أخبار عاجلة
الرئيسية » حكايات من سوريا » جرجي جبرائيل بيطار مُبتكِر فنّ الموزاييك الدمشقي وخادِم الفقراء 1840 – 1935

جرجي جبرائيل بيطار مُبتكِر فنّ الموزاييك الدمشقي وخادِم الفقراء 1840 – 1935

10تطعيم الخشب أو الموزاييك فن خاص وحرفة مميزة ولدت على يد ابن الحارة الجوانية في حي باب توما بدمشق جرجي جبرائيل بيطار عام 1860

حاول جبرائيل بيطار الأب ان يعلم ابنه جرجي صنعة البيطرة حرفة الأجداد (بيطارباشي)، ولكنه أنِسَ من ابنه ميلاً فطرياً إلى النجارة..فكان يذهب الى سوق النجارين ويبتاع عدد نجارة عتيقة لاصلاح الأبواب والشبابيك. ولما تحقق والده من نجاح ابنه الباهر في تلك الصنعة الجديدة، فتح له قبل سنة 1859 حانوتاً صغيراً في الحارة الجوانية..كتب البيطار في ذكرياته ” إن ميلي للنجارة كان قوياً جداً جداً”

وكان أول عمل يقوم به في التاسعة عشرة من عمره اصلاحات في دير الفرنسيسكان في باب توما وخزانة للدير وباب لاحدى قاعات الدير.

وهكذا اخترع البيطار هذا الفن:

اتفق له أن رأى في باحة الدير شجرة ليمون يابسة، فقطعها وفحص لون قلبها، فوجده أصفر كلون الكهرمان جميل المنظر. ثم نشرها قطعاً صغيرة ونزع قشورها وفصّلها بأقيسة وهيئات مختلفة. وحفر لوحاً من الجوز الغامق اللون ونزّل فيه قطع الليمون فجاءت جميلة الالتئام فصنع من لب الليمون عروقاً وزهوراً بأشكال هندسية دقيقة تشبه التخريم، وكان في بداية عهده يقطع خشب الليمون قطعة قطعة وينزلها بيده في الجوز المحفور وقد توصل إلى اصطناع قوالب من الجوز الصلب حفر فيها هيئات بشكل مسطرة طولها عشر سنتيمترات وسمكها سنتيمتر ونصف سنتيمتر وربع سنتيمتر وبدأ ينشر خشب الليمون أو المشمش الأحمر وينزله في الجوز المحفور ثم ينحته نحتاً محكماً فيضحي بمتانته كأنه مع خشب الجوز شيء واحد.

4

ومن أهم أعماله روائع فنية من الموزاييك باقية حتى اليوم في الكنيسة الكاتدرائية في حارة الزيتون بباب توما وهي منابر في صحن الكاتدرائية وكراسي داخل الكاتدرائية. ناهيك عن أشغاله في بعض البيوت الدمشقية الغنية ذات الهندسة العربية الأصيلة.

لقد هامَ البيطار الشاب بصنعته وانتشرت شهرته في الشام وأصبح محط آمال طالبي العمل فاضطر لتوسيع ميدان شغله وأصبحت صناعته طابعاً خاصاً بمدينة دمشق والقطر السوري كله. وتخطت شهرته بلاد الشام فوصلت إلى أوروبا

اشتغل البيطار صندوقة ذات جوارير أهداها إلى متحف دير المخلص في صيدا

وكذلك مكتبة دير المخلص بدرجها الحلزوني وأروقتها من خشب الجوز المنزّل فيه عروق عام 1883.

وسرعان ما طارت شهرته بعد أن اشتغل لقنصل النمسا بدمشق مكتباً كاملاً عُرِض في معرض فيينا الصناعي سنة 1891

ثم سافر الى باريس حيث اشتغل واجهة كنيسة القديس يوليانوس بطوابقها الأربعة.

وفي عام 1895 استدعاه سعيد باشا والي دمشق وطلب منه هدية نفيسة من الموزاييك للسلطان عبد الحميد بمناسبة المعرض الصناعي في اسطنبول وكلفه بنقلها الى اسطنبول وتألفت الهدية من خمسين قطعة من خزائن ومكاتب وطقم كراسي كامل. وكان لهذه الهدية تقدير عظيم من السلطان فأنعم عليه بوسام المجيدي الخامس وميدالية الافتخار الفضية وهي بمنزلة براءة اختراع الآن، فأضحى “موزايقجي الحضرة الشاهانية”

7

 

بعدها نال الجائزة الأولى في المصوغات الخشبية في معرض مصر سنة 1904 من لجنة الجمعية الزراعية الخديوية.

إلى روما توجه البيطار عام 1908 حاملاً معه الخزانة المهداة إلى البابا بيوس العاشر لتكون أعظم وأجمل هدية في الفاتيكان.

تخرج من مدرسة البيطار عدد كبير من الحرفيين اللذين أبدعوا بهذا الفن الدمشقي الأصيل ففتحوا حوانيت وورش وعلموا ودربوا عشرات الحرفيين في هذه الصناعة الدمشقية وبين العامين 1920 و 1940 بلغ عدد العاملين في هذه الحرفة اكثر من 1000 شخص. وانطلاقاً من عام 1950 أخذت هذه الصناعة بالتطور واستعمل فيها الخشب الملون من الجوز والمشمش والزيتون والليمون والكينا. وباتت منتشرة في المناطق الدمشقية، لها روّادها ومحبّيها وجمعية حرفية تأسست عام 1970 ودخلت الماكينة في ترتيب العمل بدقّة متناهية، وأضحت القطع الموزاييكية تعرض في أجود وأفخر الصالونات.

11

عُرِف عن جرجي بيطار بأنه خادم الفقراء اذ كرس نفسه وحرفته لعمل الخير والاحسان كلما وجد لذلك سبيلاً.

حياته من وجهة نظر مسيحية ادخل الرابط

دور فن الموزاييك في السياحة والتجارة السورية

إنّ محاكاة المادّة الساكنة بفعل روحي خالص وذهني مفتوح على واحة من الجَمال الزخرفي والتشكيل الهندسي، حوار تنطق كلماته وتقول: أنا دمشقية بحقّ. مثلّثات ومربّعات ودوائر ملوّنة وصغيرة الحجم ومنمنمة كوّنت هذه المهنة فنّية الفريدة الإبداع على يد مؤسّسها الذي أصرَّ على خلق الإيحاء الذاتي ودمجـه بالعمل اليدوي والمتعة الحرفية والتقنية بصيغة مركّبة تتداخل فيها العناصر اللونية والصدفية البيضاء والخشب المطعّم والسطوح الملساء المصقولة، ونزهـة إلى عـالم النجوم وتشكيلاته المعقّـدة في مساحات انتظمت فيها الخطوط والأبعاد.

ومن أجمل القطع الموزاييكية طاولة البيزك وهي مركبة من طاولة زهر ورقعة شطرنج ورقعة لعب. وغرف السفرة والصالون والمكاتب، يحملها السياح وخصوصاً الدبلوماسيين منهم إلى بلادهم كتحفة تحمل عبق دمشق وتميزها. فمن فرنسا إلى المكسيك وصولاً للبيت الأبيض، ومن الأردن إلى أنحاء مختلفة من العالم، يحمل السياح والديبلوماسيون خصوصاً، تلك القطع الفنية التي تحمل عبق التراث وعراقة أقدم مدينة في التاريخ. وقد حمل جيمي كارتر رئيس الولايات المتحدة الأميركية الأسبق عدداً من قطع الموازييك الدمشقي إلى البيت الأبيض.

وجاء في الإذاعة السورية العدد 2 أيلول 1953: مهارة يد الصانع الدمشقي خلد بها التحف الفنية التي زينت قصور العالم منذ أقدم العصور. وعلى الرغم من تقدم الصناعة الآلية في العالم الحديث فإن هذا العالم لم يستطع أن يستغني عن ثمرات العبقرية السورية، فاستورد تحف دمشق العربية ليزين قصوره الفاخرة.

ويعد بيت نظام ومكتب عنبر وقصر خالد العظم والسباعي والقوتلي من أشهر البيوت الدمشقية المزينة بهذه المادة على الإطلاق.

تنتشر هذه الحرفة حاليا في باب شرقي كمعمل النعسان وريف دمشق في جوبر وزملكا وجسرين وجرمانا وبيت سحم مستفيدة من توافر الاخشاب المحلية في تلك المناطق ومنها أشجار الحور والمشمش والزيتون والجوز والكينا والسرو والليمون إضافة لخشب الورد المستورد والذي تصنع منه المفروشات الثمينة. وتنتشر محال بيع مصنوعات الموزاييك في الأسواق الشهيرة في دمشق وخصوصاً الحميدية ومدحت باشا وباب شرقي.

إضافةً لذلك يتم تصدير ما قيمته أكثر من 100 مليون ليرة سورية من هذه المنتجات إلى الخارج سنوياً.



تنويه : ماينشر على صفحة حكايات من سوريا تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع