رصاص كثيف، قنابل مسيّلة للدموع، عصي، خراطيم مياه، واعتقالات بالجملة.. هكذا حضرت السلطة وقمعت متظاهرين مدنيين سلميين عُزل، تحت مسمى “الدفاع عن النفس”، بينهم أطفال وشباب وعجّز، احتشدوا وسط ساحة رياض الصلح للمطالبة بحقوقهم البديهية.
لجأت القوى الأمنية سابقاً، ومن خلفها السلطة السياسية الفاسدة، إلى قمع المتظاهرين بالقوة في مظاهرة لم يتخط عدد المشاركين فيها 30 شخصاً. إعتقدت حينها، أن العنف، بكل أسالبيه المتاحة، قد يشكل نافذة ترهيب للشباب، يخمد في داخلهم حماس الإنطلاق نحو التغيير. لم تفلح السلطة. أعاد المتظاهرون الكرّة، واحتشدوا مساء اليوم السبت وسط ساحة رياض الصلح بأعداد هائلة، رافعين شعار “يسقط يسقط حكم الأزعر”. فما كان من القوى الأمنية المولجة “حماية” مجلس النواب، إلا أن ردت بالأسلوب الهمجي ذاته، مع “دوز” مضاعف من العنف.
ما يفوق الخمسة آلاف شخص من مختلف الأعمار، تجمعوا وسط ساحة رياض الصلح. رفع أحدهم لافتة خط عليها عبارة “الزبالة زبالة لو حكمت البلد”، بينما كتب آخر “ما التقى فيهم ولا واحد يفرز ويستقيل”. في حين، هتفت حناجر المعتصمين على مدى ساعة ونصف متواصلة “الشعب يريد اسقاط النظام”، و”يلا يلا يلا حكومة اطلعي برا”، و”توت توت توت على المجلس بدنا نفوت”. بين الحضور امرأة في الثمانين من العمر، تجر عكازها الخشبي وتمشي وسط الحشود. تهتف بحماسة معهم، مشيرة إلى أن “ما يفعله الجيل الجديد اليوم، ناضلنا لأجله سنوات كثيرة في شبابنا، ولا شيء سوى الثورة يعيد حقوق الشعوب المسلوبة”. وعلى أحد المقاعد في وسط بيروت، جلس رجل يحمل ابنه ذا الأشهر الأولى بين يديه. رفض ابقاءه في المنزل لأنه “أنا نزلت كرماله على المظاهرة، كرمال مستقبله بس”.
رغم إعلانها “سلمية”، لم تنته تظاهرة “طلعت ريحتكم” كما بدأت. حلت أصوات طلقات الرصاص الكثيفة، مكان قرع الطناجر والمعالق والادوات النحاسية التي حملها المتظاهرون معهم إلى الساحة. فعندما انطلقت المظاهرة في مسيرتها نحو ساحة النجمة، وقعت مواجهات بين عناصر الجيش اللبناني (حرس مجلس النواب) والمتظاهرين. وفي المعلومات أن مجموعة من الشباب، لم تلتحق بالتظاهرة الأساسية، بل انطلقت من ساحة الشهداء إلى شارع فرعي يفصل بين مبنييّ فندق “لوغراي” و”فيرجين”، يؤدي إلى ساحة النجمة، تقع في نهايته نقطة حراسة للجيش اللبناني ملاصقة لحديقة “السماح”، حيث وقع تراشق بالأخشاب وتدافع بين بعض المتظاهرين المندفعين وعناصر الجيش في تلك النقطة. تلاه إطلاق رصاص كثيف لتفريق المعتصمين المندفعين باتجاه ساحة النجمة. ثم عادت ووقعت على الاثر مواجهات عنيفة بين المعتصمين والقوى الأمنية في محيط رياض الصلح وساحة الشهداء. حيث استخدمت قوى الأمن القنابل المسيلة للدموع، وأطلقت الرصاص الحي والمطاطي على المتظاهرين، كما اعتدى بعضها على عدد من الإعلاميين الذين كانوا حاضرين في المكان والمتظاهرين بالضرب بالعصي، ما أدى إلى وقوع عدد كبير من الجرحى في صفوف العسكريين والمدنيين (حالة أحدهم حرجة)، بينهم الزميل في صحيفة “الأخبار” حسين مهدي الذي أصيب إصابة بالغة بالرأس، إضافة إلى رش المتظاهرين بالمياه، واعتقال عدد كبير منهم.
تطورت المواجهات مع تقدم ساعات الليل، حيث قام عدد من المتظاهرين برمي الحجارة وأكياس النفايات على القوى الأمنية وهم يهتفون “عسكر على مين، روحو جيبو يلي بعرسال”، محاولين العودة إلى التجمع في ساحة رياض الصلح. حاولت القوى الأمنية إخلاء الساحة بالقوة ومنع المتظاهرين من الإقتراب، مع استخدام القنابل وإطلاق الرصاص بشكل همجي غير مسبوق، تزامن مع إقفال كل المحال في وسط بيروت لتشديد الطوق الأمني على المتظاهرين، لكنها لم تنجح. وأعلنت حملة “طلعت ريحكتم” نيتها البقاء في الشارع إلى حين تنفيذ مطالبها، وعقد مؤتمر صحافي للوقوف على مجريات ما حدث.
جُرت مظاهرة “طلعة ريحتكم” عن قصد أو عن غير قصد، إلى الاشتباك مع القوى الأمنية. خرجت المظاهرة عن مسارها الأساسي السلمي، بينما كانت الاوامر العسكرية بلجم المتظاهرين بالقوة متخذة سلفا، ما يضع علامات استفهام كثيرة حول مستقبل الحراك، وكيفية تعاطي المسؤوليين مع كل ما حدث، بعدما أريقت فيه دماء كثيرة.