أخبار عاجلة
الرئيسية » شؤون دولية » القوقاز قنبلة روسيا الموقوتة ومنجم لتنظيم داعش لا ينضب . مقاتلو داعش القوقازيين يتصفون بالخبرة العسكرية وبالعنف والشراسة

القوقاز قنبلة روسيا الموقوتة ومنجم لتنظيم داعش لا ينضب . مقاتلو داعش القوقازيين يتصفون بالخبرة العسكرية وبالعنف والشراسة

اكتملت أركان اختراق تنظيم داعش لمنطقة القوقاز في ظل تزايد أعداد القيادات والكوادر المنتمية لتلك المنطقة من العالم في مختلف مستويات القيادة بالتنظيم. وقد تمكن داعش في المقابل من الحصول على تأييد ومبايعة أغلب التنظيمات الجهادية في القوقاز، والتي تتصدرها فروع “إمارة القوقاز الإسلامية” التي كانت تتبع تنظيم القاعدة.

 

ويمكن اعتبار انضمام جهاديي القوقاز إلى ساحة القتال في سوريا أحد أهم نقاط التحول الجوهرية في نشاط التنظيمات الإرهابية في الشرق الأوسط، حيث تصاعدت تدفقات أولئك الجهاديين على سوريا بداية من عام 2012 عقب تراجع قدرتهم على تنفيذ عمليات داخل الجمهوريات الإسلامية في روسيا، التي عمدت إلى تشديد الإجراءات الأمنية في محيطها الإقليمي.

وقد أعلن إيجور بارينوف رئيس الوكالة الفيدرالية الروسية لشؤون القوميات في يونيو 2015، أن عدد المقاتلين من القوميات الروسية الذي توجه إلى ساحات الصراع في الشرق الأوسط، يصل إلى حوالي 2000، أغلبهم انضمّ للقتال في صفوف داعش، وهو ما يتوافق مع تقديرات وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ورئيس مجلس الأمن الروسي نيكولاي باتروشيف، التي أعلنا عنها في يوليو 2015، إلاّ أن بعض المصادر في سوريا ترجح أن أعدادهم تجاوزت الـ5 آلاف مقاتل.

خصائص مميزة

ينتمي مجاهدو القوقاز في الغالب إلى الجمهوريات الإسلامية التي تسيطر عليها روسيا مثل الشيشان، داغستان، أنجوشيا، قبردينو وبلقاريا، فضلا عن بعض جمهوريات آسيا الوسطى مثل أذربيجان، قيرغيرستان، أوزبكستان وطاجيكستان. ويتسم هؤلاء الجهاديون بعدة خصائص تميّزهم عن الكوادر والمقاتلين المنخرطين في الصراع الأهلي في سوريا، تتمثل في الآتي:

*الكفاءة القتالية: حيث يتميز هؤلاء الجهاديون بقدرات قتالية استثنائية مقارنة بنظرائهم من الجنسيات الأخرى، بعد أن أكسبتهم الحروب المتتالية ضد الجيش الروسي مهارات قتالية نوعية، لا سيما على المستوى التقني والتحكم في التكنولوجيا العسكرية، فضلا عن مشاركة بعض عناصرهم في العمليات العسكرية في أفغانستان وباكستان والعراق.

وتستدل المراكز البحثية على خطورة المقاتلين القوقازيين بعمليات مثل احتجاز الرهائن في مسرح موسكو في أكتوبر 2002، والعملية الإرهابية في مدرسة بيسلان في روسيا في يوليو 2004، والهجوم على محطات المترو والقطارات بين عامي 2004 و2007، وهي هجمات أسفرت عن سقوط مئات القتلى من المدنيين والعسكريين.

وقد استمدت بعض القيادات القوقازية خبراتها كذلك من خدمتها العسكرية في صفوف الجيش الروسي، أو جيوش الجمهوريات القوقازية، على غرار جولمورود هاليموف الذي خدم في صفوف القوات الخاصة في طاجيكستان، وطرخان باتيرشفيلي الذي خدم في صفوف الجيش الجورجي حتى عام 2010.

وتستشهد قيادات التنظيمات الجهادية في سزريت بتمكن “جهاديي القوقاز” دون غيرهم من الفصائل من السيطرة على قاعدة منغ الجوية المحصنة في شمال سوريا في أغسطس 2013، التي أخفقت كافة الفصائل المسلحة في سوريا في اختراقها على مدار فترة طويلة.

* الوحشية المفرطة: يوصف عدد كبير من جهاديي القوقاز بأنهم الأكثر شراسة بين أقرانهم، وهو ما دفع أغلبهم للانضمام إلى داعش، حيث ينسب إليهم القيام بعمليات اختطاف وتصفية جسدية وتعذيب ضد الفصائل السورية المعارضة لداعش، لا سيما الهجوم على أطراف محافظة دير الزور في يونيو 2014 لتطهيرها من عناصر جبهة النصرة. ويصف حسين ناصر، المتحدث باسم ائتلاف الجبهة الإسلامية، في يوليو 2014، بأنهم “الأكثر إثارة للرعب في سوريا، فهم مستعدون لقتل حتى الأطفال بإشارة من أميرهم”، وفق تعبيره.

وبدوره أشار أحد القيادات الفكرية للتنظيمات الإرهابية في القوقاز، ويدعى كامل أبوسلطان الداغستاني، في تصريح صحفي في مايو 2015، إلى أن المقاتلين المنتمين لدول القوقاز يشتكون من تفضيل العرب عليهم في القيام بعمليات استشهادية من جانب قيادات داعش، وتأخير ترتيبهم رغم رغبتهم الشديدة في ذلك، وأشار إلى أنّ قائد “كتيبة اليرموك” في سوريا أحمد شاتاييف نقل إليه هذه الشكوى للتأثير على قيادات داعش.

*النزعة القيادية:

يتبوأ جهاديو القوقاز مواقع قيادية مهمة ضمن صفوف التنظيمات الإرهابية في سوريا والعراق، حيث شغل القيادي أبوعمر الشيشاني قيادة العمليات العسكرية لداعش في سوريا قبل أن تتردد أنباء عن مقتله، كما تولى أمير مسلم أبوالوليد قيادة تنظيم “جند الشام”، ويقود سيف الله الشيشاني تنظيم “مجاهدو القوقاز والشام”، أما تنظيم “جيش المهاجرين والأنصار” فيتولى قيادته صلاح الدين الشيشاني، وتولى أحمد شاتاييف قيادة “كتيبة اليرموك” في سوريا. ويستند القوقازيون لخبراتهم العسكرية وتقدمهم في شغل المواقع القيادية على المستوى الميداني.

*تشكيل التكتلات:

عادة ما يميل جهاديو القوقاز إلى تشكيل كتائب متجانسة تضم القوميات الناطقة بالروسية، ومن بين أبرز هذه الكتائب، جيش المهاجرين والأنصار الذي يعد أول وأقوى التنظيمات العسكرية القوقازية في سوريا، وتم تشكيله بقيادة أبوعمر الشيشاني في سبتمبر 2012، وركز على استهداف القواعد العسكرية لنظام الأسد في حلب قبل أن يقوم أبوعمر الشيشاني بمبايعة أبوبكر البغدادي وينضم لداعش. وفصيل صلاح الدين الشيشاني، الذي انشق عن جيش المهاجرين والأنصار وانضم رفقة العناصر التابعة له إلى جبهة النصرة، ويقدر عددهم بحوالي 300 مقاتل. كذلك تنظيم مجاهدي القوقاز والشام الذي تشكل من المنشقين عن جيش المهاجرين والأنصار بقيادة سيف الله الشيشاني، ويتسم بالقرب من نهج تنظيم القاعدة، وقد بايع أيمن الظاهري، وعقب مقتل سيف الله الشيشاني تولى محمد الخراساني قيادة التنظيم، وأعلن ولاء التنظيم لجبهة النصرة. وأخيرا تنظيم جند الشام بقيادة أمير مسلم أبوالوليد، وهو تنظيم مستقل يضم قوميات متعددة ناطقة بالروسية ولم يعلن الولاء لا لتنظيم داعش ولا لجبهة النصرة.

*تسهيلات الانتقال:

تميزت تدفقات جهاديي القوقاز إلى سوريا بقدر كبير من المرونة مقارنة بالتدفقات الأخرى العابرة للحدود في ظل ارتباط القوميات الناطقة بالروسية بعلاقات وطيدة بتركيا التي تعتبر بمثابة الجوار الجغرافي الأكثر قربا إليها، فضلا عن تسهيلات بعض المؤسسات الإسلامية الدولية للراغبين في السفر لدول العالم الإسلامي لدراسة اللغة العربية وتعاليم الدين الإسلامي، والتي تتكفل بها بعض المؤسسات الخيرية التابعة لبعض الدول العربية، فضلا عن تغاضي بعض دول الجوار في آسيا الوسطى عن انتقال بعض المقاتلين عبر أراضيها إلى تركيا في مقابل عدم قيامهم بأي عمليات داخلها.

لم تعد الروابط الواصلة بين تنظيم داعش ومنطقة القوقاز تقتصر على تدفقات المقاتلين والمتطوعين عبر الحدود التركية باتجاه سوريا والعراق، حيث اتجهت أغلب التنظيمات الإرهابية التي مازالت ناشطة في منطقة القوقاز لمبايعة التنظيم وإعلان الولاء لقيادته عن بعد، مما جعل القوقاز أحد أهم “البؤر الداعشية” البديلة التي قد يلجأ إليها التنظيم في حال انكسار سيطرته في الشرق الأوسط، ومن بين أبرز التنظيمات التي أعلنت ولاءها لتنظيم داعش نذكر:

*أولا، إمارة القوقاز الإسلامية: حيث تفككت بنية تلك الإمارة عقب إعلان قيادات التنظيم في ولايات الشيشان وداغستان وأنجوشيا وكابيكا مبايعتهم لتنظيم داعش في نهاية يونيو 2015، وهي الخطوة التي استقبلها التنظيم بقبول تام معلنا تعيين أبومحمد القادري واليا على “ولاية القوقاز” التابعة.

وأعقب ذلك إعلان عبدالله زنكشيف أمير “ولاية قبردينو بلقاريا” الولاء لداعش، وانشقاق أمير خمزت رئيس جماعة “فيلايات الشيشانية” والانضمام للموالين لـ”الدولة الإسلامية”.

وتتمثل الدلالة الأهم لهذا التطور في إنهاء ارتباط “إمارة القوقاز” بتنظيم القاعدة، والتي سعى التنظيم للحفاظ عليها منذ تأسيسها في 31 أكتوبر 2007 بقيادة دوكو عمروف. وحتى عقب تولي علي أصحاب كيبيكوف الذي يطلق عليه علي أبومحمد الداغستاني قيادة الإمارة في مارس 2015 لم تنقطع هذه الصلة، إلا أن قتل الداغستاني على يد القوات الروسية جعل التنظيم دون قيادة، وهو ما دفعه للانجراف مع ميول الكوادر الشبابية والانضمام لداعش.

* ثانيا، كتيبة جولمورود هاليموف: تتمثل خطورة هذه الكتيبة التي تنتشر في طاجيكستان في أنّها تضم عددا من الكوادر العسكرية السابقة التي خدمت في صفوف قوات الجيش في الجمهوريات الإسلامية التابعة لروسيا وفي دول آسيا الوسطى، ويقودها جولمورود هاليموف القيادي بالقوات الخاصة الطاجيكستانية، والذي تلقى تدريبات على مكافحة الإرهاب في الولايات المتحدة.

*ثالثا، جماعة خاسافيورت: تندرج هذه الجماعة ضمن الجماعات الأكثر نشاطا في داغستان، حيث أعلن قائدها إسلام أبوإبراجم ولاءه ومبايعته لتنظيم داعش في 25 مايو 2015، داعيا مسلمي داغستان إلى دفع الزكاة للتنظيم. وتوازى ذلك مع قيام سليمان زيلنابيدوف القيادي بأحد الكتائب الناشطة في داغستان بالسفر إلى سوريا للانضمام إلى الدولة الإسلامية لإثبات الولاء للتنظيم والتقارب مع قياداته.

*رابعا، تنظيم جوهر جوادايف: ويقاتل هذا التنظيم إلى جانب قوات الجيش الأوكراني ضد الانفصاليين وقوات الجيش الروسي في شرق أوكرانيا، ويسعى لاكتساب المهارات القتالية اللازمة للعودة لتحرير الشيشان من قبضة رمضان قديروف المدعوم من جانب روسيا، كما أعلن مبايعته وولاءه لتنظيم داعش.

* خامسا، الجماعات المحلية: لم يقتصر دعم تنظيم داعش على التنظيمات الأكثر حضورا، وإنما بات يشمل جماعات متعددة ناشطة في شتى أرجاء منطقة القوقاز، وتشمل هذه الجماعات كتيبة أبوعمر الآذاري، وحركة أوزبكستان الإسلامية، وجماعة العصابة الجنوبية في داغستان، ومجموعة أوخوفسكا، التي تم تصفية قائدها خساما جوينشارانوف على يد القوات الروسية في 27 أبريل 2015 عقب إعلانه مبايعة داعش.

تهديدات متنامية

أدى تمدد تنظيم داعش في منطقة القوقاز إلى تصاعد وتيرة العمليات الإرهابية في دول تلك المنطقة، فبداية من عام 2012 شهدت القوقاز صعودا في وتيرة العمليات الإرهابية، بداية من التفجيرات الانتحارية في أنجوشيا التي استهدفت تجمعات الشرطة والهجوم المسلح على وحدة مكافحة الإرهاب في الشيشان في أغسطس 2012، والعمليات الانتحارية في مدينة فولجوجراد الروسية التي أسفرت عن مقتل 34 شخصا في ديسمبر 2013، فضلا عن سيطرة كتيبة على مبنى الإعلام الحكومي في العاصمة الشيشانية جروزني في ديسمبر 2014 قبل أن تقوم القوات الروسية بتصفيتها ودفعها للانسحاب.

وقبيل إعلان مبايعة داعش، قامت التنظيمات الإرهابية في منطقة القوقاز بعدة عمليات إرهابية تصدرها استهداف دورية عسكرية روسية في منطقة سونجا في أنجوشيا في مطلع يونيو 2015، ومهاجمة قاعدة جوية روسية في قيرغيرستان في مطلع يوليو 2015، بالتوازي مع ضبط قوات مكافحة الإرهاب الروسية خلية إرهابية في جمهورية قبرديمز بلقاريا كانت تخطط لتنفيذ تفجيرات انتحارية في فترة العطلات، كما ضبطت قوات الأمن الروسية في 9 يونيو 2015 خلية إرهابية تدير معامل لتصنيع القنابل في داغستان.

ومن المرجح أن يساهم إعلان الدولة الإسلامية عن إطلاق قناة “فرات ميديا” الناطقة بالروسية على مواقع التواصل الاجتماعي في منتصف يوليو 2015، في مزيد انتشار التنظيم في القوقاز وآسيا الوسطى وجمهوريات الاتحاد الروسي، خاصة في ظل وجود سياقات مهيأة لانتشار التنظيم بين شباب المسلمين في الجمهوريات الروسية، وهو ما يرتبط بسعي داعش للضغط على الخاصرة الرخوة لروسيا لتقليص دعمها لنظام الأسد عسكريّا، وجعلها تركز على التنظيمات الإرهابية المنتشرة في جوارها المباشر.

ويتصل ذلك بتصاعد شعور التعصب القومي بين الروس والعداء المتزايد لأنباء القوميات الإسلامية في روسيا، حيث أشار تقرير صادر عن معهد علوم الاجتماع التابع لأكاديمية العلوم الروسية في أكتوبر 2014 إلى أن حوالي 15 بالمئة من أبناء القومية الروسية يؤيدون بصورة مطلقة شعار “روسيا للروس”، وأن حوالي 30 بالمئة يؤيدون ضرورة منح الروس حقوقا ومزايا أكثر من الأعراق الأخرى، بينما يرى 24 بالمئة من الروس ضرورة فرض حظر على انتقال مواطني جمهوريات القوقاز للأجزاء الوسطى لروسيا، ويتبنى حوالي 19 بالمئة ضرورة منع مواطني القوقاز من دخول كافة أرجاء الدولة الروسية.

وتتزايد تهديدات التمدد الداعشي على روسيا في ظل اختلال التوازن الديمغرافي لصالح مواطني الجمهوريات الناطقة بالروسية، وتراجع معدلات الخصوبة في روسيا، مما يؤهل احتمالات انتقال داعش إلى قلب روسيا وليس إلى محيطها الجغرافي فحسب، حيث إن التحولات الديمغرافية في روسيا أثرت بصورة كبيرة على التركيب القومي للجيش الروسي، مع تصاعد الاعتماد على أبناء القوميات الناطقة بالروسية، خاصة في تأمين دولهم تحت مظلة الجيش الروسي، مما أدى إلى زيادة نسبة الروس المسلمين ضمن صفوف الجيش الروسي وصلت إلى ما يقارب 10 بالمئة، وفق بعض الإحصاءات التي أوردتها بعض المصادر الغربية.

وإجمالا، يؤكد تمدد تنظيم داعش باتجاه القوقاز ثبات التوجه الآسيوي للتنظيم، واستغلال الشعور بالاضطهاد لدى القوميات المسلمة في القوقاز وآسيا الوسطى وإقليم زنجيانج في الصين ودول شرق وجنوب شرق آسيا للتمدد والانتشار، واجتذاب تأييد التنظيمات الجهادية لاستكمال أركان الدائرة العالمية للتنظيم التي ترتكز على الخارطة التاريخية لامتداد الخلافة الإسلامية.

وفي السياق ذاته، يتوقع أن يتصاعد استهداف التنظيمات الملتحقة بداعش في الجوار الروسي لأهداف مدنية غير عسكرية، وتصاعد وتيرة العنف والوحشية في عملياتها بهدف محاكاة نهج التنظيم الأم في صناعة صورة مرعبة لتحقيق انتصار حاسم في الحرب النفسية ضد الخصوم.

المصدر صحيفة العرب الدولية