أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات وآراء » «جبهة النصرة» وحادثة القرية الدرزية في إدلب

«جبهة النصرة» وحادثة القرية الدرزية في إدلب

قتل عشرون مواطنا (وفي رواية أخرى ثلاثة وعشرون) من طائفة الموحدين (الدروز) السوريين في قرية قلب لوزة بمحافظة إدلب بعد خلاف مع عناصر من «جبهة النصرة» الذين قتل ثلاثة منهم. الحدث كما رُوي من عدة مصادر جرى بعد محاولة قيادي تونسي في الجبهة مصادرة منزل في القرية بحجة أن صاحبه موال للنظام ورفض أقرباء أصحاب المنزل ذلك.
الحدث جرى في وقت حرج للغاية بعد أن قامت المعارضة السورية خلال الأيام السابقة بالاستيلاء على موقع كبير للنظام (اللواء 52) متاخم لمحافظة السويداء التي تحتضن الثقل الأساسي للدروز في سوريا، وتبع ذلك الاستيلاء على مطار الثعلة العسكري، وهو مطار يقع ضمن أراضي قرية درزية، ما أثار تساؤلات حول وجهة حركة قوات المعارضة السورية المقبلة، لأن توجههم باتجاه السويداء وبلداتها وقراها سيضع أهل هذه المحافظة المعتدّين باستقلاليتهم، أمام خيارات صعبة.
جرى الحدث بعد فترة قصيرة من لقاء تلفزيوني مع زعيم «جبهة النصرة» أبو محمد الجولاني تحدث فيه عن عودة العلويين إلى الإسلام، كما توازى مع تهديدات خلقتها فصائل محسوبة على تنظيم «الدولة الإسلامية» حاليا لقرى الدروز.
يتمتع الموحدون الدروز في سوريا بوضعية اجتماعية وسياسية ودينية خاصة فهم يشكلون ما يقارب ثلاثة بالمئة فقط من عدد السكّان، وتتوزّع أجزاء من الطائفة في لبنان وفلسطين والأردن، وقد عانوا مثل غيرهم من مواطني سوريا من بطش المركب العسكري الأمني لحزب البعث، ويمكن اعتبار اغتيال اللواء سليم حاطوم إثر عودته من الأردن بعد حرب 1967 نقطة علاّم تاريخية لأنها كشفت مسار خطّ تهشيم الوزن النوعي للدروز في المؤسسة العسكرية السورية، مروراً باضطهادهم سياسياً والتلاعب على خلافاتهم العشائرية والعائلية وصولاً إلى إفقارهم المتقصد وتهميشهم وهو ما أدى إلى هجرة عشرات الآلاف منهم إلى خارج سوريا.
بسبب قلتهم العددية، وتوقياً من انتقام لا يستطيعون تحمّل كلفته الباهظة، ترك الدروز السوريون، بينهم وبين الأسد ونظامه مسافة كافية، فأبقوا على مؤسسات الدولة ورموزها، ولكنهم حافظوا على كينونتهم محاذرين الانخراط في المجزرة الكبرى الجارية رغم تهديدات النظام المستمرة لهم، كما أنهم لم يعادوا المعارضة السورية، فاستضافوا أكثر من 150 ألفا من نازحي درعا وبقية المناطق السورية، وامتنع الآلاف من شبابهم عن الخدمة العسكرية في الجيش النظامي.
أطلق حادث القرية الإدلبية سباق استثمار لأبعاده بين النظام السوري الذي يطرح نفسه للعالم كمدافع عن الأقليات، وبين إسرائيل التي أعرب رئيسها ريئوفين ريفلين للولايات المتحدة عن «قلقه بشأن مصير الأقلية الدرزية» قائلا إنهم «مهددون من قبل متشددين إسلاميين»، وتلاه وزير الأمن نفتالي بينيت مخاطباً «المجتمع الدولي» بالقول: «قفوا معنا واعترفوا بسيادة إسرائيل على مرتفعات الجولان الآن»، وهي مرتفعات سكانها من الدروز السوريين.
وما لبث بعض اللاعبين الصغار أن بادروا في تأجيج الموقف مثل السياسي الدرزي اللبناني وئام وهاب الذي كان أحد متعهدي توريط الدروز السوريين في التسلح للمشاركة في حرب النظام السوري، بينما نبّه الزعيم اللبناني وليد جنبلاط إلى حملة التحريض المنظمة ودورها في إذكاء الفتنة.
لقد أرسلت «النصرة» رسائل سياسية عديدة سابقة للعالم تؤشر فيها إلى ابتدارها طريقا يميّزها عن تاريخ تنظيمها الأم «القاعدة»، فرفعت علم الثورة السورية في الجولان، وعبّرت عن قدرة على تفهم أولويات سياسية أساسية فتحالفت مع منظمات إسلامية أخرى (مقارنة بتنظيم «الدولة الإسلامية» الذي يقضي على أي طرف لا يبايعه أو يواليه تماماً)، لكن ما فعلته في القرية الدرزية، وإبقاءها على بيعتها لتنظيم إرهابي «القاعدة»، يجعلانها خارج الشرعيّة الدولية والإنسانية.
تتحمّل «جبهة النصرة» وزر هذه الجريمة ومفاعيلها السياسية التي فتحت المجال واسعا للاستثمار السياسي والإعلامي لكل من إسرائيل والنظام السوري (وأتباعه اللبنانيين) للتشهير بنضال الشعب السوري ضد نظامه المستبد، وحسابها سيكون مع هذا الشعب.

 

رئيس تحرير صحيفة القدس العربي

رأي القدس



تنويه : ماينشر على صفحة مقالات وآراء تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع