أخبار عاجلة
الرئيسية » حكايات من سوريا » الخوري والحاجز السوري

الخوري والحاجز السوري

1لم يعرف راهب الكنيسة طوال سنة كاملة من أكون؛ في البداية اعتقد أنني مجرد عابر سبيل نحو بلاد اللجوء ليس أكثر، وسمح لي باستئجار غرفة في بناء تابع له وقدم لي ما استطاع من مساعدة.
عندما احضرني للغرفة التي استأجرتها منه وقفت مذهولاً صامتاً والخوف يملأ قلبي من أنه يريد الانتقام مني على شيء لم أفعله، ولكن تعابير وجهه لم توحي إلي إنه يعرف أي شيء عني، وكان اختياره لهذه الغرفة مجرد صدفة لا أكثر.
سأعود بكم أكثر من عشرين عاماً الى الوراء، دخلت إلى هذا الحي برتبة ملازم أول، وطبعا كان الدخول كما هو معروف بطابعه الانتقامي الوحشي؛ فلم يفرق الرصاص بين تابع لهذا الحزب أو ذاك. كانت الأوامر تقتضي أن نشعر ساكني هذا الحي بالذل وأن نعطيهم درساً استمر سنين طويلة عن ماهية الجيش السوري.
لن أدافع عن نفسي كثيراً ولن أخوض في تفاصيل لست بحاجة لقولها لكنني لم أقتل احداً في هذا الحي تحديداً، لكن في نهاية المطاف استقريت على حاجز يقع أمام شباك الغرفة التي استأجرتها من راهب الكنيسة. حيث كنتُ شاهداً على ماحصل عند هذا الحاجز خلال سنوات طويلة؛ فقد شاهدت مختلف أنواع الاذلال تمارس بحق الكبير والصغير وتحديداً في بداية وجوده فعندها كان الحقد يملأ القلوب.

المؤلم في شباك غرفتي إنه يطل على موقع الحاجز مباشرةً، صحيح إنه غير موجود الآن؛ لكنني كنت أراه وحدي دون أي أحد آخر. وكل يوم أشاهد شريط الذكريات التي هربت منها، ومعها شريط ذكريات آخر يمتد لحين وصولي إلى رتبة نقيب وتسريحي بشكل تعسفي بعد خلاف مع رتبة اعلى مني.
كان الراهب يأتي بين الحين والآخر ويجلب معه أغراض متنوعة من المساعدات، وكنت وزوجتي نجلس نحادثه مطولاً، وكنت أتقصد فتح حديث عن الحاجز، إلا إنه كان يتهرب منه بطريقة أو بأخرى، وكان هذا الموضوع يؤلمه حتى إنه في أحد المرات قال لي :” إن عدت إلى الحديث عن الحاجز لن أزورك مرة أخرى”.

ولدي الكبير وأخوه الصغير هما من خرجت بهما من هذه الدنيا، فقد دمر بيتي ومنزلي وتهجرت كما الباقيين نحو لبنان، وقدمنا الى المفوضية على أمل الهجرة لكن دون جواب. لذا فقد قرر ولداي السفر إلى تركيا، وبالتالي التوجه بحراً نحو أوروبا، وطلب اللجوء ومن ثم لم الشمل. وبالفعل هذا ما حصل وقد وصلا الى ألمانيا وأُرسلا إلينا أوراق لمّ الشمل كي نستكمل أوراقنا لدى السفارة الالمانية.
بدأت بتحضير أرواق اللجوء ولم يقبل الراهب إلا وأن يوصلني في كل مرة الى السفارة الألمانية، ويعود معي كي لا أقطع مسافة طويلة وحدي؛ فأنا وهو متقاربين في العمر وقد قدر كبر سني وعذاب الطريق.
في الطريق قال لي : “اعتذر أنني في أحد المرات أجبتك بطريقة فظة عندما سألتني عن الحاجز، لكنك سوري وتعلم حجم المأساة التي سببها جيشكم حين دخل لبنان. يا صديقي هذه الغرفة التي تسكن بها لم أجلس بها من سنوات طويلة حتى قدومك أنت وسكنك بها. فقد قتل بها أخي الكبير عندما كان يقاوم تقدم قواتكم التي ساندتها أحزاب يسارية، وسقط صريعاً بدمائه في تلك الغرفة. وبعدها بفترة ليست ببعيدة أًطلق نار من هذا الحاجز اللعين على أقارب لي كانوا في هذه الغرفة فقتل ثلاثة منهم، وكانت الحجة أنهم اعتقدوهم مسلحين أرادوا ضرب الحاجز. ولن أحدثك عن قذارته وكيف أذل أغلب الناس ومنهم انا؛ فقد كنت أتعرض للشتائم عليه بشكل متواصل، وفي إحدى المرات أجبرني العقيد على خلع ملابسي، والوقوف ساعة تحت الشمس لأنني لم افتح له صندوق السيارة”.
هو لم يتذكرني رغم ان إحساسي عكس ذلك، لكن وجودي في الغرفة المطلة على الحاجز سببت لي حزناً أكل قلبي وقهراً شديداً، فتلك الأيام كانت من أحقر أيام حياتي التي كنت أهرب منها. واليوم أعادني القدر للوقوف على أطلالها، وليفتح شريط الذاكرة كل الصور القديمة عن جرائم ارتكبت بحق أناس عاديين، لا ذنب لي بها سوى أنني أشاهدها بصمت دون أي قدرة على فعل شيء.
كانت غرفةً كزنزانة انفرادية عشت فيها، أخاف الخروج منها وأخاف حتى النظر من شباك الزنزانة . استمر حبسي بها سنة وأربعة أشهر حتى انتهت أوراق لم الشمل وذهبت الى ألمانيا.
في المطار ودعني الراهب وكان الحزن واضحاً على وجهه، فقد تعودنا السهر يومياً وخصوصاً في الفترة الأخيرة والحديث عما يحدث في البلاد، وعندما عانقني تمنيت أن أقول له مافي قلبي وأن أقص عليه شريط الذاكرة وأعتذر عن شيء لم أفعله، عل الحزن الذي سكن قلبي وأكله يتوقف لكن عبثاً؛ فقد كنت جباناً حينها، والآن أنا جباناً أكثر عندما كتبت هذه الكلمات ولم أفصح عن نفسي.

مالك أبو خير – صوت بيروت انترناشيونال

 



تنويه : ماينشر على صفحة حكايات من سوريا تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع