أخبار عاجلة
الرئيسية » تقارير » مصطفى طلاس : ثلاثة أسابيع هزت دمشق

مصطفى طلاس : ثلاثة أسابيع هزت دمشق

ثلاثة أسابيع هزت دمشق

مصطفى طلاس
بداية المفاوضات الطويلة
في أواخر نيسان من العام 1984 بدأ العميد رفعت يشعر بأن ميزان القوى قد مال لصالح شقيقه الرئيس الأسد لدرجة لم تعد تسمح له بالحركة إطلاقاً فاتصل بشقيقه جميل الأسد ليمهّد له المصالحة مع أخيه وأنه جاهز لأي عمل يرتأيه.. وكان الرئيس الأسد ينتظر بفارغ الصبر انهيار رفعت ورضوخه إلى السلطة، ونجح الرئيس في لعبة عض الأصابع، ومن هذا المنطلق أعلم شقيقه جميل بالموافقة على طلب قائد سرايا الدفاع.. وبدأت المفاوضات الصعبة، ومع أن الرئيس الأسد مقيم دولياً وعربياً أنه سيد من أتقن فن هذه اللعبة، ولكن في الطرف الآخر هناك أيضاً سيد من ابتزّ أخيه وغير أخيه وبعد أن وافق على الخروج من سورية ثم العودة عندما تهدأ الأمور بدأ يساوم على المبلغ الذي يحتاج إليه للإقامة عدة شهور خارج البلاد حتى تهدأ العاصفة، ومع أن الأمير عبد الله بن عبد العزيز ولي العهد السعودي وقائد الحرس الوطني كان يدفع له شهرياً خمسة ملايين دولار كما أن الشيخ خليفة آل ثاني لم يقصّر ومثله ياسر عرفات والشيخ سحيم آل ثاني.. إلخ، فقد طلب مبلغاً من المال بالقطع النادر لم يكن متوافراً في المصرف المركزي لأن الدنيا كما يقول المثل السائد وجوه وأعتاب ونواصي(41)، فمنذ أن تسلّم الدكتور عبد الرؤوف الكسم رئاسة الوزارة فقد خيّمت غمامة من الشؤم على سورية لا مثيل لها.. فمرض الرئيس حافظ الأسد مع أن بنيانه الجسمي متماسك لدرجة تقترب من حدّ الأسطورة، ومات خمسة وزراء في عهده، وأصبح المصرف المركزي خاوياً حتى من الفئران كي لا أقول من الدولارات.. وسُدت منافذ الرزق في وجوه المؤسسات والأفراد وسائر العباد وبدأ الناس في سورية يتساءلون متى ينزاح ظل هذا الغراب عن الرقاب.. المهم فكّر الرئيس الأسد من أين يأتي بالمال اللازم لإشباع فم أخيه رفعت.. وارتأى أن الرئيس معمّر القذافي يمكن أن يكون الشخص الذي يحل هذه المشكلة فأرسل كتاباً خاصاً إلى قائد ثورة الفاتح من أيلول (سبتمبر) مع اللواء محمد الخولي رئيس إدارة المخابرات الجوية، وعندما وصل إلى طرابلس الغرب كان القذافي والحمد لله بمزاج حسن وتذكّر مواقف الأسد القومية في دعم ومؤازرة الثورة الليبية ورد على رسالة الأسد رداً جميلاً وتم تحويل المبلغ بكامله إلى المصرف المركزي وأعطى الرئيس الأسد شقيقه جزءاً منه وبقي الجزء الأكبر احتياطاً للطوارئ الاقتصادية التي كانت تعصف بنا وما كان أكثرها.
وتم الاتفاق على أن تعود سرايا الدفاع لتوضع بتصرف هيئة العمليات في القوات المسلحة، وتم تشذيبها بحيث بقيت في حدود ملاك الفرقة المدرعة زائد كتيبة دبابات مستقلة، كما تم الاتفاق على أن يبقى الفوج (555) بتصرف العميد رفعت كنائب لرئيس الجمهورية مسؤولاً (نظرياً) عن شؤون الأمن(42) لأن الرئيس الأسد أحرص من أن يسلّم أمنه الشخصي وأمن البلاد لرجل لا يتقي الله لا بوطنه ولا بأهله.
كما تم الاتفاق أن يسافر معه إلى موسكو اثنان من الضباط الأمراء طلبهما العميد رفعت شخصياً وهما اللواء شفيق فياض واللواء علي حيدر كما سافر معهم اللواء الخولي وكان ذلك بطلب خاص من العميد رفعت حتى يطمئن أن الطائرة لن تنفجر بعد إقلاعها بالجو، وصدر أمر الإيفاد بتاريخ 28/5/1984 وسافر العماد ناجي جميل مع حاشية العميد رفعت، وما حزّ في نفسي كثيراً أن العماد ناجي هو الذي طلب أن يسافر العميد رفعت، ومع أن الفارق كبير بين رتبة العماد ورتبة العميد، فإن العماد ناجي كان يخاطب العميد رفعت دائماً بكلمة (سيدي) أقول هذا الكلام والغصّة في حلقي لأن للعسكرية هيبة لا يجوز خدشها ولا يجوز مسّها وإلا تصبح العسكرية ضرباً من الانكشارية.
وظل الرفاق قرابة شهر في موسكو، وكان العميد رفعت ومجموعته قد ودّعوا موسكو بعد سلسلة من المقابلات البروتوكولية الشكلية مع المسؤولين السوفييت، وبهذه المناسبة لابد من شهادة حق للتاريخ فقد كان موقف أصدقائنا في موسكو مع الرئيس الأسد قولاً واحداً وكلّفوا رسمياً مستشار قائد الوحدة (569) (سرايا الدفاع) بأن ينقل إليّ عن طريق كبير المستشارين الجنرال “غوردينكو” الحالة النفسية للعميد رفعت وضباطه، وكنت أنقل هذه المعلومات لسيادة الرئيس كما كنت أضع الرفاق في القيادة العامة بالصورة وكانت هذه المعلومات مفيدة للغاية بالنسبة لنا لأنه أمر أساسي لتقدير الموقف أن تعرف حالة الخصم النفسية..
وضاق اللواء شفيق واللواء علي حيدر ذرعاً بالإقامة في موسكو وخشيا أن زحمة أعمال الرئيس الأسد قد تؤخّر صدور الأمر الخاص بعودتهم إلى أرض الوطن، وأرسل إليّ اللواء شفيق رسالة مؤثّرة واتصلت هاتفياً بهم إلى موسكو وطمأنتهم بأن الرئيس لن ينسى أبداً أبناءه، وعندما أعلمت الرئيس بالموضوع استغرب وقال لي: هل أمضيا شهراً في موسكو؟.. وعندما أجبته: نعم.. قال: أصدر نيابة عني الأوامر بعودتهم إلى أرض الوطن.
وهكذا عاد أبو علاء وأبو ياسر من بلاد الغربة، مع أن الإقامة في موسكو ذلك الحين كانت تعتبر مثل الإقامة في باريس باستثناء أن الإقامة في موسكو كانت تكلف أقل بخمس مرات، ولكن شعور المرء أنه يعيش الغربة وأنه ليس ذاهباً بإجازة أو نزهة تجعل الحياة صعبة لا تطاق.
وهكذا أسقط الأسد جميع الرهانات المعادية المحلية والعربية والأجنبية التي كانت ترى بوصول العميد رفعت الأسد إلى السلطة هو انضواء سورية تحت المظلة الأمريكية ونهاية لوقفة العز والشموخ التي اتّسمت بها المسيرة التي قادها أمين هذه الأمة.
والحق ما شهدت به الأعداء
بعد جلسة المصالحة التي تمت بين الرئيس الأسد وشقيقه رفعت قال رفعت للسيد الرئيس: أريد أن أقول لك شيئاً حقيقة لا يعرفها أحد ولا يجوز أن تظل في عالم الغيب.. وأقسم لك بالله أنه لولا العماد مصطفى طلاس كل جماعتك في الأركان لا يساوون (فرنك)(43)، وقد حاولت عدة مرات الدخول إلى مبنى القيادة العامة ومعي ست سيارات مرافقة بهدف السيطرة على المبنى وكنت أفاجأ دائماً بوجود العماد طلاس في مكتبه.. وهذا ما كان يضعني في موقف صعب.. وكان الوحيد المستعد للقتال دفاعاً عن النظام وكنت أخشى إذا تمكنت من التغلب عليه أنني لن أفلت من غضبك إلى يوم القيامة.. كما كنت أخشى أنه لو تغلّب عليّ بواسطة حرس الأركان المدعمة بالقوات الخاصة وسرايا الصراع سوف أسقط من عيون الناس إلى الأبد.. فأجابه الرئيس الأسد: إن العماد طلاس من أشجع ضباطنا وأثناء مشاركته في حركة الضباط الأحرار بحلب (نيسان 1962) بقي في مركزه كمدير لشعبة الأمن السياسي مدة سبع ساعات بعد هروب كافة رفاقنا إلى إدلب وحمص وحماة واللاذقية، وكان اللواء الخامس المدرّع يحاصر المدينة ويضرب حولها طوقاً من الدبابات والمشاة المحمولة.. علماً بأن المنصب الذي كان يشغله لم يكن بشكل رسمي ونظامي لأنه كان مفتشاً في وزارة التموين، فكيف تريد منه أن يترك مكانه في القيادة العامة وهو يشغل وظيفة نائب القائد العام ووزيراً للدفاع بمرسوم جمهوري، إنه بالتأكيد سوف يقاتل من أجل النظام حتى آخر طلقة وآخر رجل.
عهد بالدم
يا ليت.. هناك أغلى
“عهد بالدم؟!.. يا ليت.. هناك أغلى!.. عهد بالدم يقطعه له، رفاقه في السلاح والعقيدة.. فبماذا يجب أن يكون عهد رفيقه في الموطن الخشن؟”.

ليتها تتكرر لعبة التاريخ، لأريك كيف أنام على فراشك يا حافظ..
أجل.. فبعد هذا العمى الذي ضرب زعماء هذه الأمة، وبعد هذا التيه الذي يتخبطون فيه.. ويستدرجون إليه الآخرين.. لم يبق أمام هذه الأجيال المعاصرة والمحاصرة، سوى الالتفاف حول هذه الراية العربية السورية، الممسكة بها قبضته الفولاذية، والرافعة لها منارة تقول للناس كافة: تعالوا إليّ.. تعالوا، والحقوا بي، فأنا أقودكم إلى طريق الخلاص.. لأن الرائد لا يكذب أهله..
وبعد، فهذا الكتاب، ليس مهرجان أضواء، ليدخل في أبواب الدعاية المبهرة.
ولا هو من وسائل الإعلام، ليدخل في حلقة تلفزيونية ملونة..
وغنيّ عن البيان والإيضاح، أنه ليس من كتب التبشير الحزبي، وإن كان بمثله يتعمّد خط الحزبي ويقوى.
هذا الكتاب، يلوح لي وقد دخل أبواب التاريخ.. بل فُتحت له أبواب التاريخ، والمعلّمون الكبار هناك يتساءلون:
– أصحيح أن التاريخ يصنع الرجال؟.. أم أن الرجال، هم الذين يصنعون التاريخ؟..
وربما جاء السؤال، في أجواء معادلة أخرى:
– هل الفرد هو صانع الجماهير، أم الجماعة هي التي تصنع الفرد؟..
وسلفاً أعتذر للقارئ فلن أُدخله أو أدخل معه في المماحكة التاريخية ولا في جدليتها المادية، ولن أطوّح به في أبعادها الضاربة حدود الفكر والمادة، ولن أتساءل أي منها هو الأساس، وأي منها هو الانعكاس، بل سأبقى مع القارئ في المناطق الآهلة كي لا يُصاب أحد بخوف من عدم الفهم، أو حرج وحتى نبقى جميعاً على الخط.. (عهد بالدم)؟..
ست وخمسون دقيقة، حبّرها القادرون على الوفاء بها، ووقعوها بدمائهم، عاهدوا بها القائد على ولائهم الأبدي له..
والمعاهدون بالدم هم حملة البنادق والأقلام والمحاريث والمطارق وسائر وسائل وأدوات الإنتاج للمجتمعات الجديدة القوية..
وبعد.. فماذا سيقول الناس عنها، وعنهم في غد؟..
ماذا ستقول الأمم؟..
ماذا ستقول عنها فرنسا بالذات؟..
بل لماذا خصّصت فرنسا بالذات؟.. وسميتها دون غيرها من أمم الأرض؟..
إن لهذا التخصيص سبباً أنا ذاكره فوراً:
في فرنسا برنامج تلفزيوني اسمه (7 على 7) وهو يقدّم للمشاهد الأمور والأحداث الخارقة التي يتصيّدها له من سائر أنحاء العالم، وكأنه يقول له: خذ وانظر.. ثم صدّق، أو لا تصدّق.
وفي أحد الأيام، عرض البرنامج هذا، صورة من دمشق وفيها ظهرت سيارة الرئيس، وهو فيها، مرفوعة على الراحات والأكتاف.
جميعنا يعرف هذا.. وقد رآه، ومنّا من ساهم فيه، ومنا من تمنى لو كان ليساهم.. لكن فرنسا وجدته غريباً فأفردت له مكاناً في برنامجها الغريب!..
وغداً ماذا سيقول البرنامج عن ستة وخمسين وثيقة كلها بالأحمر القاني؟
وليس غرضنا هنا أن نردّ أو نعلل، أو نفسّر أسباب هذا الاستغراب، فمن الطبيعي أن يندهش الغرب لسيارة محمولة على الأعناق، بعد أن كانوا أشبعوا شعوبهم كذباً وحشوهم تضليلاً، عن الوضع المتردّي والنقمة العارمة، وخصوصاً عن المرض.. الذي زعموا أنه خطير..
ونعود لطرح السؤال من جديد:
– لماذا (عهد بالدم)؟..
ويأتي الجواب هذه المرة أيضاً.. من فرنسا. يقول (أولاد Olad) أستاذ التاريخ الكبير في جامعة السوربون، وهو يتحدث عن الثورة عموماً: (ليس الظلم هو الذي يولد الثورة، وإنما الشعور به).
و(عهد بالدم) هو ثورة بين العهود..
فالمعروف أن العهد يغطى باللسان، أو تشد به قبضة على كف، أو ينطلق من خطبة منبر، ويشهد عليه جماعة، أو يشترك به لفيف متجانس، في قسم مشترك.. أو يوثق بكتاب، إلا في سورية، ومع حافظ الأسد.
أجل فسورية بالدم عهدها كان.. وببذله سيكون.. والسبب شعور الجماهير الحاد، وأن القائد هو أملها، وأن القائد هو كرامتها، وأن القائد هو خبزها اليومي الشريف،/ فالقائد إذن هو المنارة التي تهدي سواء السبيل، وأي علامة استفهام ترسم حول هذا الموضوع، فستمحوها الجماهير بالدماء..
ولماذا كل هذا الانفعال؟..
للسبب ذاته.. الشعور الحاد..
أجل!.. فعندما تطلعت سورية، فوجدت نفسها داخلة في حدود المعادلة المتعلقة بحساب القوى، وهي تعرف جيداً أنها لم تكن قبلاً كذلك.. لأنها كانت فعلاً خارجها.. لا بدّ أنها تساءلت:
– كيف حدث هذا؟ ومتى؟..
وبفعل من دخلت سورية في الحساب؟.. وقال التاريخ:
لاشك أن ثورة الثامن من آذار في العام (1963) وضعت سورية على الطريق.. وقد كان تسلّم حزب البعث العربي الاشتراكي الحكم، وثبة نوعية هامة في هذا المجال.
ولكن من الذي أرسى قواعد هذه الوثبة؟ بل من هو الذي صحّح مسارها؟..
بل من الذي جعلها شيئاً فشيئاً أمل الجماهير؟.. ثم كيف أدركت الجماهير قداستها، وسحرها، فأنزلتها في ضميرها، ثم قام الشعب معلناً أن بقاءه ببقائها، وأنه مستعد لأن يفديها بالروح؟.
وفي الجواب على ذلك، لابد من استعراض الأحداث والمواقف، والأفعال وردود الفعل عليها، والردود على الردود..
ومن خلال هذا الاستقراء، لزمان الوثبة، وإعادة القراءة لكل حدود السلسلة، نعرف سر هذه الثورة العارمة في التأييد، ولماذا ارتفعت إلى مستوى الفداء.. الذي لا حدود له، ولولا الشعور المتكامل بكبر الأحداث التي مرت بالقطر والوطن والعصر، وعظمة الرد عليها، أي رد حافظ الأسد بالذات.
ولنفتح قليلاً الستارة.. فبين نكسة حرب حزيران (1967) وبين رد الاعتبار في السادس من تشرين (1973) لم يكن في كل هذا الوطن من خليجه إلى محيطه، رجل في ضميره الخوف على سقوط الأمة، واضمحلال هذا العنصر العربي سوى حافظ الأسد.
صحيح أن الشعار الذي أطلقه عبد الناصر، بعد رجوعه عن الاستقالة عشية الهزيمة، تحت وطأة الرفض الشعبي العارم لهذه الاستقالة، وهو شعار إزالة آثار العدوان بقي هاجس الشعب والجيش، في مصر، حتى عبور سيناء وغسل عار حزيران.
لكن الذي ثبت فيما بعد أن الذي ينفع الأمة يمكث في الأرض، وتبين أن الجيش العقائدي الذي بناه حافظ الأسد، كان مستعداً أن يقاتل إلى الأبد هنا وهناك، وأن قائده هو وحده صاحب النفس الطويل، والنظرة الثاقبة التي ترى ما وراء الأفق.
ومنذ الزلزال الذي عصف بالوطن العربي وبجبهته الغربية بعد الزيارة الفضيحة إلى القدس، ظنت الإمبريالية أن ظهر الصمود انقصم، وانقصم أيضاً ظهر الجبهة الشرقية، وظنه عرب أمريكا، وعرب النفاق والتربص، وعرب اللعب على الحبال، مع الإصرار على اعتماد الشماخ والعقال، أن كل شيء انتهى وأن شبح الوعي الشعبي المرعب لن يرعبهم بعد اليوم وأن التقدمية أخذت طريقها إلى الخلف، وأن تكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية والاشتراكية هي كلمات تصلح للمعاجم اللغوية إلا حافظ الأسد الذي لا أراه إلا الصبر في سورة الكهف، به ضُرب المثل في الأناة والصبر والحكمة والفلسفة، وحتى لكأنه هادي السفن في أعالي البحار، وكان في الشجاعة الخضر نفسه.
وقد صار جاورجيوس القديس النازل إلى مبارزة تنين الإمبريالية ذي الرؤوس السبعة، يسدد لها الطعنات النجلاء حتى كاد يزهق الرمح، ولم يزهق الزند.
ونقرأ في إحدى صفحات التاريخ:
– وحده حافظ الأسد زربهم في كامب ديفيد، وأغلق عليهم باب الخان فما عاد يجرؤ على الدخول إليه خارج بل صار يفكر بالخروج منه داخل، وهال القوى الإمبريالية، والصهيونية العالمية، والرجعية العربية، انقلاب حساباتها فعمدت إلى ثعبان الطائفية النائم، فأيقظته.. وحقنته بسمومها الخاصة، وأطلقته في الأرض اللبنانية، حيّة تسعى.. وكانت حرباً سميت بحرب السنتين، لم يعرف التاريخ ما هو أقذر منها في كل ما عرف من حروب!..
وواجه حافظ الأسد، الزلزال الجديد بمفرده واتخذ القرار التاريخي بدخول لبنان، فأوقف النزيف وأحبط المؤامرة، وأسقط التقسيم وقلب التاريخ فصلاً، وكتب عنواناً جديداً:
(في لبنان مبادرة الأسد، قلبت المعادلات).
وأسف البيت الأبيض وقادة الحركة الصهيونية ومن يدور في فلكيهما من رجعيي العرب، لفشل الخطة التي كان يراهن على نجاحها.. وما طال التفكير حتى قرروا إدخال ثعبانهم إلى الأرض السورية ذاتها، لضرب سورية من الداخل، بفلول رجعيتها المختبئة في الأوكار، وبعملائهم المدربين على اللسعة والفرار.. وقابل حافظ الأسد الهجمة الجديدة بما ينبغي لها من رد، على الرغم من أن المتآمرين رفعوا هذه المرة في وجوهنا شعار الدين الحنيف ووقف الشعب خلف قائده لإيمانه أن الإسلام هو دين الحق والكرامة.. وأن ديننا هذا شأنه لا يجوز أن يستغل لتحقيق الأهداف الاستعمارية والصهيونية.
ويقلب التاريخ صفحة، ويعنون أخرى: (ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب)(44).
ووقف البيت الأبيض ومستشاروه حيارى!.. أجل فقد ظهر أن حافظ الأسد لا تأخذه في الحق لومة لائم، وإنهم لو وضعوا الشمس والقمر بين يديه لقاء تركهم في الأرض لما رضي وعندئذ عمدوا إلى بوليسهم في المنطقة، وأمروه بغزو لبنان.
وخاض الجيش العربي السوري ملاحم بطولية مع جيش الغزو الإسرائيلي، لم ينفع في التقليل من أهميتها أو تصغيرها عملاء الإذاعات العربية العميلة، التي لا تتقن غير الهراء والثرثرة..
وغادر عرفات بيروت، بعد أن لم يبق فيها حجر على حجر.. حتى أنه منع شرفاء المقاومة الفلسطينية من القتال بحجة أنه هو صاحب القرار، والعارف مكان وزمان المعركة..
وسقط الحكم اللبناني، في فخ الرعب الإسرائيلي، والنفاق الأمريكي والتخلي حتى لا نقول التشفّي العربي.. ووقع بالخذلان عقد الإذعان، تحت مظلة الضمان الأمريكي ورعايته.
وعشية التوقيع قال حافظ الأسد:
– هذا وليد “طرح” وما في العادة أن “الطرح” تُكتب له الحياة..
وخشيت أمريكا هذا القول، فحشدت “لطرحها” المنعشات والمقويات، وساهم في عمليات الإنعاش حليفاتها الأطلسيات وامتلأ البحر المتوسط بالبوارج، وسفن الإنزال، وحاملات الطائرات، وزحف الغرب لحماية إسرائيل.. ماذا؟ حماية إسرائيل؟ أجل.. وهذا الكلام لم نقله نحن وإنما قاله المناضل الاشتراكي الفذ.. رئيس الجمهورية الإيطالية، عشية عيد الميلاد من العام (1983).
أجل!.. فبعد أن كانت إسرائيل شرطيهم في المنطقة، انقلبوا جميعاً إلى شرطة لها، وقوى أمن داخلي وخارجي، واقتصادي أيضاً!..
ووقف العرب، لا غيرهم، ينظرون إلى حافظ الأسد وهو ينزل بمفرده إلى الساحة دون أن يقدّم أحد له، من سائر أبناء العم، كف المعونة، اللهم باستثناء النصائح، وتثبيط الهمم، وتلك الساعات الطويلة التي كانوا يتبادلون فيها الأدوار، لتنشيف ريقه في الحوار، وهم يدافعون عن اللامعقول ولا ينسون التغزل بطلعة عرفات البهية، والرجل بحكم تهذيبه النادر وموقعه من المسؤولية التاريخية مضطر إلى البقاء في الأخذ والرد، والقيل والقال، ونحمد الله أننا من شهود هذه الحقبة من القرن العشرين، فلا مجال لتحريف التاريخ، ولا لتشويه الحقيقة، ولا لشهود الزور.
وتعبت الأعصاب الفولاذية قليلاً، من حمل شحناتها الكهربائية، واضطر حافظ الأسد إلى أن يرتاح، من جو المشاحنات، ليتفرغ إلى معالجة نيران “نيوجرسي”.
ودبّت الحياة في أعشاش الإذاعات، وبين الأسلاك، وحمي وطيس السم، وما سكتوا حتى رأوا السيارة إياها محمولة على الأعناق، وقرؤوا في كتاب التاريخ، هذا الفصل الجديد.
(زئير من دمشق.. يُرعب نيوجرسي)
وتحرّك الأجراء، لتقوية أعصاب المعلمين، لكن جميع هذا سقط، فلا حسين المناور، ولا عرفات المراوغ، ولا صدام السادي، ولا غيرهم من منافقي الجاهلية والإسلام، قدروا على حرف حافظ الأسد قيد أنملة عن خط مقاومة الإمبريالية والصهيونية والرجعية، هذا الثالوث الأخطبوطي الذي لا يملك شيئاً من روح القدس..
وابتعدت الأساطيل، ابتعدت حتى غابت عن أنظار المدافع، وعن سائر الأنظار..
وكتب مؤرخ ذكي، يمارس صناعة التوقعات المستقبلية فقال:
(بوادر وفاق لبناني، بعد هرب الأساطيل، وسقوط (17) أيار).
أجل!.. فإن حافظ الأسد هو الذي أسقط الرهان، على ريغان، وهو الذي أسقط عقد الإذعان، وحافظ الأسد هو الذي أثبت زيف هذه العاطفة المرتجلة، تجاه أمريكا اللبنانية، ولبنان الأمريكي، وهو الذي صحح المحبة وأثبت أن العناق السوري اللبناني، ليس فيه أظافر، ولا خناجر مسمومة ولا أنياب صهيونية بل هو محبة وعافية، ومنفعة مشتركة متقابلة، وطلب إن لم نقل أمل، في أن يبقى لبنان عزيزاً مستقلاً.
ورب قائل:
إذا كان كل هذا قد صنعه حافظ الأسد فأين رحت بدور الشعب وهو يشدّ الأحزمة.. وأين رحت بدور الجيش العربي السوري الذي جبل التراب بعرقه والدم، وماذا عن المقاومة اللبنانية البطلة التي دوّخت إسرائيل، بل ربما صار بصرهم بالأشياء حديداً، فنفضوا عنهم ضعف الذاكرة، ليسألوا عن دور الاتحاد السوفييتي.
وكم كنت أودّ أن لا أرد، ولكن إتماماً للفائدة كان لابد من بضعة سطور:
إن الشعب العربي السوري لم يفصل نفسه عن حافظ الأسد، كما أن حافظاً هو فرد من أفراد هذا الشعب، وكم من مرة واجه فيها الرئيس الناس، وألقى عليهم وحدهم مسؤولية الدفاع عن حقوقهم ومنجزاتهم ومكتسباتهم..
وقد قال لي أحد المواطنين مرة إن كل طلة لحافظ على الجماهير تعادل عنده كل ما تكتبه وسائل الإعلام.
لقد صار واضحاً عند كل أهل الزمان، أن حافظاً هو مرآة هذا الشعب وأن الشعب هو مرآة حافظ الأسد..
وأما الجيش فحسبه فخراً وكرامة ووعياً أن قائده هو حافظ الأسد، وكل مجد يضاف لحافظ يطال آخر فرد ممن يحملون شرف الجندية..
وبعد، فماذا يتوخونه من فصل القائد عن الجند.. فعندهم قد توجد هذه الثنائية، أما بين حافظ وجيشه، فلا توجد، والدليل على ذلك “وثائق العهد بالدم”.
أما المقاومة اللبنانية التي يقولون عنها بطلة، فهي بطلة بالفعل وإن كرهوا.. بل إنها تجاوزت حكاية البطولة والشهادة..
وقد أثبت حافظ الأسد أن صاحب القرار الأول والأخير في شؤون المنطقة، إنما هم أهلها فقط، ومعنى هذا القول أن إرادة المقاومة اللبنانية من إرادة الأسد نفسها، وقول الأسد ذلك يلقيه بمسؤولية كاملة ويعرف كيف يترجمه للمقاومة بلغات كثيرة، وهنا أيضاً لا يمكن الفصل بين مركز الدائرة ومحيطها.. وفي هذا كفاية..
وكنت أعلنتها في أحد الأيام، ومن منبر تلفزيوني سمعه ورآه كل من يصل بيته البث، ويملك جهازاً:
إنني أنا نائب القائد العام للجيش العربي السوري فخور جداًُ، بأن أتعلم من المقاومة اللبنانية أساليبها الجديدة في تركيع العدوان الفاجر، بل كنت اقترحت مرة على أصحاب هذه الأصوات الناشزة لو حملوا على ظهورهم الديناميت، وفجّروه في العدو، يكونون قد حملوا عن المقاومة اللبنانية حملة، وقتلوا إسرائيل قتلة، وخلص الناس من الكلام الذي لا يستند على أساس..
أما الاتحاد السوفييتي، فقد اكتشف حافظ الأسد أنه صديق الشعوب لذلك دخل بمعاهدة الصداقة الند للند.
وكان الاتحاد السوفييتي عظيماً فعلاً بوقوفه مع حافظ، كما كان حافظ عظيماً جداً بوفائه للاتحاد السوفيتي، وعندما يكتب المنظّرون العسكريون عن صانع قرار التوازن الاستراتيجي مع العدو الصهيوني وإظهاره إلى حيّز الوجود سيعلم العرب من محيطهم إلى خليجهم كيف ناضل هذا الرجل لحفظ كرامتهم.
ويزيد إيماني بأصالة هذا الشعب العظيم، ووعيه الكبير وهو يخط بدمه عهد وفائه لقائده، وصانع وجوده الفعلي تحت الشمس.
وأنا أشعر باعتزاز، وأنا أرى تلك الجاهزية القتالية، والقدرة القتالية لدى قواتنا المسلحة لتلبية وتنفيذ أوامر وتعليمات قائدنا المظفّر..
أما حزبنا العظيم، فسيضحي حزب كل هذه الأمة، ما دام على طريق التصحيح يسير، وبآراء أمينه العام يستنير..
وإذا كان حافظ الأسد، قد دخل تاريخ الأمم فمن باب أولى أنه سيدخل في قلوب العرب وفي عقولهم.. وأما التاريخ المعاصر، فسيتوقف طويلاً عند تحليل هذه الشخصية النادرة المثال والمستحيلة المنال..
وغداً عندما تقرأ أجيالنا القادمة ملحمة نضالنا البطولية وسبب انتصار جيوشنا، الذي لا ريب فيه.. ستجد على غلاف الموسوعة مكتوبة هذه العبارة:
(حافظ الأسد، ينتزع من ذاكرة التاريخ بذور الشخصية العربية الأصيلة، ويستنبتها في حوض الأرض العربية السورية).
ثم تبدأ التفاصيل..

حمل تطبيق سوريتي ليصلك كل جديد 

أنتهى

إقرأ ايضا : غسان عبود يتهم اعضاء تيار الوعد برئاسة فراس طلاس بالشواذ

غسان عبود يتهم اعضاء تيار الوعد برئاسة فراس طلاس بالشواذ
المزيد: http://www.souriyati.com/2015/06/08/9864.html (موقع سوريتي)

غسان عبود يتهم اعضاء تيار الوعد برئاسة فراس طلاس بالشواذ