أخبار عاجلة
الرئيسية » حكايات من سوريا » رياض نعسان آغا : حلُمَ بالثورة فقضى عمره في سجن تدمر

رياض نعسان آغا : حلُمَ بالثورة فقضى عمره في سجن تدمر

من أغرب ما سمعت من قصص السجون والمعتقلات ، ما رواه لي أحد الأصدقاء منذ أيام عن قريب له ( اسمه محمود ) كان في مطلع الثمانينات يدرس في جامعة في موسكو ، ويبدو أن هذا الشاب كان يضمر في نفسه كرهاً للنظام والاستبداد بعد أحداث حماه ، ويحلم بيوم تسطع فيه شمس الحرية على سورية.
ذات ليل، رأى محمود في منامه حلماً أبهجه ، رأى نفسه يقود اتقلاباً ضد الظلم وينجح في إنهاء عهد احتكار الحزب والطائفة للسلطة ، ويقطع يد المخابرات التي تقبض على عنق الشعب ، ويعلن عهد الحرية في بلده ، وقد رأى معه في ثورته العارمة نخبة من صحبه وأصدقائه يشاركونه الثورة ، ويخلّصون الشعب من الاضطهاد الذي طال ، وقد أفاق من نومه على صوت هدير المتظاهرين ، فتلفت حوله ليجد نفسه في سريره ، وليدرك أن ما رآه كان مجرد حلم لاسبيل لتحقيقه.
حين طرق زميله نضال عليه باب غرفته ، لم تكن قد غادرته نشوة الحلم بعد ، مما دعاه أن يقص حلمه العجيب على زميله الذي اصغى بانتباه واهتمام ، واحتسى قهوة الصباح مع محمود ومضيا معاً كصديقين حميمين إلى الجامعة .
لم يكن يخطر على بال محمود أن (نضال ) مخبر يتعامل مع أجهزة الأمن متجسساً على صحبه وزملائه الطلاب في موسكو .
لقد سارع نضال إلى كتابة تقرير عن المنام الذي رآه محمود بتفاصيله ، وأرسله إلى الجهة الأمنية التي يتعامل معها .. وجاءه الأمر بعد حين أن يقنع محمود بالعودة إلى سورية في أول عطلة قادمة ، ولم يكن محمود بحاجة إلى إقناع فهو معتاد على زيارة الأهل في فترات العطلة السنوية وفي كل صيف .
وكانت مفاجأة محمود التي أذهلته أنه حين سلم جوازه عند كوة الدخول في مطار دمشق رأى الموظف يتأمل الجواز ، ويناوله لزميل له كي يعرضه على ضابط الأمن الواقف قريباً ، ثم يقول لمحمود ( قف هناك ريثما تأتي الموافقة ) ودهش محمود وقرأت أعماقه المعوذات وهو يدرك خطر ما يحدث ، لكنه لم يقم بأي نشاط سياسي يدعو إلى إيقافه ، بل إنه لم يكن في سورية في فترة أحداث الثمانينات ، وعلى رغم أنها جعلته يكره النظام في سره ، إلا أنه لم يفعل شيئاً ، بل ماذا بوسعه أن يفعل ؟؟ لابد إذن من أن القضية مجرد تشابه أسماء ..
لم يطل انتظاره القلق المضطرب فسرعان ما ظهر رجلان متجهمان يقتربان منه وبيد أحدهما جواز سفره ، قال بصوت جاف ( ممكن تتفضل معنا لحظة ، عندنا كم سؤال لك ) تمتم محمود متلعثماً وقد ارتجفت قدماه ( خير إن شاء الله !! ) واقتيد محمود إلى سيارة المخابرات خارج المطار ، يحيط به الرجلان وسرعان ما وضعا له عصبة على عينيه كيلا يعرف إلى أين يمضي ..
أمضى محمود ثلاثة أيام في قبو مزدحم بالمعتقلين دون أن يغمض له جفن وهو لايكف عن مراجعة تفاصيل شريط حياته لحظة بلحظة ، لعله يتذكر أمراً أخطأ فيه بقول أو تعليق ، لكنه لم يجد ، فقد كان طالباً مجداً ، وتمكن عبر واسطة حزبية ثقيلة أن يؤمن بعثة دراسية إلى موسكو ، وهو مدين للشخص الذي توسط له ، ولم يتفوه قط بكلمة علنية ضد النظام في سورية أو غيرها ، ملتزماً بنصيحة أبيه ( يا ابني الله يرضى عليك ، احكي بكل شي ماعدا السياسة ، ممكن كلة واحدة تقضي على مستقبلك ، كمل دراستك بالتي هي أحسن ، وكن حذراً من زملائك ، لاتثق بأحد ، وحتى وأنت وحدك تذكر أن للجدارن آذاناً ) لكن هواجس محمود واضطرابه في البحث عن سر اعتقاله تبددت حين بدأت أول حفلة تعذيب تسبق التحقيق ..
كان لاينطق بين صراخه وآهاته سوى بكلمة واحدة ( أرجوكم فهموني أنا شو عامل ؟؟) .. ولايأتيه سوى جواب مع لسعات السياط ( ما بتعرف شو عامل ياكلب !! ) ولايجديه أن يقسم وأن يحلف .. فالسياط ترسم ملحمة الظلم العريق على رأسه وظهره وقدميه ..
أخيراً ، أحس باقتراب الفرج حين نودي للتحقيق ، وجلس معصوب العينين قبالة رجل ( لابد أنه ضابط كبير ) وتفاءل بأن يصغي له ويكتشف أن هناك خطأ عبر تشابه الأسماء ، وقد شعر من صوت المحقق الهادىء أنه ألطف من الجلادين ..
بدأ المحقق سؤاله بتمتمة لطيفة ( اللهم اجعله خير .. هات يا محمود احكي لي المنام اللي شفته بتفاصيله .. بدي تشرح لي كيف عملت انقلاب وثورة ضد سيادة القائد وضد الحزب واستلمت الحكم ، ومين كان معك ؟؟) ..
صعق محمود ، فقد ساوره كل شيء في تفاصيل حياته ، لكنه لم يتذكر الحلم ، فهو مجرد منام عابر .. وهل يسأل المرء عن جريمة ارتكبها في حلم عابر ؟؟..
لم ينجح محمود في تبرئة نفسه من حلمه ، فحين أنكر ما حلم به ، راح المحقق يقرأ له تفاصيل حلمه كما رواها لصديقه نضال .. لكن تقرير نضال أغفل أمراً خطيراً يصر المحقق على معرفته ، وهو أسماء من كانوا في الحلم مع نضال ..
ولقد تكررت حفلات التعذيب التي أنهكت جَلَد محمود وصبره ، فاضطر أن يذكر بعض أسماء من رآهم معه في حلمه ، تذكر خمسة منهم وللمفارقة (اللطيفة ) ذكر اسم نضال معهم ..
بعد أيام جاء الأمر بتحويل محمود إلى سجن تدمر ، وفي يومه الأخير في قبو فرع الأمن كان يودع من تعرف إليهم مدركاً أنه سيقضي بقية عمره في أسوأ سجن عرفه التاريخ ، لكنه فوجىء بزوار جدد يقذفون في القبو ، كانوا ثلاثة من الخمسة الذين رآهم في حلمه وكان بينهم نضال الذي بدا منهاراً ، طأطأ محمود رأسه أمام اثنين نظرا إليه نظرة غضب تقدح شرراً وقال أحدهما ( بشو بليتنا يامحمود ؟؟ ) لكن نضال هرع إليه كالمجنون يمسك بتلابيب قميصه ويهزه ( ولك أنت بشو متهمني ؟؟ ) تمتم محمود بصوت جريح ( ما اتهمتك بشيء ، سألوني مين كان معك بالمنام ، اضطريت أكون صادق منشان ما يطلع تقريرك كذب وقلت لهم كان معي نضال ) صرخ أحدالبريئين ( ونحن شو ذنبنا يامحمود ؟ شو علاقتنا بمنامك ؟ ) طأطأ محمود رأسه وعيناه تذرفان دمعاً ساخناً ،، وبقي في سجن تدمر مطأطىء الرأس سنين طويلة ، فقد نسيه المحققون والسجانون ، ونسيه الناس جميعاً عدا غصة في قلب أمه التي راحت تسأل إن كان ابنها ما زال حياً يوم أفرغ سجن تدمر وسلمت المدينة إلى داعش التي هدمت السجن ..
سألت صاحبي : وماذا عن الثلاثة ؟ قال : بقوا في السجن قرابة عشر سنوات ثم أطلق سراحهم .. قلت : وماذا عن نضال ؟ قال :هرب من سورية فور خروجه من السجن ، ربما لخوفه من أن يراه أحد ما مرة ثانية في حلمه ..



تنويه : ماينشر على صفحة حكايات من سوريا تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع