أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات وآراء » عمر قدور: ليسقطْ هذا الجيش

عمر قدور: ليسقطْ هذا الجيش

كان ناشطون سوريون قد أطلقوا، بسذاجة، على أحد أيام التظاهر اسم “جمعة حماة الديار”. حدث ذلك بعد نحو شهرين ونصف من اندلاع الثورة، وحين بانت نُذر تورط الجيش في قمعها. ربما كان عشم المتفائلين بالتسمية حينها أن ينضم الجيش إلى الحراك الشعبي، وعشم العقلانيين أن يرفض التورط في دماء السوريين، على رغم أن تجربة استباحة مدينتيْ حماة وحلب بقوات الجيش قبل ثلاثة عقود معروفة للجميع. المهم أن الجيش أثبت خطأ الطرفين، وأثبت وفاءه لنواته الأولى عندما أسّسه الفرنسيون تحت مسمى “جيش المشرق”، وأثبت أن الانقلابات التي قام بها بعد الاستقلال لإجهاض الديمقراطية الوليدة هي في صلب عقيدته ومهامه.

الآن، ثمة مناسبتان على الأقل تضعان الجيش في موقع الاهتمام، أقلهما أهمية على الصعيد الدولي المجازر التي ارتكبها يوم الأحد الفائت بدءاً من منطقة وادي بردى مروراً بدوما وصولاً إلى إدلب. المناسبة الأهم هي ما صار مطروحاً بقوة للتسوية في سوريا، بشرط أساسي هو الإبقاء على النظام من دون رأسه، ويُعنى بهذا التعبير الإبقاء على الجيش لمواجهة “الإرهاب”. والإرهاب المقصود كما نعلم هو الإرهاب الذي يتحسب منه العالم، من دون أدنى اكتراث بأن السوريين تعرضوا أولاً، وقبل بروز التنظيمات المتطرفة، لإرهاب هذا الجيش، وحتى بعد بروز التنظيمات المتطرفة لا تزال حصته من دمائهم بالمقارنة هي “حصة الأسد”.

ما ينبغي قوله، رغم وضوحه، أن مَن كان معترضاً على زج الجيش في مواجهة الشعب إما انشق، أو لقي حتفه وهو يحاول الانشقاق، أو على أقل تقدير يقبع في سجون النظام. مَن بقي في الجيش حتى الآن هو إما راضٍ بما يقوم به من إبادة وتدمير، أو مقتنع ومتحمس لهما. وجود فئة مغلوبة على أمرها افتراض قد يصح على نسبة قليلة، نسبة تضاءلت باطراد خلال السنوات الأربع الأخيرة، من منتسبي الخدمة الإلزامية، ولا يصح مطلقاً على النسبة الساحقة الفاعلة، ولا يصح على أولئك الذين تتيسر أمامهم سبل التهرب من الخدمة فيذهبون إليها طوعاً.

معلوم أيضاً أن قضية الجيش مثار اختلاف ضمن “المعارضة” نفسها، فقسم منها لا يخفي تمسكه بهذا الجيش، ويحاول إقامة تفريق نظري بينه وبين الزمرة الحاكمة، أو بالأحرى يسعى إلى تبرئة الجيش من المجازر التي أودت بما لا يقل عن مئتي ألف مدني حتى الآن، وتسببت بنزوح حوالي خمسة ملايين منهم. القسم الآخر من المعارضة الذي يكنّ العداء للجيش بدأ أخيراً التقارب مع رؤية الأول تحت ضغط “المجتمع الدولي” وضغط التسوية المأمولة، وأيضاً تحت وهم وجود قوة جاهزة يمكن استغلالها لغايات مختلفة عن تلك التي لدى النظام الحالي. وليس من باب المصادفة أن يتوارى تماماً الحديث عن إعادة هيكلة الجيش وأجهزة المخابرات، وبنائهما في المرحلة المقبلة على أسس وطنية، مع أن الثورة قامت أصلاً على الضد من القمع الذي يتولاه الجيش وأجهزة المخابرات، ولا يخفى أن الإبقاء عليهما بوضعهما الحالي وصفة لإعاقة التحول الديمقراطي، تماماً على غرار ما قاما به منذ الاستقلال.

الكذبة التي يجري التواطؤ تحتها هي “الحفاظ على مؤسسات الدولة” من الانهيار، وهي الكذبة التي ترعاها الإدارة الأميركية بمشاركة الروس وإيران، وأخيراً انضمام بعض الدول الإقليمية السائرة في خط التسوية. ولا يحتاج المتابع أدنى نباهة ليعلم أن المقصود بمؤسسات الدولة هما الجيش والمخابرات، فأصحاب هذه النغمة لم تعلُ أصواتهم عندما قصف الجيش عشرات المستشفيات، ولم تعلُ أصواتهم عندما قصف مئات المدارس، ولم تعلُ أصواتهم عندما دمرت طائراته جزءاً كبيراً من الإرث التاريخي المسجّل لدى اليونسكو كإرث إنساني. باختصار غابت الأصوات تماماً عندما قام الجيش الإرهابي بقصف وتدمير ما يمكن تسميته مؤسسات دولة، في الحد الأدنى للكلمة، وتعالت فقط عندما بدا الجيش معرّضاً للانهيار. ضمن هذا السياق، ليس مستغرباً أن يمدّ الروس حليفهم بطائرات حديثة مؤخراً، وألا يحتج أحد في العالم، فالقائد الأعلى لجيش البراميل اشتكى في آخر خطاباته من نقص القوة البشرية لديه، وكأنه كان يُنذر المجتمع الدولي بقرب انهياره.

التلويح بشبح انهيار نظام صدام كذبة أخرى روّجتها الإدارة الأميركية، وابتلعها الباقون، فحصيلة الانفلات الأمني إثر انهيار نظام صدام أقل من حصيلة بقاء نظام الأسد وقواته حتى الآن، مع فارق بسيط هو اقتصارها على السوريين فحسب. لكن التطور الأهم على الصعيد الدولي يكمن في الخلاصة التالية: إذا كان لدى بشار قوات على هذا القدر من الانحطاط الإنساني وانعدام الوطنية، فلماذا لا يتم إبقاؤها واستثمارها في حرب “قذرة” على الإرهاب؟ تعبير “القذارة” هنا لا يأتي لوصم الحرب على الإرهاب، إنما للدلالة على الأساليب التي قد تُتبع ولا يريد الغرب تلويث سمعته بها، وقد يكون من ضمنها ارتكاب أعمال إبادة جماعية جديدة.

الإبقاء على الجيش والمخابرات ضمن التسوية التي يريدها الغرب يتضمن الإبقاء على أسوأ ما فيهما، مع تعديل غير جوهري في الوظيفة والمنهج. فكما نعلم تمخضت كذبة الجيش “العقائدي” التي روجها النظام عن أنه جيش معدّ أصلاً لقتل شعبه، ولم تكن الأكاذيب الإعلامية عن مواجهة إسرائيل غير ستار هتكته الأخيرة في العديد من المناسبات. الإبقاء على الجيش والمخابرات الآن يستلهم نهج النظام نفسه، إذ تحت ستار “مكافحة الإرهاب” يُراد إعادة سوريا إلى ما كانت عليه قبل الثورة، بجيش ومخابرات غير وطنيين، يعملان في مقاولة دولية ويستقويان بها على السوريين. في الواقع، عقيدة الولاء المطلق للحاكم هي عقيدة مستلهمة من التراث المملوكي، وفي التشبيه المعاصر هي أقرب إلى ميليشيات المرتزقة، الجيوش شأن آخر لا شأن لنا به حتى الآن.



تنويه : ماينشر على صفحة مقالات وآراء تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع