أخبار عاجلة
الرئيسية » وثائق وبيانات » سليم حاطوم المتهور الأحمق الذي اوصل العلويون للحكم ثم قتلوه / الشماعة التي اتخذها حافظ الأسد لتطهير الجيش من الضباط الدروز

سليم حاطوم المتهور الأحمق الذي اوصل العلويون للحكم ثم قتلوه / الشماعة التي اتخذها حافظ الأسد لتطهير الجيش من الضباط الدروز

ولد سليم حاطوم سنة 1928م لعائلة فقيرة من قرية دبين التابعة لجبل الدروز في سوريا، ودرس في مدارسها. انتسب لحزب البعث في بداية عهده في الأربعينات، دخل الجيش وبنى نفسه بنفسه، وظل يتدرج فيه حتى أصبح مقدماً، كان سليم حاطوم طموحاً شجاعاً وحتى طائشاً، ولكن بدون دهاء سياسي. شق طريقاً جعله يلعب دوره في انقلاب الثامن من آذار سنة 1963م الذي قام به الضباط البعثيون على الحكومة الشرعية، وتسنى لهم أن يسيطروا على مقاليد الحكم ويفرضوا على البلاد حالة الطوارئ، ونظام الحزب الواحد . ومكافأة لحاطوم الذي كان مسؤولاً عن كتيبة الصاعقة التي تتولى حماية القصر الجمهوري ومواقع استراتيجية أخرى، تم ضمه إلى اللجنة العسكرية، وهي لجنة سرية شكلها ضباط بعثيون سوريون في سرب الطيران الليلي في مصر عام 1960، إبان الوحدة السورية المصرية لماّ رأى هؤلاء أن الوحدة لا تحقق أهداف حزبهم، وكان هدفهم: إعادة بناء حزبهم الذي حلّ سنة 1958، ووصول البعث إلى السلطة ثم النظر في قضية الوحدة العربية. وقد شكلها في البداية النقيبان حافظ الأسد وعبد الكريم الجندي والرائدان صلاح جديد وأحمد المير والمقدم محمد عمران وانضم إلى شبكتهم أعداد من الضباط، وقدر لهذه اللجنة فيما بعد أن تغير مجرى تاريخ سوريا. ويلحظ المتابع غلبة الوزن الطائفي على اللجنة منذ تشكيلها الأول، وقد كان (البعث) غطاء للتحركات المريبة التي لم يكتشفها القادة البعثيون إلا بعد حين. والتحاق سليم حاطوم باللجنة جاء ممثلاً لطائفة الدروز فاكتمل بذلك تمثيل الطوائف المذهبية (العلويون ـ الدروز ـ الإسماعيليون).11

لعب فريق اللجنة العسكرية دوراً قوياً في مصير الحكم في سوريا بعد انقلاب الثامن من آذار 1963، حيث عين هؤلاء قيادة قطرية جديدة أمينها العام الفريق أمين الحافظ، الذي يبدو للعالم الخارجي بأنه رجل سوريا القوي إذ كان يمسك بيديه مناصب رئيس مجلس الرئاسة والأمين العام للقيادة القطرية والقائد العام للجيش ورئيس الوزراء. ولكن في حقيقة الأمر كانت اللجنة العسكرية هي التي تمسك بلجامه من خلف الكواليس. وكان أمين الحافظ غطاء لاستبعاد القيادات السياسية الثقيلة للحزب: البيطار وعفلق والحوراني وغيرهم.

ولماّ حاول محمد عمران المطرود سابقاً من اللجنة العسكرية، والذي استدعي من مدريد ليعين وزيراً للدفاع في حكومة أمين الحافظ أن يختبر سلطاته الجديدة بنقل سليم حاطوم واثنين آخرين وكلهم من أنصار صلاح جديد إلى وحدات أخرى في الجيش، قامت اللجنة العسكرية بالرد على الضربة حيث شنت هجوماً ترأسه المقدم سليم حاطوم ووحدته الفدائية على منزل الفريق أمين الحافظ الذي قاوم ببسالة، وكانت حصيلة القتال خمسين شخصاً واستسلام أمين الحافظ، وتولّي اللجنة العسكرية بقيادة صلاح جديد وحافظ الأسد مقاليد الحكم الفعلي.

إذاً النظام البعثي بكامله أصبح مديناً بوجوده للمقدم سليم حاطوم، فشعر هذا أن الدَّيْن لم يسدد له، خاصة وأنه لم يتم انتخابه في القيادة القطرية الجديدة للحزب، ولم يحصل على رتبة عالية أو منصب كبير، وبدلاً من ذلك أعيدت كتيبة الصاعقة التابعة له إلى الوظيفة الرتيبة في حراسة محطة الإذاعة والتلفزيون وغيرها من المنشآت. فآذت هذه الضربة كبرياءه ولم ترض طموحه، وشعر بأن زملاءه في اللجنة العسكرية يريدونه أن يتحمل وحده اللوم على قتل ضحايا 23شباط 1966، وهم يخططون للتخلص منه، ثم إقامة تمثال له لتكريمه. فأصبح حاطوم القلق بؤرة للشقاق.

راح سليم حاطوم ينحاز إلى البعثيين القدامى أنصار عفلق والبيطار المطاح بهم، والذين كانوا يبحثون عن حلفاء عسكريين، وكانت خطوته التالية إقامة لجنة عسكرية تابعة له ترأسها ضابط درزي آخر هو اللواء فهد الشاعر… ووضعت خطط الانقلاب، ولكن في كل مرة حدد فيها تاريخاً مقترحاً كان يحدث خطأ ما. وقبل تنفيذ الانقلاب في الموعد المقترح يوم 3أيلول 1966، اكتشفته السلطات فعلاً.

ففي ذات مساء في آب دعي مجموعة من الضباط إلى حفلة شربوا فيها عرقاً حلّ عقدة ألسنتهم، فبدأ بعض الضباط المؤيدين للشاعر بشتم جديد والأسد والقيادة الجديدة، بينما هب آخرون للدفاع عنهم، وانفجر الشجار بينهم فألقي القبض عليهم وسيقوا للمثول أمام محكمة تحقيق  عسكرية كان من أعضائها سليم حاطوم نفسه، أي أن المتآمر بدأ يلعب دور المحقق في استجواب تمثيلي صوري، أخذ حاطوم خلاله يتظاهر بضرب الضباط وهو يهمس في آذانهم في الوقت نفسه قائلاً (سوف أقتل كل من يتكلم).

كان صلاح جديد يتابع القضية من دمشق فعين لجنة تحقيق من بين أعضائها عبد الكريم الجندي رئيس جهاز الأمن القومي الذي لا يرحم، فضرب الضباط الشبان ضرباً مبرحاً حتى اعترفوا بأسماء أكثر من مائتي ضابط مشتركين في المؤامرة كان أكثرهم دروزاً.

اختفى اللواء فهد الشاعر، كما هرب البعثيون المدنيون للنجاة بأرواحهم، أماّ سليم حاطوم فجناحه في المؤامرة لم ينكشف بعد.

لكن للقضية ملحق عرّض جديداً والأسد ونظام الحكم للخطر، فقد أدى تطهير الجيش من الدروز بعد التحقيق إلى ضجة كبرى في العاصمة الدرزية السويداء، ولتهدئة الأمور أعلن صلاح جديد أنه سيسافر بنفسه إلى السويداء مصطحباً معه رئيس الدولة ـ الشكلي ـ الأتاسي .

أماّ حاطوم الذي خشي أن ينكشف بسرعة ويسجن، فقرر مع أصدقائه أن يصطادوا جديداً والآخرين في السويداء، ويسيطروا على الحكم، فقاموا بترتيباتهم… وهكذا وفي يوم 8 أيلول 1966، وبينما كان جديد قد جمع عدداً من الشخصيات المحلية البارزة في مكتب قيادة فرع الحزب في السويداء، دخل عليهم فجأة سليم حاطوم وبيده مدفع رشاش وهدد بأن يحصدهم برصاصه جميعاً وتبع ذلك ذعر وصراخ، وأخيراً تمكن كبار رجال الدين الدروز من ضبط حاطوم لأنهم لم يقبلوا أن يتعرض للأذى ضيوف في حمايتهم. ومع ذلك فقد حبس صلاح جديد والآخرون تحت الحراسة في منزل أحد الحزبيين، بينما سيطر حاطوم بمساعدة رئيس فرع المخابرات العسكرية بالسويداء على مقر الحامية وألقى القبض على الضباط العلويين هناك وجردهم من رتبهم.

لكن حاطوم المنتصر مؤقتاً لم يكن قد حسب حساب الأسد الذي أرسل نفاثات سلاح الجو لتحوم فوق قلعة السويداء، وتبع ذلك حديث غاضب بالهاتف بين الأسد في دمشق وحاطوم في السويداء الذي طالب بتطهير الحزب من الجديديين وبأن يعود إلى القيادة القطرية الماركسي الدرزي حمود الشوفي، غير أن سماع صوت الطائرات جعل حاطوم يدرك أن قضيته خاسرة حتماً. وهكذا أخذ الطريق الوحيدة إلى الخارج، الطريق جنوباً نحو الأردن حيث أعطاه الملك حسين ـ الذي لم يكن صديقاً للنظام في دمشق ـ حق اللجوء السياسي ومعه بضعة وعشرون ضابطاً من رفاقه، وفي الأيام القليلة التالية قام سليم من منفاه بتغذية اللهيب في سلسلة من المقابلات الصحفية شجب فيها التطلعات العلوية وطموحاتها التي أعلن أنها أوصلت سورية إلى حافة الحرب الأهلية. وفي آذار 1967، حكم على سليم حاطوم غيابياً بتهمة التجسس لحساب إسرائيل. وبعد شهرين فقط كانت سوريا تخوض الحرب ضد إسرائيل، وفي اليوم السادس من الحرب أعلن سليم حاطوم أنه عائد إلى سورية ليقاتل، ولعله قد تصور بسذاجة أن الحرب مسحت صفحة الماضي، فاستقبله ضباط الأمن واقتادوه إلى دمشق حيث سيق للمثول أمام المحكمة العسكرية التي أكدت عليه حكم الإعدام مع رفيقه بدر جمعة. وقد قام عبد الكريم الجندي بتكسير أضلاعه قبل إرساله لتطلق عليه النار وهو نصف حي في الخامسة من صباح 26 حزيران عام 1967… ولعل هذه الوحشية في انتقام الجندي سببها الإهانات التي وجهها إليه حاطوم. فعندما كان حاطوم يشهّر بالحكومة السورية اتصل بالجندي هاتفياً بوقاحة، وطلب منه أن يرسل إليه زوجته لتنضم إليه، وعندما رفض الجندي انهال عليه حاطوم بشتائم مقذعة. وكان آخر طلب لحاطوم قبل موته هو السماح لزوجته بالاحتفاظ بوظيفتها كمعلمة لتتمكن من تربية أطفالها. وبعد ثلاثة أعوام وعندما أصبح الأسد رئيساً لسورية بعد تخلصه من صلاح جديد، استقبل أرملة سليم حاطوم ومنحها معاشاً.

شهر حاطوم باستهتاره وسكره وعربدته، وتحديه لمشاعر الشعب السوري والأكثرية السنية بشكل خاص، وهو الذي اقتحم المسجد الأموي في دمشق على ظهر فرقته المدرعة وكسر باب المسجد وذلك في أواسط الستينات، ولعله كان بذلك يقوم بدور العصا الغليظة للجنة العسكرية من حيث يدري أو لا يدري.

 

أكرم الحوراني يكتب عن محاولة إنقلاب سليم حاطوم

اكتشاف التنظيم العسكري للقيادة القومية وفشل محاولة سليم حاطوم الانقلابية.

بعد انقلاب 23 شباط ، شعر البعثيون من أبناء جبل العرب بانهم على طريق التصفية من الحزب ومن الحكم، فقد طرد حمود الشوفي من الحزب وقبض على منصور الأطرش وشبلي العيسمي وعزل حمد عبيد الذي كان وزيرا للدفاع وكان يتوقع أن يبقى في هذه الوزارة بعد 23 شباط ولكن بدلا من ذلك ألقي القبض عليه وأحيل للمحاكمة بتهمة التمرد.

بينما بقي منيف الرزاز بعد 23 شباط مختفيا في دمشق فتمكن من تأليف لجنة عسكرية تابعة للقيادة القومية بقيادة فهد الشاعر من ابناء جبل العرب الذي كان نائبا لرئيس الأركان وقائدا سابقا للجبهة.

كنت في لبنان آنذاك، وقد أخبرني أحد الضباط المؤيدين للفريق أمين الحافظ أثناء مروره في بيروت ، ان سليم حاطوم يتصل أيضا بالقيادة القومية للاتفاق معها على القيام بانقلاب ، ولكن هذه القيادة كانت مترددة ، لأنها لا تثق به نظرا لمشاركته السابقة بانقلاب 23 شباط.

والذي لفت نظري آنذاك ما نشرته الصحف عن استقبال سليم حاطوم في مطار دمشق عند عودته من كوبا التي كان موفدا إليها يرافقه أحمد المير (من الطائفة الاسماعيلية، وكان قائدا للجبهة أثناء حرب حزيران) فقد خرجت القطعات العسكرية التابعة لحاطوم والمعسكرة حول دمشق لاستقباله، وهو أمر يخرج عن الانضباط العسكري ، ولا يجري حتى لرؤساء الدول.

ويتحدث باتريك سيل في كتابه عن حافظ أسد، عن ملابسات اكتشاف تنظيم القيادة القومية الذي يترأسه فهد الشاعر بما يلي :

” ان العقيد طلال أبو عسلي قائد القطاع الشمالي قد دعي الى جلسة شراب حضرها عدد من الضباط، وعندما حل الشراب عقدة الألسنة بدأ الضباط المؤيدون للرزاز وفهد الشاعر يشتمون صلاح جديد وحافظ أسد مما أدى الى شجار بين الضباط، وقد تولى رئيس الأركان أحمد سويداني التحقيق في هذه القضية بعدما ألقى القبض على عدد من الضباط الذين سيقوا الى محكمة عسكرية كان حاطوم بين أعضائها، أي ان المتآمر كان يلعب دور المحقق، وقد ارتاب صلاح جديد بهذه المحاكمة، فعين لجنة تحقيق جديدة تولاها عبد الكريم الجندي رئيس جهاز المخابرات (أو الأمن القومي كما كانوا يسمونه) فعذب الضباط عذابا شديدا اعترفوا معه بانتمائهم الى تنظيم فهد الشاعر، وكان من نتيجة هذا الاعتراف أن ألقي القبض على اكثر من مئتي ضابط، كان عدد كبير منهم من الطائفة الدرزية.

بعد هذه الاحداث اختفى اللواء فهد الشاعر وهرب منيف الرزاز الى لبنان، بينما أدى تطهير الجيش من الضباط الدروز الى ضجة كبيرة في السويداء، فسافر صلاح جديد إليها مصطحبا معه رئيس الدولة الدكتور نور الدين الأتاسي وجميل شيا العضو الدرزي الوحيد في القيادة القطرية لتهدئة الأمور، .. ومع ان جناح حاطوم في المؤامرة لم ينكشف بعد، فقد كانت هذه الزيارة فرصته السانحة ليصطاد جديد والآخرين وليطيح بالحكم”(ص 184-185).

بعد فشل حاطوم ولجوئه الى عمان روى للصحف أسباب ووقائع ما جرى في السويداء بما يلي :

كل ما في الأمر اننا حاولنا تصحيح الاوضاع القائمة بعد أن انجرف حكام دمشق مع الشيوعيين الذين سيطروا على أجهزة الحكم واتخذوا من حزب البعث واجهة لهم، وعندما وجدنا أن الحكم في سورية ليس حكم البعث، وان الشيوعيين قد اكتسحوا منظمات الحزب، وجروها للانحراف. إن السوريين يعرفون اتجاهات عبد الكريم الجندي الحمراء، وأعمال قريبه خالد الجندي التعسفية وتشكيله محكمة التفتيش التي أخذت تعتقل المواطنين وتشرف على تعذيبهم.

وعندما سئل عن وقائع محاولته الانقلابية قال :

الحقيقة أننا لم نلجأ الى الاساليب الانقلابية السابقة، ولكننا اغتنمنا فرصة وجود نور الدين الأتاسي واللواء صلاح جديد في السويداء وطلبنا منهم الافراج عن مئة ضابط من رفاقنا من ضباط الجبهة كانت السلطات قد اعتقلتهم دون مبرر، كما طلبنا منهم تصحيح الاوضاع والتخلص من العناصر الشيوعية، وقد احتجزناهما ريثما تنفذ هذه المطالب، واستضفت في دار والدي بالسويداء الدكتور نور الدين الأتاسي، وأضاف الأخ طلال أبو عسلي في داره اللواء صلاح جديد، ولقد تنصل الدكتور نور الدين الأتاسي من اعتقالهم، في حين وعد صلاح جديد بالافراج عن رفاقنا الضباط وإذاعة بيان عن ذلك فور وصوله إلى دمشق.

وفي صباح اليوم التالي تعهد الأتاسي وجديد أمام قادة حزب البعث في السويداء بالبر بوعودهما وسافر الأتاسي الى دمشق، ولما حاولنا الاتصال به لسؤاله عما فعل لتحقيق الوعد، كان الجواب الوحيد انه غير موجود، وفوجئنا بعد ساعات بالطائرات تحوم فوق السويداء، ووصلتنا معلومات بأن قوات مدرعة في طريقها إلينا لضربنا فلما استفسرنا من اللواء جديد الذي بقي عندنا، قال دعوني أذهب الى دمشق لانهي القضية فوافقنا ، فسافر الى دمشق ، ومن إذاعتها أذيع بيان بالهجوم علينا، ثم أنذرنا بتدمير وحرق السويداء بالصواريخ، وحقنا للدماء قررنا عدم المقاومة واللجوء الى الأردن كمرحلة نستعد فيها للعودة ثانية لاسقاط الحكم في دمشق”

كما أشار في أحاديثه المختلفة للصحف الى طائفية حكم 23 شباط وتفتيته الوحدة الوطنية والى طائفية القيادة القطرية التي يقودها صلاح جديد ونور الأنوار ابراهيم ماخوس (وهي رتبة مذهبية عند العلويين)، وذكر ان لجنة تتألف من حافظ أسد وصلاح جديد وعبد الكريم الجندي وأحمد سويداني ومحمد عيد عشاوي تشرف على أساليب التعذيب في سجوم الحلبوني والقابون والكسوة والمزة والضمير واقبية المخابرات في المحافظات وفي قصر اتحاد العمال.

وفي دمشق أصدرت القيادة القطرية بلاغا عن حادث السويداء جاء فيه :

إن نفرا من المغامرين قام بتاريخ 8/9/1966 وعلى رأسهم سليم حاطوم بتدبير مكيدة دنيئة بمساعدة “نفر من الذين خانوا النضال الطبقي” وذكر البلاغ أسماء هلال رسلان وخالد الحكيم ونبيل شويرى بعد أن كال لهم مختلف النعوت.

أما الحقائق التي لم يكشف عنها حاطوم ولا بيان القيادة القطرية فهي ان سليم حاطوم كان قريبا من حافظ أسد في مواجهة نفوذ صلاح جديد، ولم يكن بتقدير حاطوم أن يوجه إليه حافظ الأسد إنذاره بتدمير السويداء إذا لم يكف عن محاولته، ولم يكن حاطوم مغفلا للدرجة التي لا يقدر فيها أن نجاح محاولته مرهون بموقف حافظ أسد.

وقد أشارت جريدة الحياة الى ذلك بتاريخ 13/11/66 اعتمادا على بعض المصادر البعثية التي صرحت “بأن حاطوم كان يعتمد على تأييد اللواء حافظ أسد في حركته، ولكن ذلك لم يتم وكان من أهم أسباب فشل الحركة”. كما أشارت بتاريخ 17/11/66 استنادا للمصادر نفسها “أن حافظ أسد أبلغ حاطوم عن نية صلاح جديد لاقصائه عن الجيش، وأن جديد طلب من أسد الوقوف الى جانبه في عملية التصفية هذه إلا أن أسد أكد لحاطوم أنه لن يتخلى عنه، وطلب منه أن ينتبه لأية محاولة يمكن أن يقوم بها صلاح جديد”.

وهكذا فإن حافظ أسد وجد فرصته السانحة في عملية السويداء، فبعد أن قضى انقلاب 23 شباط على نفوذ مجموعة الضباط المناصرة لأمين الحافظ والقيادة القومية فإن التمرد في السويداء أتاح له التخلص من أحد أهم مراكز القوى التي كان يراها حائلا دون تحقيق أهدافه ، فقام بعدها، وبموافقة صلاح جديد الذي أنقذ حياته، وقبيل حرب حزيران ، بعملية تسريح ضخمة بين ضباط الجيش تناولت حوالي أربعين ضابطا، أضيفوا الى العدد الكبير الذين سرحوا منذ انقلاب الثامن من آذار تحت مختلف الذرائع.

لقد روعت سورية ودمشق بصورة خاصة، بعد أحداث السويداء مما دعاه النظام (بالكتائب العمالية المسلحة) التي كان يشرف عليها خالد الجندي المعين من قبل النظام رئيسا لاتحاد نقابات العمال، فقد تسلمت هذه الكتائب الاسلحة ونزلت الى الشوارع لتنفذ قرار منع التجول رافعة شعار تصفية أعداء الثورة، متجاوزة كل القوانين، وأصبح ما تفعله هو القانون، فقد طالب خالد الجندي في مجلة الاشتراكي الصادرة في 12/9/66 بالاعتراف بقانون واحد هو قانون الثورة، ووصف المتباكين على حرمة القانون والداعين لاحترامه بأنهم من الرجعيين وعملائهم، وان الهدف من تشكيل هذه الكتائب هو تصفية الرجعيين من أعداء الثورة، وكان الجندي قد هاجم بعض الدوائر الحكومية (منها الهيئة العامة للبترول) متسلحا بالسلاسل الحديدية وسحب بعض موظفيها عنوة من وراء مكاتبهم بتهمة انهم من العائلات البورجوازية.. وصرح لجريدة الثورة بأن قوائم قد وضعت بأسماء العائلات البورجوازية التي يجب طرد ابنائها من وظائفهم، ثم قال:

“لقد طردناهم وحجزنا حريتهم فاضطروا لتقديم استقالاتهم، وقدموا ضمانات بأنهم لن يحاولوا العودة الى أعمالهم ومن يخالف فسوف يتعرض لعقوبة الاعدام”

وفي الوقت نفسه، ومن عمان حيث كان لاجئا إليها بعد أحداث السويداء، صرح خالد الحكيم رئيس اتحاد نقابات العمال، ان الكتائب المسلحة التي روعت المواطنين ليست من العمال بل من جنود اللواء سبعين، وعلى كل حال فإن تصرفات الكتائب المسلحة قد أقلقت سورية ويقال بأن زعين كان اول من عارضها وأيده صلاح جديد مما أدى الى إبعاد الجندي الى اللاذقية حيث كان من عمال المرفأ، وصدر بيان باسمه يعلن حل هذه الكتائب.

لم يمض وقت طويل على اختفاء فهد الشاعر بعد انكشاف تنظيمه ، حتى ألقى القبض عليه، وقام على تعذيبه مدير المخابرات عبد الكريم الجندي ويقال أنه أرغمه على المشي على يديه ورجليه كالحيوانات وركب معذبوه على ظهره، بالاضافة الى إلقائه في المياه القذرة.

أما سليم حاجطوم فقد لقي مصرعه بعد عودته من عمان، إثر حرب الخامس من حزيران، لينضم إلى الجيش متصورا أن عودته لدمشق ستكون موضع ترحيب من قبل حافظ أسد، وان علاقته السابقة معه ستشفع له، ولكن ما إن وصل الى السويداء حتى ألقي القبض عليه وسيق الى دمشق ليتولى عبد الكرم الجندي تعذيبه والانتقام منه حيث دقت عظامه وكسرت أضلاعه.

إن الصورة التي تم بها تنفيذ الاعدام بسليم حاطوم، وبدر جمعة وغيره من الضباط العائدين من عمان كانت محزنة جدا فقد أطلقت عليهم النار بعد تعذيبهم أشد العذاب، وهم في حالة النزع الأخير.

وفي الشهور الأولى من عام 1967 مثلت أمام المحكمة العسكرية في حمص التي تشكلت بعد الثامن من آذار، حيث كان رئيسها مصطفى(1) طلاس المعين من قبل رفيقه حافظ أسد، أعداد كبيرة من الضباط والمدنيين فحكم على فهد الشاعر وعدد من العسكريين والمدنيين بالاعدام، إلى جانب الاحكام الأخرى، ولكن حكم الاعدام لم ينفذ بفهد الشاعر بسبب هزيمة حزيران، وظل الشاعر رهين السجن مع قوافل من انضم إليهم من الذين اعتقلوا بعد ذلك ، من مختلف الفئات السياسية والحزبية والنقابية، عندما نجح حافظ أسد بانقلابه على صلاح جديد الذي أسماه الثورة التصحيحية عام 1970، فاعتقل على أثره صلاح جديد ونور الدين الأتاسي ويوسف زعين ورئيس الأركان أحمد سويداني والعديد من اعضاء الحكومة والقيادات الحزبية والعسكرية، ثم انضم الى هؤلاء ألوف المعتقلين في السبعينات والثمانينات، ولا سيما بعد حركة نقابات المحامين والأطباء والصيادلة والمهندسين التي طالبت بالحكم الديموقراطي ، وبعد المجزرة الرهيبة التي قام بها جيش رفعت الأسد بمدينة حماه (خلال شهر شباط 1982) فذهب ضحيتها أكثر من ثلاثين ألفا من السكان الأبرياء ، حيث دمر تدميرا تاما اكثر من ثلث المدينة على رؤوس المواطنين الآمنين، وكانت قد سبقت هذه المجزرة في أوائل صيف 1980 مجزرة سجن تدمر التي ذهب ضحيتها اكثر من 700 سجين بأمر من رفعت أسد قائد سرايا الدفاع، وقد قامت بهذه المذبحة عناصر من السرايا بقيادة معين ناصيف زوجة تماضر ابنة رفعت الأسد.

ولا يزال جميع من اعتقلوا في سجون حافظ أسد حتى كتابة هذه السطور من عام 1991.

1- عبد الغني قنوت يعمل على شق وحدة تنظيم الاشتراكيين العرب.

2- تشكيل وزارة يوسف زعين الثانية بعد انقلاب حاطوم.

عندما كنت أقضي شهور الصيف من عام 1966 في بلدة حمانا في لبنان، زارني عبد الغني قنوت وعبد الفتاح زلط وأخبراني أن صلاح جديد قد اجتمع بهما وقال لهما معاتبا :

هل يرضى الاستاذ اكرم ان يقع انقلاب جديد في سورية يقضي على مجموعات أخرى من الجيش السوري، وذلك في معرض حديثه عن وجوب مؤازرة الاشتراكيين العرب لحركة 23 شباط. قلت لهما :

أرجو تبليغ صلاح جديد انه لا يمكن أن نشجع أو نتبنى أي انقلاب عسكري مهما كان لونه، وأننا حريصون كل الحرص على عدم توجيه ضربة جديدة للجيش السوري الذي انشأه الشعب على حساب لقمته للمحافظة على استقلال البلاد وحماية دستورها وحرية مواطنيها، واننا نعتقد أن العودة الى النظام البرلماني الديموقراطي هو الذي يحول دون توالي الانقلابات العسكرية التي أرهقت سورية وافقرتها وأضعفتها وشقت وحدتها الوطنية، وقد تحملنا في سبيل هذا الموقف المبدئي الاضطهاد والاتهامات الظالمة والاقامة الاجبارية والاعتقال منذ انقلاب الثامن من آذار اكثر من أي حزب أو فئة أخرى في البلاد.

وعلى الرغم من أن عبد الفتاح قد أخبرني بعد ذلك بأن عبد الغني قنوت قال له بأن صلاح جديد يود التعرف على شباب من تنظيم الاشتراكيين العرب فإنني لم أرتب بموقف عبد الغني ونواياه.

بعد أربعة أشهر من زيارة حمانا، عمل عبد الغني قنوت على عقد مؤتمر للاشتراكيين العرب، انتخب قيادة جديدة قررت الاشتراك بالحكومة التي يزمع يوسف زعين على تاليفها، الأمر الذي أدى الى انسحاب رياض المالكي وبشير الأحمر وعدد آخر من تنظيم الاشتراكيين العرب نهائيا لمخالفتهم هذا القرار، واثر انقسام التنظيم بين مؤيد ومعارض للاشتراك بالحكم اجتمع بي في بيروت عبد الفتاح الزلط وخليل الكلاس ومصطفى حمدون وعدنان حمدون وعدد من الشباب فنددت بموقف قنوت الذي سبب انقسام التنظيم، وطالبت بعدم الاشتراك بالحكم لأن ذلك مخالف لمبادئ الاشتراكيين العرب كما طالبت بالعمل لعودة رفاقنا المنسحبين، ولم أشأ اتخاذ قرار بطرد عبد الغني قنوت ومؤيديه على أمل أن يحل الحوار الديموقراطي هذه المشكلة ولا سيما أن تأثيري على التنظيم قد ضعف بعد أن أصبحت خارج البلاد، ولكن أملي قد خاب لأن عددا من قيادات الحزب (علي عدي وغيره) كانت متأثرة بصلاتها مع الاتحاد السوفيتي والحزب الشيوعي.

لقد أثار قرار الاشتراك بالحكم بلبلة شديدة في قواعد الحزب، فزارني في بيروت بعد ذلك عدد كبير من قيادات الفروع وأظهروا لي معارضتهم وامتعاضهم وشكوكهم بموقف عبد الغني قنوت ومؤيديه، بينما أصبحت موقنا بأن عبد الغني قنوت كان متفقا مع صلاح جديد ويوسف زعين على إبعادي من سورية، حتى يتمكن من شق التنظيم واحتوائه لمصلحة البعث، وقد نجحت مؤامرة قنوت فتم اشتراك الشاب فتحي علوش وهو محامي من حماه وشقيق الشهيد محمد علوش الذي تحدثت عن اغتياله من قبل جماعة فيصل العسلي في بداية هذه المذكرات، وكان هذا الاختيار إحراجا لي لما للشهيد محمد ولأخيه فتحي من منزله خاصة في نفسي كما أن فتحي لم يتمكن من رفض اغرائه بالوزارة الذي تم بالاتفاق مع صلاح جديد وكان على معرفة وصلة سابقة به.

لقد شكل الدكتور يوسف زعين الوزارة بتاريخ 18/11/66 بعد كشف مؤامرة حاطوم وتنظيم فهد الشاعر على النحو التالي :

الدكتور يوسف زعين لرئاسة الحكومة (بعثي)، الدكتور ابراهيم ماخوس نائبا للرئيس ووزيرا للخارجية (بعثي)، فائز الجاسم وزيرا للزراعة والاصلاح الزراعي(بعثي)، صالح المحاميد وزيرا للشؤون البلدية والقروية، اللواء محمود جابر وزيرا للأشغال العامة والثروة المائية، سليمان الخش وزيرا للتربية والتعليم(بعثي)، مشهور زيتون وزيرا للتموين (بعثي)، محمد عيد عشاوي وزيرا للداخلية (بعثي)، موفق الشربجي وزيرا للمالية (مستقل)، عبد الحميد الحسن وزيرا للتخطيط (من أنصار الشيوعيين)، سميح عطية وزيرا للمواصلات (ممثل الحزب الشيوعي)، الدكتور عبد الرحمن الأكتع وزيرا للصحة (من أنصار الحزب الشيوعي)، محمد رباح الطويل وزيرا للشؤون الاجتماعية والعمل (عسكري بعثي)، الدكتور أحمد مراد وزيرا للاقتصاد، المهندس أسعد تقلا وزيرا للنفط والكهرباء والمشروعات الصناعية، محمد الزعبي وزيرا للاعلام والثقافة والسياحة والارشاد القومي (بعثي)، الدكتور عبدالله الواثق شهيد وزيرا للتعليم العالي (يساري)، أدهم مصطفى وزيرا للدولة (من الوحدويين الاشتراكيين)، فتح الله علوش وزيرا للعدل (من تنظيم الاشتراكيين العرب)، زهير الخاني وزير دولة لشؤون مجلس الوزراء (من أنصار الشيوعيين)، المهندس عدنان عزوز (من أنصار الشيوعيين)، اللواء حافظ أسد الذي تولى اختصاصات وسلطات وزير الدفاع بالاضافة الى منصبه بقيادة القوى الجوية.

والذي يلاحظ ان الناصريين لم يشركوا بهذه الحكومة بالرغم من التحالف التكتيكي الذي أقامه الاتحاد السوفيتي بين النظامين المصري والسوري بل ظل العداء وعدم الثقة مستحكمين بينهما وظل كل منهما يتربص بالآخر.

أما فتحي علوش فقد تعهد، تهدئة للاستنكار الذي قوبل به اشتراكه في الحكم من قبل معظم قواعد الاشتراكيين العرب، بأنه سيقدم مذكرة لحزب البعث والحكومة تتضمن وجهة نظر الاشتراكيين العرب في الحكم للخروج من الأزمة التي تعانيها سورية، والتي ترى ضرورة العودة الى الحياة البرلمانية الديموقراطية والتعاون بين جميع الفئات السياسية في سورية وقد أشارت جريدة الحياة بتاريخ 22/11/66 الى الاتصالات التي كانت تتم بين صلاح جديد وبين بعض الاشتراكيين العرب..

محمود حبش يكتب عن محاولة إنقلاب حاطوم

في بداية الثلث الثاني من شهر شباط 1966 أصدر وزير الدفاع اللواء محمد عمران ، بناء على قرار القيادة القومية ، أمرا بنقل الضابطين الرائد سليم حاطوم والرائد عزت جديد – وهو لا يمت بأية صلة قرابة للواء صلاح جديد – من وحداتهم العسكرية ، ويعتبر هذا النقل مساسا بموازين القوى التي كانت في صراع بعد حل القيادة القطرية ، وأن هذا النقل يأتي قبل أيام من موعد محتمل لانعقاد المؤتمر القطري في دورة استثنائية يوم 25/2/1966 لمناقشة الأزمة بين القيادتين القومية والقطرية ، وكان قرار هذا النقل من الأسباب التي حملت القيادة القطرية المؤقتة على تبني العمل العسكري كخيار أخير لحسم الصراع في الحزب . في ليلة 22/23/شباط 1966 وبعد أن قررت القيادة القطرية المؤقتة بكامل أعضائها القيام بعد منتصف الليل بعمل عسكري تنفذه في دمشق وحدتا الرائد حاطوم المتمركزة في معسكر حرستا والرائد عزت جديد المتمركزة في معسكر القابون . طلب مني اللواء حمد عبيد ، عضو القيادة القطرية المؤقتة ووزير الدفاع قبل حل القيادة القطرية ، أن نذهب معا إلى منزله في جادة الخطيب ليرتدي بدلته العسكرية ، ثم نعود إلى المنزل الذي اتخذ كمقر للقيادة – منزل جميل شيا في حي المهاجرين – ومن هناك ينطلق اللواء حمد إلى مهمته في معسكرات قطنا . وفي طريق ذهابنا إلى منزله ، طلب اللواء حمد مني أن أرشحه في اجتماع القيادة بعد تنفيذ الحركة إلى منصب وزير الداخلية ، لأن منصب وزير الدفاع كان قد تقرر قبل أيام من تنفيذ الحركة ، وسمي اللواء حافظ الأسد لهذا المنصب . حين وصل اللواء حمد عبيد إلى معسكرات قطنا ، أبلغ من قبل الضباط الموالين للقيادة القطرية المؤقتة أنهم يسيطرون بشكل كامل على المعسكرات ولا حاجة لوجوده ، وقد تحتاجه القيادة في مكان آخر . كلفت القيادة القطرية اللواء حمد عبيد الإشراف على النواحي العسكرية والأمنية في حلب ومطاردة الرائد بدر جمعة – من أنصار الفريق أمين الحافظ – الذي استطاع – وكان مديرا للكلية الحربية – أن يسيطر بالتعاون مع الضابط مصطفى عبدو في حماه على بعض الآليات والمدافع ، ويهرب بها نحو حلب . وصل اللواء حمد عبيد إلى حلب التي وصل إليها أيضا عضو القيادة القطرية مصطفى رستم ليتعاونا في معالجة الوضع المبلبل في حلب ، ولكن اللواء حمد بدأ باتصالات سرية مع بدر جمعة وعبد الغني برو ، رئيس فرع المخابرات في حمص قبل الحركة ، وتمت بينهم عدة اجتماعات في بيت أحمد أبو صالح اتفق خلالها على السيطرة على حلب ، ثم إجراء اتصالات مع المقدم مصطفى طلاس للاستيلاء على المنطقة الوسطى فتكون دعما للجيوب التي تشكل قوة لهم في المنطقة الجنوبية ، وبذلك يقومون بعملية ارتدادية على الحركة .

حضر أحمد أبو صالح يوم 8/3 إلى دمشق والتقى في بيت خالد الحكيم بدوما ببعض الأشخاص من مجموعة ” حمود الشوفي ” وأبلغهم عن حركة عسكرية ارتدادية سيقوم بها اللواء حمد عبيد والرائد بدر جمعة . كان المقدم مصطفى طلاس قد أبلغ القيادة عن النشاط التآمري للواء حمد ، كما أبلغ ، أيضا ، بعض من تم الاتصال بهم من الحزبيين المدنيين في حلب القيادة التي أدهشها ما يقوم به اللواء حمد ، وقررت تحريك كتيبة دبابات من اللواء الخامس بحمص ، كما قررت ، بنفس الوقت ، أن يتوجه رئيس الأركان اللواء أحمد السويداني إلى حلب لإنهاء الوضع المبلبل. لما وجد اللواء حمد عبيد والرائد بدر جمعة وبقية الضباط المتورطون معهم ، أن مخططهم لاقى الفشل ، ومع وصول اللواء السويداني وتوجه كتيبة الدبابات ، فر الرائد بدر جمعة إلى تركيا ومنها إلى لبنان . عاد اللواء السويداني برفقة الضباط الذين كانوا قد تورطوا مع اللواء حمد إلى دمشق جوا ، بينما عاد الأخير يوم 9/4 برا، ووضع نفسه تحت تصرف القيادة القطرية المؤقتة ، وهو أحد أعضائها ، وقد قررت القيادة اعتقاله وتمت فيما بعد محاسبته من قبل لجنة الكسب الغير مشروع التي كان قد أقرها المؤتمر القطري الاستثنائي لمحاسبة الحزبيين والمسئولين الذين استغلوا وجود الحزب في السلطة . ما أن انتهت مشكلة حلب بفترة وجيزة ، وتم تشكيل الوزارة ، بدأت الإعدادات لانتخابات حزبية لعقد المؤتمر القطري الثالث ،وانصرفت جهود القيادة للاتصال بالمنظمات الحزبية خارج سورية ، وخاصة منظمة الحزب في العراق ، تمهيدا لعقد مؤتمر قومي ، كما انصرفت جهود القيادة والوزارة ، أيضا ، إلى وضع البرامج العسكرية والاقتصادية والاجتماعية ، والعمل على تنفيذها . لقد أقدم حكم الحزب على استثمار النفط وطنيا، بعد أن كان وقفا على الاحتكارات البترولية، كما أقدم على مطالبة شركة نفط العراق بمئات الملايين من الليرات السورية، وهي حق الشعب الواضح والصريح لقاء مرور النفط في الأنابيب عبر سورية، كما كان الحكم عازما على اجتثاث كل مظاهر الاستعمار ومصالحه في سورية وداعيا إلى ذلك في بقية أقطار الوطن العربي، وبدأت الخطوات سريعة في هذا النطاق، كما بدأت عملية تعميق التحولات الاشتراكية، وبناء البنية التحتية لاقتصاد متين، وتمثل ذلك أكثر ما تمثل في توقيع اتفاقية بناء سد الفرات -حلم فلاحي سورية – مع الاتحاد السوفييتي ، بعد أن ماطلت المؤسسات الغربية في تمويل إنشائه . وكذلك، فإن من يقرر تبني حرب التحرير الشعبية إستراتيجية له في تحرير فلسطين وتصفية الوجود الاستعماري في المنطقة وصولا إلى الوحدة العربية، ويترجم هذه الإستراتيجية إلى وقائع حقيقية وخطوات عملية، يجب أن يدخل في حسبانه أن الأمر البديهي والطبيعي هو أن يتآمر الاستعمار ويحشد كل طاقاته وإمكانياته في معركته وأساليبه التآمرية ضد الحزب وثورته، ويقف جاهدا لإفشال كل المنجزات التي حققتها الثورة للجماهير في سورية ، وأن لا يغيب عن باله أنه معرض إلى تآمر مستمر، وأن ترصد مئات الملايين من الدولارات لتغذية هذا التآمر بغية تقويض النظام الثوري، والتخلص من قادة هذا النظام الذين أطلقت عليهم الدوائر الاستعمارية ” أصحاب الرؤوس الحامية “. إن قوى الاستعمار تعرف بثاقب نظرها، أنها لا يمكن أن تنال من حركة ثورية أصيلة، بالتآمر الخارجي أو التصدي المباشر، لذلك تلجأ إلى اعتماد أسلوب النفس الطويل، وإلى مقتل مضمون النتائج، ألا وهو البحث عن عناصر وقوى تؤجج بها النزاعات الداخلية، حتى ولو لم تكن مرتبطة بشكل مباشر بها، ولكنها ترعاها وتهيئ لها السبل للتفجير من الداخل. وبحكم المصالح الذاتية التي يكتشفها البعض خارج إطار النضال الثوري، تجعلهم غير قادرين على متابعة النضال ومواكبة مسيرة الحزب والثورة وينزلقون بالتالي إلى المواقع المضادة لمصالح الجماهير الكادحة التي تقوم الثورات أصلا من أجلها. كان الرجعيون في أوج نشاطهم، وبدؤوا بتحركات مريبة واتصالات مشبوهة قبل المؤامرة بأيام، وكانوا على صلات دائمة ودؤوبة مع العملاء الهاربين في الأردن ولبنان، وبندواتهم المكشوفة كانوا يبشرون بزوال العهد في مدة لا تتعدى الأيام القليلة، حتى أن البعض منهم كان يحدد يوم المؤامرة . بدأت الأردن بحشد قوات عسكرية على الحدود السورية، وأعطيت مهمات لهذه القوات المحتشدة .

وحينما حقق مع أحد المعتقلين الرجعيين الذي تربطه صلات ود وصداقة مع موظفي السفارة الأمريكية بدمشق، طرحت عليه أسئلة واستفسارات تتعلق بتصريحات السفير الأمريكي في سورية التي جاء فيها :” إن هذا العهد ذاهب خلال أيام ” ، فأجاب المحقق معه: أنه لما قيل للسفير الأمريكي، بأن تصريحاتك العلنية، وتأكيدك بزوال العهد، أمر مناف للأصول الدبلوماسية، وخاصة أن هذه الأقوال ستصل إلى المسؤولين، أجاب : لم يعد يهمني العرف الدبلوماسي، لأن البعث سيذهب عما قريب .

وكان قد صدر أمر بمنع دخول أحد المطارنة المعروف بعمالته للسفارة الأمريكية، إلى سورية فقال هذا المطران: ما قيمة هذا المنع، إذا كان الوضع سوف ينهار خلال عدة أيام، فليضبطوا أنفسهم قبل أن يمنعونا من دخول البلد؟ ،وفي اعتراف لجلال السيد، احد مؤسسي البعث وأحد الشخصيات البارزة في تاريخ السياسة السورية، قال: ” في المقابلة التي تمت بيني وبين أكرم زعيتر وزير خارجية الأردن، أخبرني بأن الوضع في سورية سينهار، خلال فترة قريبة، ومصير سورية إما إلحاقها بالأردن ، أو تقسيمها وضمها للدول المجاورة، وذلك للتخلص من النظام البعثي الشيوعي الذي أصبح سائدا في سورية ” .

في هذا الظرف المشحون بالتآمر، تم تهريب الأستاذ صلاح البيطار والأستاذ شبلي العيسمي من مكان احتجازهما في استراحة وزارة الدفاع بمنطقة القصور بدمشق إلى بيروت ، ورغم معرفة القيادة بأن هذا الهرب قد تم بمعرفة الرائد سليم حاطوم ، لأن عناصر الحراسة من وحدته العسكرية ، و الرائد مصطفى الحاج علي رئيس شعبة المخابرات العسكرية ، ولكن القيادة لم تول الأمر اهتماما لأن المحتجزين سيتم إطلاقهم قريبا . في العشر الأخير من شهر آب 1966 ، صرح الرائد مصطفى الحاج علي في اللاذقية أمام بعض أصدقائه من البعثيين أننا سنقضي على القيادة القطرية في وقت قريب جدا ، كما تم الكشف في القطاع الأوسط من الجبهة ،عن تنظيم عسكري سري ، واعتقل الرائد محمد أحمد النعيمي مع عدد من أفراد الخلية ورحلوا إلى دمشق للتحقيق معهم.

شكلت القيادة لجنة للتحقيق من بعض الضباط برئاسة الرائد سليم حاطوم ، وكان حث القيادة على السرعة بإنجاز التحقيق لمعرفة المنضمين إلى التنظيم ، دون جدوى ، مما اضطرها إلى تشكيل لجنة جديدة ، من رئيس الأركان اللواء أحمد السويداني ورئيس مكتب الأمن القومي عبد الكريم الجندي ووزير الداخلية محمد عيد عشاوي وقائد الجيش الشعبي محمد رباح الطويل ، وكشف التحقيق أن سليم حاطوم ومصطفى الحاج علي متورطون في هذا التنظيم ، وهما ممن كانوا يلحون ويطالبون القيادة القطرية المؤقتة لاتخاذ قرار بتحرك عسكري لإنهاء الأزمة في الحزب ، وهو القرار الذي نفذ ، أخيرا ، صبيحة 23 شباط . تبين من التحقيق أن هدف التنظيم العسكري هو القيام بحركة التفاف على حركة شباط وبالتالي ضربها والإطاحة بها، وبكل الأسس التي قامت عليها، وتم الاتفاق بين قادة التنظيم على وضع خطة عسكرية شملت كافة المناطق والقطعات العسكرية، وأصبح كل شيء جاهزا ، ووزعوا المناصب الرئيسية في الجيش والسلطة فيما بينهم، كما أن خطتهم للتعاون مع الفئات السياسية المختلفة أصبحت منتهية، وأصبح الكل في حالة تأهب للانقضاض على الحزب وثورته.

ساعد هذا الكشف المبكر على اعتقال سريع للرؤوس المتآمرة، وأدى إلى إحباط المؤامرة الواسعة ، ولكن القيادة لم تعتقل الرائدين سليم حاطوم ومصطفى الحاج علي ، وأنصارهما ، ودعتهما لحضور جلسات نقد ذاتي تقوم بها القيادة ، وعاملتهما كعضوين من أعضائها .

تبدأ قصة الاتصالات بين الأطراف المتعددة، بعد حركة 23 شباط بأيام ، وتتحرك أياد خفية لتجمع الخيوط المشدودة لها، إذ نشط كل من خالد الحكيم ونبيل الشويري ومحمود نوفل وأحمد أبو صالح وآخرين ( وهؤلاء كانوا قد قادوا تكتلا في الانتخابات الحزبية أيلول 1963 وأسقطوا الأستاذ صلاح البيطار في الانتخابات ، كما أنهم قاطعوا المؤتمر القومي السابع شباط 1964 وانشقوا عن الحزب وأسسوا بالتعاون مع كتلة علي صالح السعدي ما عرف بحزب البعث اليساري ، ولم يدم هذا الحزب طويلا إذ انشقت كتلة منه بتاريخ 17 نيسان 964 وأسست حزب العمال الثوري العربي ، بينما انفرط عقد الآخرين وطلب بعضهم العودة للحزب ، أما الباقون ومنهم الأسماء المذكورة وعرفوا بمجموعة حمود الشوفي عادوا والتفوا حول الأستاذ صلاح البيطار ) .

نشط الأشخاص المذكورون بإقناع الرائد حاطوم للالتقاء مع الدكتور منيف الرزاز الذي كان متواريا عن الأنظار ومختبئا في بيت المهندس غسان رزق ، ونجحت جهودهم وتم اللقاء في بيت خالد الحكيم بدوما ، وبعد اجتماعات متعددة تم الاتفاق على تشكيل مكتب سياسي من أعضائه ” محمود نوفل وخالد الحكيم ” و مكتب عسكري مهمته القيام بتنظيم سري لضباط الجيش – يستبعد منه الضباط العلويون – والتحضير لانقلاب على الحزب .

كان الرزاز قد شكل المكتب العسكري من  :اللواء المتقاعد فهد الشاعر ، العقيد المتقاعد صلاح نمور ، العقيد إسماعيل هلال ، الرائد مجلي القائد ، الرائد شريف سعود ، النقيب علي سلطان ، النقيب علي الضماد ، وكان هذا المكتب مرتبطا بالدكتور منيف الرزاز بواسطة المحامي نسيم السفرجلاني ، ثم أضيف إليه الرائد سليم حاطوم ، والرائد شريف الشاقي ، والرائد مصطفى الحاج علي ، ولقد تم الاتفاق ، أيضا ، في حال نجاح انقلابهم على أن يكون اللواء الشاعر وزيرا للدفاع ، والرائد الحاج علي رئيسا للأركان ، والرائد سليم حاطوم قائدا للواء السبعين المدرع < المرابط بالكسوة > ، إضافة إلى كتائب المغاوير ،وتبين أن النية مبيتة عند الرزاز والشاعر على التخلص من حاطوم ومجموعته فور نجاح انقلابهم ، وأنه قد تم تشكيل مكتبين عسكريين ، أحدهما بدون الحاطوم والشاقي . اجتمع الرائد سليم حاطوم مع اللواء فهد الشاعر ، بناء على طلب الدكتور الرزاز ، للتنسيق معه ، وبعد اجتماعات متعددة وفي أمكنة مختلفة ، ضمت الاجتماعات كلا من اللواء فهد والرائد حاطوم والرائد الشاقي والرائد الحاج علي والنقيب فؤاد منذر والنقيب سلامة المغوش وغيرهم من الضباط … ، وضعت خطة عسكرية تشمل كافة المناطقوالوحدات العسكرية ، وهي خطة مركزية مؤلفة من عشرة صفحات ، وتعتمد على ما يلي :

-يتحرك الرائد حاطوم بكتيبته لاحتلال الأركان والإذاعة ومبنى القيادة القطرية بالمالكي وتجميد مدرسة المدرعات بالقابون .

– تتحرك وحدات من معسكرات قطنا – بعد السيطرة عليها واعتقال أو قتل الضباط الموالين لقيادة الحزب – على محورين : الأول ، نحو الصبورة لاحتلال أجهزة بث إذاعة دمشق ، والثاني ، نحو مطار المزة العسكري للسيطرة عليه ، وتبق ى مجموعة ثالثة في المعسكرات لحماية مركز القيادة التي ستكون مقرا لفهد الشاعر وأعوانه . – خطة الجبهة ، بعد أن تتم السيطرة عليها بقيادة العقيد طلال أبو عسلي ، تتلخص ب : تحرك ثلاث مجموعات عن طريق سعسع – صحنايا – دمشق و تستهدف هذه القوات تجميد اللواء السبعين في الكسوة واحتلال بعض المناطق والمحاور الرئيسية في مدينة دمشق . تتم السيطرة على اللواء المدرع الخامس في المنطقة الوسطى- بعد اعتقال آمر اللواء المقدم مصطفى طلاس وقادة الكتائب في منازلهم – بمساعدة طلاب من الكلية الحربية بقيادة أحد الضباط الموالين . تتم السيطرة على معسكر القطيفة ، من بعض الموالين لهم وتتحرك كتيبة منه نحو حمص ، للدعم ، إذا اقتضت الضرورة . تجمد بقية القطعات من الداخل وتصبح غير قادرة على الحركة . ” يجدر التنويه بأن كشف هذه المؤامرة كان سببا في تأخير إطلاق الذين احتجزوا من أعضاء القيادة الحزبية صباح 23 شباط ” . حاولت القيادة ومن باب الحرص على الرفاق الحزبيين، وبخاصة من كان لهم دور في ثورة 8 آذار 1963، وفي حركة 23 شباط 1966، أن تحتوي هؤلاء الرفاق، وتتجاوز ما تورطوا به ، وكما ذكرت ، استدعت القيادة الرائدين سليم حاطوم ومصطفى الحاج علي ليحضرا مع أعضاء القيادة القطرية جلسات عقدت خصيصا للقيام بنقد ونقد ذاتي، ولتقييم الفترة الوجيزة من 23 شباط (فبراير) وحتى شهر آب 966، وعاملتهما معاملة أعضاء فيها ،وهيأت لهما ولبقية الحزبيين المتورطين، كافة الظروف لاستعادة ثقتهم بأنفسهم، وبالحزب، ولتبديد كل الشكوك والمخاوف التي يمكن أن تساورهم، ورأت القيادة أيضا ، أن تعقد لقاءات في منازل بعض أعضائها ، وبعيدا عن الاجتماعات الرسمية ، لتناول الغذاء ، يحضرها كل من الرائدين حاطوم والحاج علي تعزيزا لنفس الهدف، كما وجهت القيادة أعضاءها وبعض أمناء الفروع وبعض أعضاء قيادات المنظمات الشعبية لزيارة الرائد حاطوم وإحاطته بشكل مستمر وإبعاد تأثير المجموعة التي ورطته بلقاء الدكتور الرزاز .

بعد اجتماع للقيادة القطرية في 6 أيلول، صدر عنها بيان تضمن: – أن كل مؤامرة جديدة ستعجل في قبر فلول الرجعية واليمين وتدفع قضية الجماهير إلى أمام. – انتهاء مرحلة التسامح واللين ، وأن يد الشعب الجبارة لن ترحم وستضرب الرؤوس المتآمرة . – أن اعترافات المتآمرين واضحة وسيقدمون إلى محكمة الأمن القومي. كما قام الأمين القطري رئيس الدولة الدكتور نور الدين الأتاسي ورئيس الأركان اللواء أحمد السويداني يوم 7 أيلول بزيارة إلى الجبهة واجتمعوا ، هناك ، مع الضباط لتوضيح أبعاد المؤامرة المكتشفة . ولكن، كما تبين بعد أيام قليلة، أن التأثيرات الخارجية على حاطوم وبعض أنصاره كانت أكبر اثر من كل ما فعلته القيادة القطرية لاحتوائهم ، إذ حاول الرائد حاطوم مرتين اغتيال أعضاء القيادة . المرة الأولى أثناء عشاء في منزل اللواء أحمد السويداني حضره بعض أعضاء القيادة ومن بينهم اللواء صلاح جديد واللواء حافظ الأسد وبحضور الرواد حاطوم والشاقي والحاج علي . < كان الرائد حاطوم قد وضع كمينا مسلحا من عدة أفراد من كتيبته في الحديقة العامة التي يطل عليها منزل اللواء السويداني بزقاق الصخر بغية القيام بعملية الاقتحام للمنزل واغتيال الموجودين فيه بعد مغادرة سليم والشاقي ، ولكن هذه المحاولة فشلت بعد أن رفض الرائد الشاقي مغادرة المنزل ولم يستجب لتأشيرات الرائد حاطوم الذي خشي من أن ينبه الرائد الشاقي الموجودين في حال مغادرته لوحده > . والمرة الثانية حين اجتماع لأعضاء القيادة لتناول الغذاء في منزل جميل شيا وبحضور الرائدين حاطوم والحاج علي ، أيضا، ولكن خبر مغامرته وصل إلى القيادة ، وألغيت الدعوة ، ورغم ذلك استمرت القيادة على توجهها بالحرص على هؤلاء الرفاق . بعد انتشار المعلومات عن تورط سليم حاطوم في تنظيم مع فهد الشاعر لقلب نظام الحزب ، استنكرت منظمة الحزب في السويداء ما أقدم عليه حاطوم ، بينما بعض الحزبيين من المتورطين أو المتعاطفين معه وباتفاق بينه وبينهم – وخاصة ، بعد أن أوحى إليه خالد الحكيم ونبيل الشويري وغيرهم بفكرة العصيان للتفاوض مع القيادة – أخذوا يلحون على قيادة فرع السويداء ضرورة حضور الأمين القطري الدكتور نور الدين الأتاسي والأمين االقطري المساعد اللواء صلاح جديد إلى السويداء للاجتماع مع الحزبيين وتوضيح المؤامرة وأبعادها وقرارات قيادة الحزب لمعالجتها واحتواء سليم حاطوم ومجموعته، لأن حاطوم وأغلب أنصاره هم من نفس المحافظة وتورطهم في المؤامرة خلق بلبلة فيها . وافقت القيادة على اقتراح فرع السويداء وعلى أن يكون الاجتماع يوم 8 أيلول ، وفي هذا الشهر كانت قد بدأت الانتخابات الحزبية في القطر السوري تمهيدا لانعقاد المؤتمر القطري الثالث . لم يكن لسليم حاطوم أي امتداد في منظمات الحزب المدنية والعسكرية، كما أن بعض الطامعين الذين تورطوا، كانوا قد تخلوا عنه ، بينما نصحه الدكتور حمدي عبد المجيد ” أمين عام حزب العمال الثوري العربي ” بعدم القيام بمغامرة مصيرها الفشل والاستنكار معا، كما أنه في خلوة بينه وبين الرائد شريف الشاقي في محطة البث الإذاعي بخرابو ليلة 8 أيلول تظاهر بموافقته على ما طرحه عليه الرائد شريف بالتوقف عن أي تفكير للقيام بمغامرة ما ، ولكن، كما ذكرت، كانت التأثيرات الخارجية عليه قد دغدغت له لتنفيذ ما يطمح إليه، ولذلك ضرب بكل النصائح ومحاولات الاحتواء وخلق الثقة ، وأقدم على عصيانه في مدينة السويداء، يوم الخميس 8 أيلول 1966. في صباح يوم 8 أيلول ، مر الرائد سليم حاطوم على فرع الشرطة العسكرية الذي يرأسه الرائد عدنان دباغ ، ومن هناك انتقل إلى مبنى وزارة الدفاع والتقى مع اللواء وزير الدفاع ، ثم مع الرائد مصطفى الحاج علي ، ومنها غادر إلى صحنايا وبرفقته الرائد محمد إبراهيم العلي الذي كان قد وصل لتوه من حلب والتقاه في مبنى وزارة الدفاع ودعاه للسفر معه إلى السويداء وتناول طعام الغداء هناك بحضور الأمين القطري والأمين القطري المساعد ، ومن صحنايا رافقهم العقيد طلال أبو عسلي ، وهو من المتورطين بتنظيم فهد الشاعر / منيف الرزاز وشمله توجيه القيادة بعدم الاعتقال . حين وصولهم إلى السويداء توجهوا ، فورا ، إلى مقر فرع المخابرات العسكرية الذي كان يرأسه النقيب عبد الرحيم بطحيش وهو، أيضا ، من المتورطين في المؤامرة ودعا هذا الأخير قادة كتائب اللواء المرابط في السويداء < منهم النقيب علي غانم …> لتناول طعام الفطور عنده مع الرائد محمد إبراهيم العلي ، ولبى هؤلاء الدعوة ، واحتجزوا في المقر . غادر حاطوم المقر وأجرى اتصالات مع بعض الضباط في الوحدات العسكرية بإزرع، كما اتصل ببعض الضباط في القطاع الجنوبي بالجبهة لمؤازرته والتحرك نحو السويداء . خلال الاجتماع مع أعضاء التنظيم الحزبي في السويداء والذي حضره ، أيضا ، عضو القيادة القطرية جميل شيا ، فوجئ المجتمعون باقتحام سليم حاطوم وبعض العناصر المسلحة < عسكرية ومدنية > قاعة الاجتماع ، وبالتعاون مع بعض المتورطين من المجتمعين احتجزوا الأمين القطري والأمين القطري المساعد واقتادوا كلا منهما إلى مكان . استطاع سائق اللواء صلاح جديد الفرار بسيارته من السويداء متجها نحو دمشق وأبلغ حين وصوله عما حدث . حين علم وزير الدفاع بما يحدث في السويداء استدعى رئيس شعبة المخابرات العسكرية الرائد مصطفى الحاج علي الذي أكد للواء الأسد أن لا علم له بما فعله سليم حاطوم ، وحينها أمره اللواء حافظ أن يوعز للضباط المرتبطين به كي لا يتحركوا دعما لسليم حاطوم ، وبتنفيذ هذا الأمر أخذ وعدا بعدم المساس به ، و بعد انتهاء المؤتمر القطري الثالث صدر قرار بنقله إلى السلك الخارجي . في نفس الوقت الذي تلقى فيه اللواء حافظ تلك المعلومات دعا أعضاء القيادة القطرية لاجتماع في مكتبه بوزارة الدفاع لاطلاعهم على ما يحدث في السويداء واتخاذ التوجيهات اللازمة لإدارة الأزمة . < كنت أول الواصلين إلى مكتب اللواء حافظ ، ومع وصولي طلب من مدير مكتبه أن يرسل عناصر لإحضار ” الكلبين ” عبدالله الأحمر وخزاعي ملي – الأول أمين فرع الأطراف والثاني أمين فرع القنيطرة – وسيعدمهما في ساحة مبنى وزارة الدفاع ، فهدأت من ثورة غضبه ، وفهمت أنهما كانا يمران عليه في مبنى أميرية الطيران بشارع مرشد خاطر ، وينقلان له أخبار سليم حاطوم ، ظن اللواء حافظ أنهما على اطلاع بما سيقوم به في السويداء ولم يبلغاه الحقيقة ، واتفقت معه على التحقيق معهما فور القضاء على العصيان ،< أكد لي المرحوم خزاعي ملي ، بعد إطلاقي من المعتقل ، أنه زار الرفيق حافظ برفقة عبدالله الأحمر مرة واحدة فقط ، بعد أن التقيا بسليم حاطوم ، وأبلغاه عن أطروحات سليم > . التأم شمل القيادة عصر ذلك اليوم وقررت إعلان حالة منع التجول بدءا من الساعة التاسعة من مساء 8 أيلول ولإشعار آخر < تم إنهاء هذه الحالة يوم 9 أيلول > ، كما قررت وبروح المسؤولية، معالجة هذا العصيان ، وباتصال هاتفي مباشر مع الرائد حاطوم أبلغته – بناء على طلب القيادة – أن يفرج عن المحتجزين، ويسلم نفسه للقيادة، ليمثل أمام القضاء ، فلا مساومة لأنها مرفوضة تماما، والالتزام بما قررته القيادة، هي فرصته الوحيدة، وأن القيادة ستنظر بعين العطف تجاهه – كان اتجاه القيادة هو العفو عنه بعد محاكمته، ثم تعيينه في السلك الخارجي بإحدى بعثاتنا الدبلوماسية في أمريكا اللاتينية – فوافق على ذلك، ووعد بإطلاق المحتجزين وتسليم نفسه . حاول سليم حاطوم مساومة اللواء صلاح جديد الذي رفض أن يستمع إليه أو يعطيه أي وعد ، واكتفى بإجابة واحدة ” أن أي موضوع يجب أن يناقش مع القيادة ، وهو غير مخول ببحث أي موضوع ” ، كما أنه سمع نفس الجواب من الأمين القطري الدكتور الأتاسي . في الوقت الذي كانت القيادة تقوم فيه باتصالاتها مع سليم حاطوم ، حامت بعض الطائرات فوق مدينة السويداء ، كما تحركت بعض الوحدات العسكرية نحوها، بقيادة عضو القيادة القطرية عبد الكريم الجندي _ ولأن بشرة الجندي شقراء نشرت بعض وكالات الأنباء أن ضابطا سوفييتيا يقود القوات العسكرية -، بهدف تطويق المدينة ، وحظر عليها إطلاق النيران والاكتفاء بالتهديد بالقوة. وتحركت وحدة عسكرية من القطاع الأوسط بالجبهة بقيادة النقيب كاسر محمود على محور الرفيد – إزرع لمنع تحرك وحدات عسكرية من الجبهة لمؤازرة حاطوم. مع غروب الشمس وصل حمود القباني أمين فرع السويداء إلى مبنى وزارة الدفاع وأطلع القيادة على تفصيل ما حدث وأن جهودا حثيثة تبذل لإنهاء المشكلة ، وزودته القيادة برسالة مفادها أن لا مساومة أبدا مع العصاة وما من سبيل أمامهم إلا تسليم أنفسهم . ما إن وصلت القوات ، قبل حلول الظلام ، إلى مشارف المدينة حتى أطلق سراح الأمين القطري الذي وصل إلى مبنى وزارة الدفاع بعد غروب الشمس ، وأطلع القيادة على ما حدث وأنه لا يعلم شيئا عن اللواء صلاح جديد . بعد أن وصل العصاة إلى الطريق المسدود ، وفشلوا في كسب أي دعم من الوحدات العسكرية – عدا دعم الرائد فواز أبو الفضل من مؤيديه والنقيب ابراهيم نور الدين وبعض الضباط من مؤيدي الفريق أمين الحافظ في معسكرات ازرع – وأدركوا أنهم أصبحوا محاصرين من القوات العسكرية ، أطلقوا سراح اللواء جديد . وهنا تأتي الروايات على لسان العصاة من أنصار سليم – سردوها بعد عودتهم من الأردن – فإحداها ، أن الرائد حاطوم اتصل بوزير الدفاع قائلا :أنه سيحضر إلى دمشق مع بقية العصاة لتسليم أنفسهم ، ولكن وزير الدفاع حذره من الوقوع بيد عبد الكريم الجندي فيما إذا جاء بالطريق البري ، وأنه ، أي وزير الدفاع سيرسل حوامة لتنقلهم إلى دمشق ، وحينما تأخر وزير الدفاع بإرسال الحوامة ، توجس العصاة ولم يجدوا أمامهم إلا الهرب نحو الأردن . أما الحقيقة ، وتجاوزا للروايات ، فهي أن العصاة كانوا ينتظرون نتيجة الاتصال مع المسؤولين في الأردن وحينما تلقوا الضوء الأخضر لجؤوا إليه ، وهذا ما يؤكده نبيل الشويري في كتاب ” سورية وحطام المراكب المبعثرة ” لصقر أبو فخر ، إذ يقول : ” كان هناك خط مع الأردن ، رصدته فيما بعد ، له صلة ببعض الأشخاص من آل الأطرش ، وكان همزة الوصل مع سليم حاطوم شخص يدعى صابر المعاز ” . ورد نبأ فرار حاطوم مع بعض أعوانه، ، ومنهم من قاده تحت التهديد، باتجاه الحدود الأردنية، حيث كان بعض المسؤولين الأردنيين باستقبالهم، وتبين، بعد فرار حاطوم، بأنه أثناء اجتماعه مع بعض الضباط في 8 أيلول ، كان قد أجابهم على تساؤلهم: ما مصيرنا في حال الفشل؟ فرد عليهم: إننا مضمونون، واللقاء في الأردن وكل شيء مرتب. ومما يلفت الانتباه أن بعض المتورطين في منطقة الجبهة وعلى الحدود اللبنانية، لم يتسللوا إلى لبنان، وإنما قطعوا مسافة طويلة حتى وصلوا إلى منطقة الحمة ومنها عبروا إلى الأراضي الأردنية . ومن الجدير بالتنويه، أن عصيان سليم حاطوم، قد تم إنهاؤه بسرعة بسبب موقف قواعد الحزب بأكثريتها وجماهير المحافظة ضد هذا العصيان، وأظهرت عدم رضاها عما يقوم به حاطوم، وتنصلت من كل تصرفاته المعادية. كما أن بعض المتورطين الأساسيين مع الرائد سليم حاطوم ممن لم يكونوا معه في السويداء أفادوا أن الرائد مصطفى الحاج علي رئيس شعبة المخابرات العسكرية كان قد عرض عليهم الهروب إلى لبنان وتزويدهم بما يكفيهم من الأمواال ، ولكنهم رفضوا عرضه ، هذا ، خشية من اغتياله لهم أو خشية من إلقاء القبض عليهم من قبله لتدعيم موقفه وإظهار حسن نيته تجاه القيادة .

وصل الفارون إلى المقر العسكري في مدينة المفرق الأردنية ، وبعد وقت قصير من وصولهم جاء الشريف ناصر < خال الملك حسين > واجتمع مع سليم حاطوم على انفراد وابلغه ترحيب الحكومة الأردنية به ، ثم اجتمع مع بقية الفارين في نادي الضباط بمدينة الزرقاء ، ومكثوا بالنادي بضعة أيام حيث توارد بقية الضباط المتورطين ومن بينهم العقيد طلال أبو عسلي ، وأيضا بعض المدنيين . وصلت بعثة إعلامية أردنية إلى الزرقاء وطلبت من حاطوم عقد مؤتمر صحفي ، وعليه أن يركز على ثلاث نقاط أساسية وهي : 1 – التركيز على الوضع الطائفي في سورية . 2 – التركيز على أن الحكام الحاليين هم ماركسيون وشيوعيون. 3 – التركيز على فشل النظام الاشتراكي في سورية . بعد عقد المؤتمر الصحفي ، وتلاه مؤتمرا آخرا عقده النقابيان العماليان خالد الحكيم ونذير النابلسي هاجما فيه النظام الاشتراكي في سورية ، بدأ ت الحكومة الأردنية باستخدامهم للتآمر على الحكم في سورية ، إذ اجتمع رئيس الحكومة الأردنية وصفي التل ، في النادي ، بعدد منهم من بينهم طلال أبو عسلي وسليم حاطوم ، وأبلغهم عن الاستعداد لتقديم كل عون شريطة العمل على إسقاط الحكم في دمشق . ورد في بيان صدر عن القيادة القطرية يوم 9 أيلول : أن سليم حاطوم نفذ المغامرة الطائشة التي حرض عليها هلال رسلان وخالد الحكيم ونبيل الشويري وغيرهم …. أنه تم اعتقال مدبري المغامرة، وأن بعضهم تمكن من الفرار باتجاه الحدود الأردنية. أن المؤامرة الأخيرة حلقة من المؤامرة الرجعية اليمينية السابقة الفاشلة. أن هدف المؤامرة هو تنفيذ المخطط الاستعماري الذي تموله بعض الفئات الحاكمة العربية العميلة. أن سليم حاطوم لغم تفجر على نفسه . بدأ الفارون إلى الأردن التخطيط للتآمر بضرورة الاتصال بأعضاء القيادة القومية الذين لجأوا إلى لبنان بعد حركة 23 شباط ، وعرضوا الأمر على وصفي التل لأخذ موافقته ، وتبلغوا الموافقة من الملك حسين الذي اجتمع مع عدد منهم ورحب بهم وأمر وصفي التل لتسهيل مهمتهم . سافر طلال أبو عسلي والنقيب إبراهيم نور الدين إلى بيروت ، وفي بيروت طلب طلال أبو عسلي من السفارة المصرية قبول لجوئه إلى مصر ، وعقد في القاهرة مؤتمرا صحفيا كشف فيه أبعاد مؤامرة سليم حاطوم والسلطات الأردنية . أما إبراهيم نور الدين لم يستطع الاتصال بأي من أعضاء القيادة المذكورة لرفضهم مقابلته ، وعدم رغبتهم بالتعاون مع سليم حاطوم ، وطلب منه الابتعاد عنه ، وعاد إلى الأردن وأبلغ ما حدث معه إلى الضباط الفارين . وخلال هذه الفترة عرض سليم حاطوم على بعض أركانه خطة التآمر التي وافقت عليها المراجع الأردنية ، وهي من شقين : – مرحلة تحضيرية تبدأ بجمع الفارين ومن سيلحق بهم، بمعسكر بالمفرق ومباشرة التدريب. وقد زودت السلطات الأردنية المعسكر بأسلحة مشتراة من اسبانيا ، كما كلفت أحد ضباط المخابرات الأردنية بالإشراف على المعسكر .ٍ – مرحلة تنفيذية تنطلق من جبل العرب .

كان سليم قد بعث رسالة إلى الفريق أمين الحافظ المعتقل في سجن المزة ورد فيها : < أنني ورفاقي نعمل ليلا نهارا وقطعنا شوطا كبيرا بالعمل من أجل تحرير الشعب ……. ومن أجل ذلك نرى أن تؤمنوا لنا رسالة توضحون بها رأيكم سليما واضحا مع الأخذ بعين الاعتبار وضعنا في الأردن ودعم السلطة هنا لنا في إفساح المجال لعملنا المقبل … . > . وكان جواب الفريق أمين الحافظ له : < ليس بالأمر السهل أن أبدي رأيا وأنا على جهل تام بوضعكم في القطر العربي الشقيق ومعلوماتي لا تزيد عن ما أسمعه من الإذاعة وأن على أي قائد يريد أن يبدي رأيا أن تكون لديه معلومات واضحة وجلية ليحسن تقدير المواقف ولتكن آراؤه على جانب كبير من الصحة ، هذا وأنا على يقين أنكم وجدتم وإخوانكم في القطر العربي الشقيق كل ما يجده العربي من أخيه العربي من كرم أصيل ورعاية حقة … الأفضل أن تأخذوا رأي القيادة في لبنان .شكرا لك ولإخوانك مع سلامي وتحياتي للجميع … > . لم يكن الأستاذ صلاح البيطار على وئام مع الأستاذ ميشيل عفلق وبعض أعضاء القيادة القومية السابقة الذين لجأوا إلى بيروت ، وانقطع التواصل بينهم ، ” وللتنويه ، فإن الأستاذ صلاح استقال بتاريخ 10/11/1967 من تنظيم الحزب الذي كان الأستاذ ميشيل أمينه العام ” ، كما أن المجموعة ، من الهاربين إلى بيروت ، المرتبطة بالفريق أمين الحافظ لم تلق ترحيبا من الأستاذ ميشيل عفلق ومجموعته ، لذا قرر حاطوم بعد موافقة وصفي التل ، أن يتصل بالرائد الهارب بدر جمعة والوليد طالب ، وتم اللقاء بينهم في باريس في أول شهر كانون الأول 1966، بعد أن أمنت السلطات الأردنية بطاقات ونفقات السفر ، واتفق المجتمعون ، وبحضور ضباط من الأمن العام والمخابرات الأردنية ، على العمل معا ضد حكم البعث في سورية ، وعملت مجموعة الشوفي – خالد الحكيم ومحمود نوفل ونبيل الشويري …- على التقارب بين بدر جمعة والأستاذ البيطار ، وتم ذلك بعد مباركة السلطة الأردنية . في لقاء ، في الأردن ، بين بدر جمعة والوليد طالب مع سليم حاطوم وبحضور وصفي التل و راضي العبدالله ، دار الحديث حول الأوضاع في سورية وما يمكن للأردن أن يقدمه في تغيير النظام ، واتفق الحاضرون على أن تعمل جميع الكتل السياسية في سورية ضمن جبهة وطنية ، كما عقدت اجتماعات عدة بين وصفي التل وسليم حاطوم ، أكد فيها التل أن هذا الحل هو مطلب الفئات السياسية داخل سورية وخارجها ، وكان التل يطرح في أحاديثه ومناقشاته من أسماهم الرعيل الأول والجبهة الدستورية وبعض السياسيين القدامى ، وجماعة الأخوان المسلمين . أوعزت السلطة الأردنية لجيوبها في سورية <عناصر ما عرف بالجبهة الدستورية و لورانس الشعلان – شيخ الرولا وشريك الشريف ناصر في تهريب المخدرات والسلاح – وكان الشعلان من الجيوب التي يعتمد عليها وصفي التل ليحركها دعما لإنجاح التآمر ، والشعلان ، إضافة لعلاقته مع التل ، فهو على علاقة وثيقة مع السعودية ، وأنه – حسب إفادة سليم حاطوم – من شدة تآمره ضد الحكم في سورية قال لسليم : أنه مستعد للذهاب إلى السعودية إن لم تكن الأردن جاهزة للقيام بعمل ضد الحكم في سورية ، وأنه هناك سيقنع المسؤولين أن سليم وجماعته هي القوة الوحيدة التي يجب الاعتماد عليها …> . أشرفت السلطات الأردنية على تشكيل الجبهة الدستورية من بعض المدنيين والعسكريين السوريين المسرحين من جماعة الانفصال ، وبعضهم خارج سورية ، من أبرزهم عبد الكريم النحلاوي وصدقي العطار وخليل بريز وعبد الوهاب البكري ومصطفى البرازي وطلال الفاعور ومحمد علي السعدي ….، وعرض هذا الأخير على النحلاوي رئاسة الضباط المسرحين في لبنان وقيادتهم .. وسمي كمال سفر < ممثلا للتنظيم العسكري > ويحيى محمود < ممثلا للتنظيم المدني > لدى سليم حاطوم ، واحمد راتب عرموش الذي بحث مع المدعو عادل عيسى المتعاون مع المخابرات السعودية إمكانية تمويل الجبهة من الحكومة السعودية . كان من تنظيم الجبهة الدستورية في دمشق المحامون عبد الغني النابلسي وغسان بابيل وغسان محاسنة ورشيد هارون وعصام طيفور ورشيد الساطي وحسان محاسنة ، وفي حلب فايز عويرة وفاروق المسلاتي وفاروق سالم وغسان بارودي وأمين الغوري ، واشترك هؤلاء بالبحث في توسيع الجبهة وكسب أعضاء جدد لها . أرسل سليم حاطوم بعض الضباط الفارين معه من أبناء محافظة السويداء غلى جبل العرب لتحريض بعض الشباب على الالتحاق بمعسكر التدريب في المفرق لقاء رواتب مغرية . أجرى مصطفى البرازي اتصالا بكل من ليون زمريا وميخائيل ليان في مصيفهما في سوق الغرب بلبنان وبحث معهما التعاون للعمل ضد الحكم في سورية وبعد المقابلة أبدى أمام أحمد راتب العرموش انطباعاته الجيدة عنهما ، وقال : لقد أصبحنا أقوياء في كل من جبلي الزاوية والأكراد وحلب وحماة ، وشرح له خطة العمل بقيام تمردات داخلية في المحافظات الشمالية وإجبار الجيش على التوزع لإخمادها وإضعافه ومن ثم إعلان حكومة مؤقتة خارج القطر ، وأكد العرموش للبرازي أن وزير الإعلام الأردني ، وهو زميل له بالدراسة في الجامعة الأمريكية ، وعده بتأمين السلاح والمال اللازمين لتنفيذ الخطة . وخلال اجتماعات متعددة لبعض أعضاء الجبهة الدستورية المتواجدين في لبنان بحثوا حول نشاط الجبهة وتقويتها وضرورة الاتصال بالتجار والطلاب في المحافظات وتنظيمهم في عضويتها ، وادعى البرازي أمامهم أنه استطاع أن ينظم خمسمائة مسلحا في حماه وحي الأكراد بدمشق وعرض تزويدهم بالسلاح . لم يكن كل العسكريين الذين تورطوا وهربوا إلى الأردن على وئام مع الرائد سليم حاطوم ، ولا من مؤيديه ، وازداد الشرخ بينهم حينما أدركوا مدى الدور الذي تعهد بتنفيذه لصالح النظام الأردني ، وترسخت لديهم هذه القناعة بعد المؤتمر الصحفي الذي عقده العقيد طلال أبو عسلي ، ومن بعده الضابط السوري أحمد مصطفى ، في القاهرة ، وكذلك ما صرح به الضابط الأردني الرئيس الركن محمد يوسف الحمارنة الذي لجأ إلى القاهرة في أوائل شهر شباط 1967 وأدلى في مؤتمر صحفي < بأن الملك حسين قال له : نريد ضمان نجاح عمليات التخريب ضد سورية > تعززت لدى هؤلاء القناعة بأن حاطوم يطبق ، فعلا ، مقولته < سأتعاون مع الشيطان لقلب نظام الحكم في دمشق > ، وانعزلوا عن الآخرين المرتبطين بحاطوم وناهضوا أوامره وقاطعوا اجتماعاته، كما أن بعض من خابت آمالهم من الفارين لاحقا والطامعين بتكوين ثروة مالية ، أبدوا ندامتهم عما قاموا به وبدؤوا يرسلون معلومات عما يقوم به حاطوم ومجموعته إلى السلطات في سورية .

في مواجهة هذا الواقع بين الفارين إلى الأردن بدا سليم حاطوم يهددهم ويدس عليهم لدى السلطات الأردنية التي كانت تأخذ بأقواله ، ونفس الدور التهديدي – بقتل كل من لا يشارك في التنفيذ ساعة الصفر – كان يمارسه الضابط عبد الرحيم بطحيش الذي كان يعتبر نفسه الساعد الأيمن لحاطوم ولعب دورا بالإتصال والتنسيق بين المتآمرين في لبنان ” بدر جمعة ومجموعته ” وبين الموجودين في الأردن ، كما أن البطحيش كان على اطلاع من الحاطوم عن الاتصالات بين وصفي التل والمخابرات الأمريكية بشأن تعاون الحاطوم معها وأنه لا شيء عنده يمنع من التعاون معها. نشرت جريدة البعث في عددها الصادر يوم 22 /11/1966 عن أبعاد هذا التآمر الاستعماري الجديد ، وأن الأجهزة الاستعمارية / الأنكلو – أمريكية / ترمي بثقلها في الأردن وتحوله إلى ثكنة للأسلحة وملجأ للمتآمرين ، والمؤامرة ، وفق خطة المتآمرين ، تبدأ بتحرك الرجعية يتبعه تدخلا أردنيا – صهيونيا وغزو القطر من الخارج للإجهاز على جذوة المد الثوري التقدمي .

كانت السلطات السورية مطلعة على ما يجري بين الفارين ، وعمل عضو القيادة القطرية رئيس مكتب الأمن القومي العقيد عبد الكريم الجندي على تشجيع العناصر المناوئة للعودة إلى الوطن وجند لهذه الغاية بعض أقارب الفارين للسفر إلى الأردن والاتصال بهم لهذا الغرض ، وكان من أبرز من قام بهذه المهمة المحامي محمد الكسار – زوج والدة امرأة البطحيش – .

قامت أجهزة الأمن الأردنية ، وبناء على طلب الرائد سليم حاطوم باعتقال بعض الضباط منهم النقيب إبراهيم نور الدين وعلي المقداد وسبعة آخرون وتم تسفيرهم ، أول الشهر الخامس من عام 1967، إلى لبنان ، ولكن السلطات اللبنانية ، بوشاية من البطحيش والوليد طالب ، اعتقلتهم بعد أيام من وصولهم وأعادتهم قسرا إلى الأردن ، حيث تم توقيفهم لأيام ثم وضعوا تحت المراقبة .

اجتمع بقية الضباط الفارون المناوؤن لحاطوم وقسموا أنفسهم إلى مجموعتين هادفين الهرب إلى سورية ، ونفذت المجموعة الأولى خطتها بتاريخ 6/5/1967 ، ولسوء حظهم اعترضهم كمين من الجيش والأمن الأردني الذي أمطرهم بالرصاص ، فتوفي الملازم جورج أنطي وجرح آخر وتمكن ضابط واحد من الوصول إلى الوطن واعتقل الآخرون بمن فيهم أفراد المجموعة الثانية وسفروا إلى لبنان و عادوا جميعا إلى سورية أيام حرب حزيران 1967 .

عندما بدأت حرب الخامس من حزيران نشط وصفي التل في عقد اجتماعات مغلقة مع سليم حاطوم وبدر جمعة ، وفي يوم 7/6/ وصلت وحدات سورية عسكرية ” اللواء 17 ” بقيادة المقدم صلاح نعيسة إلى الأردن بناء على تعليمات قائد الجبهة الشرقية الفريق عبد المنعم رياض ، لنجدة الجيش الأردني وقدم التل لحاطوم وبدر جمعة أسماء ضباط كتائب اللواء وقادة سراياه بهدف الاستيلاء على اللواء للدخول به إلى سورية والعمل على قلب نظام الحكم ، ولكن الأوامر صدرت بعودة اللواء إلى سورية ، لانتهاء الحاجة إليه في الأردن ، وفي الوقت الذي اخترقت فيه القوات الإسرائيلية الجبهة السورية ، أوعز وصفي التل إلى سليم حاطوم وبدر جمعة بالإسراع في دخول سورية وأن يستفيدوا من قرار القيادة القطرية بالإفراج عن المعتقلين السياسيين ، بعد أن بين لهما أن الفرصة أصبحت سانحة لاستلامهما السلطة ، نظرا لانهيار الحكم ، ووعدهم بالاتصال ببقية السياسيين السوريين المرتبطين بالأردن للعودة إلى سورية لنفس الغرض .

استغل سليم حاطوم وبدر جمعة مراجعة الضباط الفارين لهما والمتحمسين للعودة إلى الوطن للاشتراك بالحرب ، استغلا هذا الشعور لتنفيذ المخطط المتفق عليه مع وصفي التل ، وفي اجتماع في بيت الفار محمد الأطرش لحض السوريين الفارين على العودة ، طلب سليم حاطوم من الرائد فؤاد منذر ونذير نابلسي نقل موافقته على العودة إلى سورية مدعيا أن السلطة في سورية سمحت لهم بالدخول بعد اتصال هاتفي معها ، وفي وقت هذا الاجتماع كان سليم حاطوم في اجتماع مغلق مع وصفي التل لتلقي التعليمات منه . بعد الاجتماع مع وصفي التل اتصلوا < بدر جمعة وسليم حاطوم ومحمود نوفل ونذير النابلسي > هاتفيا مع الأستاذ صلاح البيطار في بيروت وأخبروه بقرارهم دخول سورية .

في هذه الأثناء نشطت جيوب وصفي التل في سورية دعما لسليم حاطوم وتنفيذا للمخطط الأردني ، حيث تداعى أعضاء ما عرف بالجبهة الدستورية وعقدوا اجتماعات في بيت أحد أعضائها ” سليم هارون” بحثوا فيها ما سوف تؤول إليه الأمور عند سقوط الحكم واستعرضوا وضع البلاد وموقف جبهتهم في حال قيام حكومة ائتلافية وإمكانية اشتراكهم في الحكم ، كما ناقشوا ما قاله أحد أعضاء الجبهة من إمكانية قيام حركة مسلحة في حلب أو حماة ، وإمكانية استيلاء الضباط المسرحين على الإذاعة لإذاعة بياناتهم .

تسلل سليم وبدر مع بعض الفارين إلى سورية عن طريق درعا حيث أخبروا مخفر الأمن العام هناك بأنهم ضباط من القوات السورية التي انسحبت من الجبهة عن طريق الأراضي الأردنية وعائدون إلى سورية ، ومن درعا توجهوا نحو مدينة القريا وبعد مكوثهم بعض الوقت فيها توجهوا نحو دمشق ، ولدى دخولهم إليها توجه سليم مع مجموعة من الفارين إلى مقر الشرطة العسكرية في البرامكة ، وتوجه البطحيش مع البعض إلى منزل عبد الوهاب البكري < من الجبهة الدستورية > على أن يلحق بهم حاطوم بعد استطلاعه لمقر الشرطة العسكرية ، وتوجه بدر جمعة ومحمود نوفل ونذير النابلسي ونبيل الشويري إلى بيت منصور الأطرش ، ومنه اتصلوا مع الفريق أمين الحافظ بمنزله لاستطلاع الوضع .

وبين 7 و10 حزيران 1967 ، دخل بقية الفارين الذين لم يرافقوا سليم حاطوم ومجموعته ، إلى سورية وسلموا أنفسهم لقوى الأمن ، كما عاد الضباط الذين لجؤوا إلى لبنان عن طريق حمص وسلموا أنفسهم للسلطات المختصة .

وجد سليم وبدر وبعض من اجتمع معهم في بيت البكري أن الأوضاع ليست كما أخبرهم بها وصفي التل ، وعندما علموا أن أغلبية من جاء معهم من الأردن قد سلموا أنفسهم للسلطة ، قرروا العودة إلى الأردن عن طريق السويداء ، فتم القبض عليهم في الطريق من قبل دورية أمن كلفت بملاحقتهم . بدأ التحقيق مع سليم وبدر من قبل لجنة قيادية < عبد الكريم الجندي ومحمد عيد العشاوي > ، ولقد عثر مع بدر جمعة على قائمة بأسماء المقترحين كوزراء فيما لو آلت إليهم السلطة ، كما عثر مع محمود نوفل على شيك موقع من راضي العبد الله وزير داخلية الأردن ويصرف لحامله .

خلال فترة التحقيق أرسل حاطوم رسالة بواسطة مدير السجن يرجو فيها مقابلة اللواء حافظ الأسد أو محمد رباح الطويل ، ولكن الإثنين ، بعد عرض الرسالة على القيادة القطرية ، رفضا الاستجابة .

“ذهبت في تلك الليلة ، بعد انتهاء اجتماع القيادة ، إلى سجن المزة والتقيت مع سليم حاطوم ودام اللقاء ساعات ثلاث ، اعترف خلالها بأن ما قام به من يوم 8 أيلول وحتى عودته ألحق ضررا كبيرا بالوطن وبالحزب وحكمه ولا يعرف كيف يكفر عن ذلك ، ثم طلب مني تغيير مكان اعتقاله من الطابق العلوي إلى الطابق الأرضي ، ونفذت رغبته فورا وفي اليوم التالي أمنت له كل ما طلبه في ذلك اللقاء ” . أحيل سليم حاطوم وبدر جمعة إلى المحكمة العسكرية الاستثنائية برئاسة المقدم مصطفى طلاس ، وصدر الحكم عليهما بالإعدام رميا بالرصاص . وتمت محاكمة بقية المعتقلين أمام محكمة أمن الدولة العليا ، التي صدر قرار القيادة القطرية بتشكيلها بدلا من المحكمة العسكرية الاستثنائية ، وسمت القيادة أحد أعضائها ” محمد سعيد طالب ” لرئاستها . وصدر بتاريخ 4/1/1969 حكم المحكمة بهذه القضية التي عرفت ” بمؤامرة العاشر من حزيران 1967″

إعدام الحاطوم

تنفيذ حكم المحكمة العسكرية الاستثنائية مساء يوم إصدار المحكمة الحكم بالإعدام ، رميا بالرصاص ، على المتهمين الرائدين سليم وبدر ، استدعى اللواء وزير الدفاع حافظ الأسد المقدم الطيار متعب العبد الله وطلب منه السفر إلى جبل العرب وتشكيل وفد شعبي لمقابلة قيادة الحزب والتماسها إعادة النظر في الحكم .ولسبب ما ، طرأ تبدل على رأي اللواء حافظ واقترح على الأمين العام المساعد اللواء صلاح جديد لدعوة القيادة إلى اجتماع فوري .

بعد وقت قليل من منتصف ليلة 23 حزيران 1967 رن الهاتف في المنزل الذي أسكنه مع عضو القيادة القطرية وزير الزراعة والإصلاح الزراعي محمد سعيد طالب وكان المتصل موظف مقسم القيادة القطرية وأبلغنا عن اجتماع فوري لأعضاء القيادة بناء على طلب الأمين العام المساعد اللواء صلاح جديد . تبادر إلى ذهننا ، ونحن في الطريق إلى مبنى القيادة أن الاجتماع قد يكون لإبداء رأي أو اتخاذ قرار يطلبه الأمين العام للحزب الدكتور نور الدين الأتاسي والوفد المرافق له الموجود في نيويورك لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة والتي من جدول أعمالها بحث عدوان حزيران 1967. بدأ الاجتماع بعد الساعة الواحدة من صباح 24 حزيران وأبلغ رئيس الجلسة الأمين العام المساعد الحاضرين بأن الرفيق وزير الدفاع اللواء حافظ الأسد طلب عقد اجتماع فوري للقيادة، وطلب الأمين العام المساعد من اللواء الأسد أن يشرح أسباب الدعوة . قال الأسد أن المحكمة العسكرية الاستثنائية أصدرت حكمها بالإعدام على كل من سليم حاطوم وبدر جمعة ، وخشية من مجيء وفود من جبل العرب تطلب من القيادة إعادة النظر في الحكم الصادر ، لذا أقترح أن تتخذ القيادة قرارا بتنفيذ الحكم هذه الليلة . ناقشت القيادة اقتراح الرفيق وزير الدفاع وكان رأي بعض الأعضاء ومنهم الأمين العام المساعد تأجيل بحث الموضوع ريثما يعود الأمين العام وبقية الرفاق من أعضاء القيادة الموجودون خارج دمشق ، وفي نهاية المناقشات التي طالت لأكثر من ساعة طرح اقتراح وزير الدفاع على التصويت ونال موافقة الحاضرين بأكثرية صوت واحد .

تم تنفيذ حكم الإعدام بالرائدين حاطوم وجمعة ، رميا بالرصاص ، بعد آذان صباح يوم 24 حزيران ، في سجن المزة العسكري ونتيجة للبس الذي حصل في دعوة قيادة الحزب للاجتماع ، تكون وعي خاطئ وهو أن اللواء صلاح جديد كان وراء قرار الإسراع بتنفيذ الحكم على الرائدين سليم وبدر .

وأخيرا ، لابد من القول : أن الذين تورطوا في هذه المؤامرة عدة فئات، منها فئة حاقدة على الحزب وثورته، وفئة أخرى انطلقت من مصلحتها الشخصية، وثالثة، كان انتماؤها الاجتماعي يؤهلها لأن تزج بنفسها في حمأة التآمر. وأن من يتتبع طبيعة النشاط في هذه الفترة، يجد أن أعداء حركة 23 شباط استنفروا كل قواهم وزجوها دفعة واحدة لإثارة الأراجيف وقذف الشائعات المضللة المغرضة، بقصد طمس حقيقة المؤامرة وإخفاء أبعادها ومراميها. ولابد من التنويه بأن القيادة القطرية الموقنة قبل تنفيذ حركة 23 كانت قد قررت أنه على العسكريين فيها أن يختاروا بين الاستقالة من الجيش وبين العمل السياسي ، ورغم الإلحاح على الرائد سليم حاطوم ليكون اختياره السياسة ، أصر على الاستمرار في الجيش . كان العديد من ضباط الجيش ، الذين لم يكن دورهم في صبيحة الثامن من آذار وقبلها بأقل من دور سليم حاطوم ، وكذلك بعض القيادات الحزبية يحتجون على الدور الذي أعطي له والمواقع التي تبوأها بعد 8 آذار وأدى هذا الاحتجاج إلى عدم انتخابه في عضوية المكتب العسكري من قبل المؤتمر الحزبي للضباط البعثيين الذي انعقد في الأسبوع الأول من شهر نيسان 1965 بمعسكرات القابون . وفي المؤتمر القطري الثاني الذي انعقد ، بدورة استثنائية ، في شهر آب ،1965 بذل اللواء صلاح جديد جهدا كبيرا جدا لانتخاب الرائد سليم حاطوم لعضوية القيادة القطرية، ونجح في عضويتها . أخلص من ذلك إلى أن الذرائع التي تذرع بها سليم حاطوم لانضمامه إلى تنظيم معاد لحركة 23 شباط كانت نتيجة الخلل في بنية القوات المسلحة وطغيان طائفة عليها أنه كان بإمكان حاطوم من خلال مكانته عند قيادة الحزب وموقعه عند قيادة الجيش العمل على تصحيح بعض هذا الخلل ، وهو من أعضاء القيادة التي خططت ونفذت حركة 23 شباط ويعرف أن من بين الدواعي لقيام هذه الحركة هو معالجة أسباب الطرح الطائفي الذي أخذ ينتشر في القوات المسلحة والعمل لعودة السيادة للقيم والعلاقات الحزبية .

كما كان بإمكانه ، لو اختار السياسة ، أن يكون عضوا في القيادة القطرية أو وزيرا أو في أي منصب آخر عالي الشأن ، ولكن شعوره بأن السطوة التي كانت له قبل حركة23 شباط قد زالت لاعتماد منطلقات جديدة للحكم بعد الحركة ، إضافة إلى أن عقل المغامرة عنده وطموحه لأن يحكم سورية من خلف الستارة- بدلالة أنه بعد الاتفاق مع الدكتور منيف الرزاز واللواء فهد الشاعر أصر حاطوم على أن يكون قائدا للواء سبعين إضافة إلى قوات المغاوير التي كان قائدها حينذاك -” ، دفعت به لقلب ظهر المجن للقيادة والاستمرار في مغامرته



تنويه : ماينشر على صفحة وثائق وبيانات تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع