أخبار عاجلة
الرئيسية » تقارير » استدعاء “الراية الهاشمية”.. الدلالة والرسالة؟ / هل هو رسالة موجهة إلى السعودية (للإرث التاريخي من الصراع بين الهاشميين وآل سعود)،

استدعاء “الراية الهاشمية”.. الدلالة والرسالة؟ / هل هو رسالة موجهة إلى السعودية (للإرث التاريخي من الصراع بين الهاشميين وآل سعود)،

في احتفال مشهود حضرته العائلة المالكة وكبار رجال الدولة، في الأردن، سلّم الملك عبدالله الثاني رئيس هيئة الأركان المشتركة الراية الهاشمية، راية الثورة العربية الكبرى، لتضاف إلى الرايات التي يرفعها الجيش العربي (الأردني)، وهو مشهد تعمّد المسؤولون أن يأخذ صدى واسعاً وكبيراً في الإعلام والشارع الأردني والعربي.
وتحوّل الصدى المطلوب، فور رؤية هذا المشهد غير التقليدي، إلى سجالٍ واسع عريض تخللته محاولات للتفسير واستنباط الدلالات والتوضيح من المسؤولين، فيما وقفت شريحة واسعة من الشارع مرتبكة في تحليل الرسالة وأبعادها، والطرف الآخر المقصود بها.
ربما يأتي سبب الارتباك، بدرجة رئيسة، من أنّ خطاب الثورة العربية والموروث التاريخي المرتبط بها بقي ضعيفاً في عهد الملك عبدالله الثاني، بخلاف الملك الراحل الحسين بن طلال. فالملك عبدالله كرّس أغلب أولوياته وجهوده في الموضوع الاقتصادي، والتأكيد على السعي في تحديث الدولة ومؤسساتها وأجهزتها، ما كان يسير باتجاه الانتقال إلى بناء شرعية جديدة تتجاوز الشرعية التاريخية والدينية التي كان يؤكد عليها خطاب الملوك الهاشميين سابقاً.
ما زاد من حجم الارتباك في قراءة الرسالة أنّ الجنود، الذين تسلموها كانوا يقلبون غطاء الرأس (الشماغ)، وهو أمر مرتبط في الأعراف والتقاليد بالاستعداد للحرب، وآخرون يؤكدون أنّه علامة طلب الثأر! ثم جاء خطاب رئيس هيئة الأركان المشتركة، في احتفال آخر حضره الملك بعد أيام قليلة، متوعداً من يحاول المساس بأمن الأردن، ومؤكداً استعداد الدولة رد أي اعتداء، أو حتى ردعه خارج الحدود.
بعض المحللين أبعد النُّجعة في قراءة الدلالات، من ربط ذلك بتوسع الأردن شرقاً وشمالاً، ومن جعل الأمر بمثابة رسالة موجهة إلى السعودية (للإرث التاريخي المعروف من الصراع بين الهاشميين وآل سعود)، نظراً للفتور الملحوظ حالياً في العلاقة بين الدولتين، فيما جهد “مطبخ القرار” من وراء الكواليس في نفي هذه الدلالات والتحليلات، والتأكيد أنّ المقصود هو التأكيد على اعتزاز الهاشميين بموروثهم التاريخي، وشرعيتهم الممتدة إلى الرسول الكريم.
ليست المحاولات الرسمية في التفسير كافية، ولا تروي عطش الأردنيين الذين شعروا أنّ هنالك تحولاً أكبر أو دلالات أعمق مما كشفه المسؤولون، وأنّ هنالك ما بين السطور أو معنى آخر في بطن الشاعر، فلماذا الآن ولمن؟ وما وراء الفكرة أسئلة لم تجب عليها بوضوح الرواية الرسمية المعلنة إلى الآن.

 

ما هو السبب، إذاً، وراء استدعاء الراية الهاشمية وراية الثورة العربية الكبرى ذات اللون القرمزي، والمسكونة بالرموز الدينية والتاريخية والمشحونة بالدلالات التاريخية؟
يكمن الجواب، في ظنّي، في “اللحظة التاريخية” الإقليمية الراهنة، ومرتبط بالجيش الأردني تحديداً؛ فالتحولات التي تحدث في العراق وسورية تخلق تحدياً أمنياً وعسكرياً كبيراً للأردن، مع تمدد تنظيم داعش الذي أصبح يمثل “الشقيقة الكبرى”، أي أكبر الكيانات في المنطقة، وما يحيط بذلك من فوضى أمنية وإقليمية، وصلت إلى الحدود الأردنية، الشرقية والشمالية، التي أصبحت محاصرة بهذه الجماعات، ومخاطر التعامل مع “جيوش غير نظامية” عقائدية عابرة للحدود.
يعزّز من هذا التهديد الجدّي دخول الأردن طرفاً مباشراً وفعّالاً في الحرب على تنظيم داعش، وما تبعه من تطورات أدت إلى استشهاد الطيار الأردني، معاذ الكساسبة، على يد التنظيم بطريقة بشعة، ما يجعل من المواجهة محتملة في المرحلة المقبلة، في حال استمر وتمدد واستكمل السيطرة على الأنبار، وفي ظل الفوضى على الحدود الشمالية مع سورية، ومؤشرات الانهيارات المتتالية في قوة النظام السوري.
المشكلة الجوهرية مع هذا التنظيم والتنظيمات الإسلامية الأخرى الشبيهة، مثل جبهة النصرة في سورية، أنّهم يدّعون بالشرعية الدينية، ويمتلكون مقاتلين أيديولوجيين ومسلّحين بعقيدة قتالية مرتبطة بذلك، وهي الحالة نفسها التي نراها من القوى الصاعدة في المنطقة، مثل حزب الله والحوثيين والفصائل الشيعية الموالية لإيران والفصائل الإسلامية الأخرى في سورية.
في المقابل، هربت الجيوش العربية النظامية التي لا تملك تلك العقائد القتالية والروح القتالية وانهارت بصورة كاريكاتورية مخجلة أمام داعش والفصائل الأخرى، كما حدث بصورة سافرة في سورية والعراق، ما يخلق دافعاً في التفكير بضرورة تعزيز العقيدة القتالية للجيش الأردني، ذات الأبعاد الرمزية والتاريخية والثقافية، وهو ما يمكن الحصول عليه من راية الهاشميين والثورة العربية الكبرى.
في ظل الحرب على الإرهاب التي تأخذ طابعاً عسكرياً وأيديولوجياً وفكرياً، وانخراط الأردن فيها بصورة كبيرة، بل وجعلها الأولوية الرئيسة في السياسة الخارجية ومسألة الأمن الوطني، من الضروري الإمساك بشرعية دينية وتاريخية ورمزية قوية، وتحديداً في الجانب العسكري والأمني، في مجتمع مسلم سنّي، لتوفير العقيدة القتالية، أولاً، ولتحصين القوات المسلحة نفسها من خطر الاختراق الأيديولوجي بدعاوى دينية.
في خلفية المشهد الأردني، تبدو المفارقة اللطيفة اليوم في ظاهرة العودة إلى التاريخ، فداعش أوجدت نظاماً إسلامياً متشدداً، مستنداً إلى تفسيرها للإسلام السني، وإيران تحيي الطائفية الشيعية في المنطقة، وترفع جماعاتها في سورية والعراق الشعارات الدينية المغموسة بالتراث الطائفي؛ الثأر للحسين والدفاع عن المقامات، فيما استعاد الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، التقاليد العثمانية في موسيقى القوات المسلحة، وفي بناء قصره الجديد وفي ثنايا خطابه السياسي!
بالضرورة، تزاوج استدعاء راية الهاشميين والثورة العربية الكبرى مع محاولات الملك تقديم نفسه ممثلاً للخطاب الإسلامي المعتدل في مقابل داعش أمام الغرب، ما سيتطلب جهوداً أخرى على الصعيد المدني والثقافي والسياسي تتناسق مع هذا التوجه، أو توضّحه وتشرحه، وربما تبدو الفجوة هنا بين ماكينة الدولة الثقافية والأيديولوجية الضعيفة والعاجزة والمترهلة من جهة وهذه المعطيات الجديدة في توجهات الدولة من جهة أخرى.

محمد أبو رمان / العربي الجديد