراد الحديث، يدعو الله و يتشكره على ما وصل إليه.
يقول “عبد الكريم” في حديثه لتمدن: (الحقيقة كنت بادئ تعرضي للإصابة عانيت كثيراً، لم أتقبل وضعي الجديد، لكنني تأقلمت بعدة مدة و رأيت من هم أسوأ حالاً مني،
و كذلك مساعدة الأصدقاء والأقارب لي و تشجيعهم لي غيّر في نفسي الكثير، صحيح أنني لم أعد كأي إنسان طبيعي، لكنني آمل أن أستطيع الجري مجدداً، ولعب كرة القدم مرة أخرى”.
دعوات و مطالبات
يقلق جميع المعاقين من المستقبل الذي ينتظرهم، فهم غير قادرين على العمل والإندماج في المجتمع بسبب الإصابات التي تعرضوا لها، و يطالبون بتوفير فرص عمل تتناسب مع حالاتهم، أو دور للرعاية لا تجعلهم يتّكلون على أحد، و هم من دفعوا أغلى مايملكون للدفاع عن بلادهم كما يقولون.
يقول “مرهف الزعبي” مدير “دار الرحمة للاستشفاء” بمدينة “الريحانية” التركية لتمدن: “نقدم ما نستطيع لخدمة المصابين بإصابات دائمة حتى يتم تخريجهم بشكل نهائي، لكن بكل صراحة يقلقنا وضعهم المأساوي فهم لا يستطيعون العودة لمدنهم المحاصرة مثلاً، و هنا في تركيا لا يوجد من يؤمن لهم المساعدة، فنطالب من منبركم الحكومة المؤقتة و المؤسسات و المنظمات الطبية العالمية بتوفير الدعم النفسي و المالي للمعاقين, و محاولة تأهيلهم في المجتمع عبر برامج خاصة”.
و بالمطالبات و النداءات لا تنتهي الحرب في سوريا, ففي كل يوم تولد حالة جديدة من الإعاقة و البتر تتوقف معه حياة ذاك الفرد و ربما حياة عائلته أيضاً في وطنٍ لم يبق فيه للموت مكان.

تمدن | عدنان الحسين