أخبار عاجلة
الرئيسية » شهداء ضحوا لاجلنا » ساهر أبو دعيمس الشهيد الجميل لروحك الرحمة، ولنا العزاء والصبر!

ساهر أبو دعيمس الشهيد الجميل لروحك الرحمة، ولنا العزاء والصبر!

لم أتحدث قبل اليوم عن لحظة تحريري من أيدي الدواعش في كانون الثاني 2014
لا أعلم حقيقية لماذا تأخرت كل هذا الوقت في سرد أحداث تلك الساعات غير المعقولة، ولكن خبراً وصلني منذ أيام جعل الحديث عنها فرض عين!
يوم الخميس 2 – 1 – 2014 مساء، علم بعض السجناء أن شخصين سيتم إعدامهم في تل منس يوم الجمعة بعد الصلاة، وعلمت لاحقاً أن الخبر نفسه كان منتشراً في كفرنبل!
لم يعنِ لي الأمر شيئاً حينها، ففي تلك الظروف تتساوى لديك الحياة والموت!
صباح الجمعة، استيقظنا على أصوات تكبير عالية أطلقها تجمّع كبير من مقاتلي داعش كانوا مجتمعين في بناء المحكمة/السجن، وعلمنا لاحقاً أنهم توجهوا إلى الفوج 46 لتحريره من “الخنازير”!
بعد ساعات قليلة فتح السجان الباب وقال لنا: اليوم بيطلعلكم إبريق شاي، تحلاية تحرير الفوج وقتل كل الخنايز الموجودين فيه!
أغلق الباب، وانخرط بعض المساجين في بكاء مخنوق، لعلمهم أن بعض زملائهم كان من بين “الخنازير” في الفوج!
بعد ساعات قليلة بات الوضع حول المحكمة غير مطمئن، السجان والحرس في حالة ارتباك واضح، والخوف بادٍ عليهم، وأصوات إطلاق نار قريبة.
دخل السجان وسألنا: من منكم مع الجيش الحر؟ كرر السؤال أكثر من مرة قبل أن يغلق الباب وهو يبربر بكلمات غير مفهومة.
بعد قليل دخل السجان مجدداً وطلب منا الانبطاح داخل الزنزانة حتى لا نُصاب نتيجة إطلاق النار، الذي رفض الإفصاح عن سببه ومصدره!
بعد دقائق عاد ليفتح الباب وقد وضع حزامه الناسف حول صدره، وصرخ بنا: طلعوا لبرا واحد واحد، روسكن بالأرض يلي رح يرفع راسه رح قوسه بأرضه!
خرجنا إلى الشارع أمام المحكمة حيث كان في انتظارنا سيارة سوزوكي صغيرة، ودراجات نارية وتكسي فضية وعدد كبير من مسلحي داعش مقنعين جميعاً.
صعدنا في السوزوكي، وصعد معنا شاب مقنع معه بي كي سي، قال لنا: روسكن بالأرض ياحيوانات، يلي رح يرفع راسه أو يحاول الهرب رح اقتلوا فوراً!
تحركنا شرقاً، الدراجات النارية من الأمام ونحن في الوسط والتكسي من الخلف.
في منطقة زاراعية توقف الرتل، تقدّمت الدراجات النارية وعادت سريعاً، كان السائقون خائفين ويرددون عبارات من قبيل: الخنزير أخذ الطريق، الخنزير عامل حاجز، الخنزير جاي باتجاهنا!
توقنا قليلاً قبل أن نعاود التوجه جنوباً في أراض زراعية محروثة حديثاً، وصلنا إلى مزرعة منزوية، كان فيها بعض مسلحي داعش، دفعونا إلى مغارة هناك، أبعادها حوالي 2*2 متر، محفورة حديثاً، كان فيها عبوات ناسفة وبطاريات دبابات وبعض العدد والأدوات.
كان عددنا 15 معتقلاً.
كنا نسمع أصواتهم بوضوح: انشر العبوات، أنت ليش مانك لابس الحزام، وين الصاروخ، الرشاش فوق المبنى مو هون!
حينها تأكدت أن هذه المغارة ستكون نهاية المطاف! وهنا ستنتهي الرحلة!
بعد قليل سمعنا صوت دراجة نارية توقفت قرب المكان أخبرهم صاحبها أن “الخنزير” أخذ المحكمة ولم تنجح العبوات المزروعة فيها بالانفجار به وبرجاله! وأنه يتجه نحونا!
بدأت الحركة تنشط مجدداً، كان واضحاً أنهم ينقلون حاجياتهم من المكان ويستعدون لإخلائه مجدداً.
بعد وقت طويل، هدأت الحركة في الخارج، وباتت أصوات الاشتباكات والانفجارات القريبة سيدة الموقف، فاتفقنا أن نطرق الباب، وإن لم يجبنا أحد، نستخدم الأدوات الموجودة في المغارة للخروج والهرب.
طرق أحد الشبان الباب: فجاء الصوت مفاجئاً وجاعراً: خراس ولاك، إذا بسمع صوتكن رح قوسكم كلياتكم قسماً بالله!
خرسنا، كان ظلام المغارة يفوق كلمة دامس بكثير، قطعه أحياناً ضوء قداحة نجح أحد الأطفال المسجونين معنا باختلاسها من المطبخ أثناء خروجنا!
ومرت ساعات الانتظار ثقيلة ثقيلة…
بعد منتصف الليل قطع مأساتنا صوت سيارة توقفت في المكان، نزل منها شخص تكلم بصوت جهوري مميز مع من بقي بكلام فهمت منه: ياشباب!
كانت كلمة “ياشباب” كافية لأصرخ بالجميع طالباً منهم السكوت، فهذا ليس منهم! لو كان منهم لقال: ياشيخ!
ولكن جدران المغارة بالكاد سمحت لنا أن نسمع: أسرى – حقن دماء – حرب – حرام – مسلمين…
أجاب الطرف الآخر بلهجة حاسمة: ماعنا حدا ياشيخ!
سمعنا صوت إغلاق باب بعنف ودار محرك السيارة مجدداً، فيما يبدو أننا فقدنا الفرصة الأخيرة!
ولكن شاباً من المعرة كان له رأي آخر، قفز فوقنا وراح يطرق الباب كالمجنون، صارخاً ياشيخ ياشيخ ياشيخ!
توقف محرك السيارة، وعاد الصوت الجهوري الإذاعي للحديث مرة أخرى!
مين هدول لكان! افتح باب المغارة!
رح آخد معي خمسة، وبتجي سيارة فان وراي بتاخد البقية وبتطلعوا معاهن وبتلحقونا!
فُتِح باب المغارة، وقال الصوت الجهوري طلعوا أول خمسة!
لم يكد ينهي جملته، إلا وكنت قد قفزت فوق الجميع ومددت يدي ليسحبني أحدهم خارج المغارة، كان أول ماصدفني قناصة ورشاش البي كي سي مصوبين إلى رأسي ببعد لايزيد عن 25 سم وقد أمسك بهما شخصان مقنعان!
أقنادونا إلى السيارة، وصعد بجانبي شاب شعره دون كتفيه وذقنه طويلة إلى صدره، وقد ربط رأسه بشريطة سوداء، والسائق كان هو صاحب الصوت الإذاعي، حليق الذقن، عرفت سابقاً أنه: ساهر أبو دعيمس قائد لواء درع الشمال.
هنا، لايمكن أن تعبر أية أوصاف أو مفردات عن حالتنا النفسية، كنا منهارين تماماً…
تحركت السيارة، فسألني الذي كان بجانبي: من وين أنت؟
قلت: من كفرنبل.
قال: انت الإعلامي؟
قلت نعم.
فضربني على فخذي وشدّ عليه قائلاً: نحن الجيش الحر  ! … نكنا أخت الدولة  !
انفجرت بالبكاء كالمجنون، وعبثاً حاول الجميع إسكاتي، بكيت وبكيت وبكيت!
لم أتوقع يوماً أن عبارة “نحن الجيش الحر” ستعني لي الحياة كلها والكرامة كلها والحرية كلها كما فعلت في ذلك اليوم!ساهر أبو دعيمس الشهيد الجميل الذي علمت مؤخراً أنه ارتقى في معارك تحرير مصبيين من عصابة الأسد…. لروحك الرحمة، ولنا العزاء والصبر!