أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات وآراء » جمال سليمان عن سوريا الجرح المفتوح ….رسالة إلى العام الجديد

جمال سليمان عن سوريا الجرح المفتوح ….رسالة إلى العام الجديد

 

ها هي سوريا تحترق من شمالها حتى جنوبها. وها هي العصابات المسلحة كما يسمّيها النظام، والثورة كما يسميها خصومه، تقرع أبواب دمشق بيد مضرجة بعدما سيطرت على عدد من المدن الأخرى. وها هي الإحصاءات المرعبة لمن استشهد ولمن فُقد ولمن هو في السجون ولمن هو في مخيمات الهجرة. ها هو الخطاب الطائفي بأعلى وتائره، وها هو السلم الأهلي قد مزقته الصواريخ والأحقاد والغضب والحماقات إرباً. وها هو الجيش السوري قد أنهك وفقد كثيراً من مراكزه وعناصره وعتاده. وها هو المجتمع الدولي يقود إيقاع النظام وإيقاع المعارضة أيضاً، فالشعب السوري اليوم (موالياً ومعارضاً) لا ينتظر ما سيقوله النظام ولا ما ستقوله المعارضة إلا من باب أخذ العلم. بل يرنو لسماع دبيب خطوات اللاعبين الدوليين والإقليميين من الحلفاء و الخصوم، لأن القضية السورية للأسف لم تعد سوريا بل ورقة في ملف إقليمي ودولي.
ها هو الشعب السوري (موالياً ومعارضاً) يعيش أقسى محنة عاشها منذ انهيار الامبراطورية العثمانية، أي منذ قرابة القرن، فهو بلا طعام ولا مأوى ولا دفء ولا أمان. ها هي العدة تعد للانتقام الطائفي. لا يوجد سوري يحب أن يرى هذا ولكنها حقيقة تعبّر عن نفسها بشكل متصاعد. وما زال النظام مصراً على الاستمرار في المعركة من دون قدرة على حسمها ومن دون أمل في ذلك. حتى ولو استطاع، فإنه سيرفع علم النصر أسود على ركام وطن كان.

إن القادة الشجعان لا ينتصرون فقط في المعارك بل ينتصرون أيضاً عندما يرفضون خوض معارك تفاضل بين ذواتهم ومستقبل أوطانهم. لأنهم يتماهون بأوطانهم ولا تتماهى أوطانهم بهم.
النظام فقد مبررات استمراره بادئاً بالخطأ القاتل عندما انتقى من بين كل سيناريوات المواجهة السيناريو الدموي المدعوم بلعب الكروت الدولية والإقليمية والطائفية، متوقعاً أنّ العالم سيقف إلى جانبه بمجرد سماعه للهتاف الحقير الذي يقول «المسيحية الى بيروت والعلوية الى التابوت»، وأنّ الأمهات السوريات سيخرجن للشارع لإعادة أبنائهن المتظاهرين لمجرد سماعهن بضع رشقات رصاص تردي بضعة شبان متظاهرين على اسفلت الشوارع الملتهب. هؤلاء لم يعرفوا أنّ الرصاص الذي فجر تلك الرؤوس المتظاهرة قد فجر أيضاً تسونامي الغضب والقهر المتراكم في القلوب عبر عقود من الفساد والاستبداد و القهر، فبات «الموت ولا المذلة» مقابل «الأسد أو نحرق البلد».
ألم يدرك النظام بأنّ الذين قتلوا في المظاهرات السلمية لهم آباء و أبناء وأخوة وأبناء عمومة سينتقمون لهم وسيمدون في سبيل ذلك أيديهم لمن يضع فيها بندقية ورصاصاً من دون الاهتمام بهوية هذا الشخص أو تلك الجهة؟ النظام يقول إنها المؤامرة، ونقول له بأنه فعل كل ما تحلم به المؤامرة. ها هي سوريا تنزف من كل طرف من أطرافها. وها هي الأقنعة تخفي وجوه آلاف المقاتلين على الأرض السورية الذين نعرف بعضهم ونجهل بعضهم الآخر. بعضهم يقول كلاماً سورياً، والبعض الآخر يقول كلاماً لم نسمعه أو نسمع له يوماً شبيها في بلادنا. كلام سمعناه فقط في نشرات الأخبار يدور في بلاد بعيدة عنّا مكاناً وزماناً. ماذا تريد المؤامرة أكثر مما نحن فيه اليوم؟
لقد مرّ كثير من الوقت. عشرون شهراً من الهدم تحتاج إلى عشرين سنة من البناء، فضلاً عن جراح وآلام ستبقى للتاريخ، وجزء من مناهج الدراسة في مستقبل مأمول، وأحاديث أجيال ستحكي عنّا وعما اقترفته أيدينا. عشرون شهراً من الحسابات الضالة التي أدت إلى وحشية لا أعرف إن كان سيأتي بعدنا مَن سيقوى على قراءتها أو مشاهدتها على مواقع بث الأفلام. أنا واثق بأنه ستنشأ في المستقبل جماعات ضغط سورية تطالب بحذفها لما فيها من عار يكلل جباهنا كسوريين.
لقد مر كثير من الوقت ولم يبق في الزمن إلا برهة، أتمنى أن تتسع لبصيص ضوء يخرجنا من هذه العتمة بأن يعترف النظام بخطئه باختيار الحل الأمني وفشله وعدم قدرته على الخروج بالبلاد والعباد من دوامة العنف التي بدأها، وبأن يترك لغيره من السوريين فرصة التقدم إلى الصفوف الأولى والعبور بالبلاد إلى شط الأمان، وأن يتمتع المجتمع الإقليمي والدولي بحس أخلاقي يمنعه من استغلال صراع الشعب السوري من أجل حريته ودولته المدنية الديموقراطية في معارك نفوذ قد تتوسع بدائرة الكارثة لتصل بنا إلى فجوة سوداء لا قرارات تبتلع وطن الأبجدية الأولى الذي بناه أجدادنا عبر آلاف السنين.
إننا نحلم أن يكون العام الجديد عام عودة الحياة إلى سوريا ثانية. سوريا القادرة بوحدتها وحريتها وديموقراطيتها ومدنيتها على تأمين الحياة الكريمة لأبنائها واستعادة المغتَصب من أرضها.

 

31.12.2012

جمال سليمان



تنويه : ماينشر على صفحة مقالات وآراء تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع