أخبار عاجلة
الرئيسية » إغاثة وأعمال خيرية » حملة تبرعات ضخمة تقلب بؤس “بائع الأقلام” فرحاً

حملة تبرعات ضخمة تقلب بؤس “بائع الأقلام” فرحاً

على كتفه الأيمن، يحمل طفلته ذات الأعوام الأربعة “ريم”، نائمةً تتناسى وجع الجوع والفقر وحبّ اللعب المفقود، وعلى الأيسر يحمل اللاجئ السوري الفلسطيني “عبد الحليم العطار” همّ ابنه “عبد الإله” ذي السنوات التسع، وفي يده بضعة أقلام يجول بها في شوارع العاصمة اللبنانية بيروت لمن يشتري، أما وجهه؛ فيحمل بؤس العالم كلّه.

كان هذا ما تظهره صورة لـ”بائع الأقلام”، كما اشتهر بين رواد شبكات التواصل الاجتماعي، أما ما تخفيه الصورة فلا يعلم به إلا الله! حاله حال الآلاف من السوريين والفلسطينيين الذين وجدوا أنفسهم خارج بلدهم و”أوطان نزوحهم الأولى”، بلا مأوى ولا مصدر رزق، في شوارع مدن لا يُخفي بعض سكانها عنصريتهم تجاه النازحين، ومنظمات إنسانية كثيرة الأعداد، قليلة الأثر.

ما كانت صورة “عبد الرحيم” الكئيبة، التي انتشرت على شبكات التواصل الاجتماعي انتشار النار في الهشيم لتمر مرور الكرام، إذ حظيت باهتمام عدد من النشطاء الذين بادروا للبحث عن “بائع الأقلام” وأميرته النائمة على كتفه، وكانت أولى تلك المبادرات وأكثرها أثراً، مبادرة لناشط آيسلندي يدعى “جيسور سيمونارسون” (Gissur Simonarson) دعا فيها للتعرف على هوية البائع المتجول والقيام بحملة جمع تبرعات لشراء الأقلام منه.
Screenshot_1
هذه كانت أول تغريدة مرفقة بصور تنشر حول قضية “بائع الأقلام”، وحظيت بنحو 3500 “ريتويت”، وفي التغريدة التالية قال “سيمونارسون” إنه تلقى الكثير من الطلبات للتبرع ومساعدة الرجل وابنته، طالباً مساعدته في إيجاد الرجل وابنته لمساعدتهم.

تلقت “هدى زغلول”، الناشطة في فريق ملهم التطوعي، أحد أبرز المنظمات الإنسانية التي تعنى بالحالات الإنسانية الطارئة للسوريين في دول الجوار واللجوء للسوريين، مبادرة “سيمونارسون”، وطلبت من أعضاء فريقها المنتشرين في لبنان المساعدة بالبحث عن الرجل وإيجاده والتعرّف على احتياجاته، وهو ما تم بغضون سويعات قليلة بالفعل، حيث وصل “محمد”، الناشط بفريق ملهم، إلى بيت الرجل، وقدّم له مساعدة مبدئية، فيما بدأ “سيمونارسون” حملة تبرعات واسعة على الإنترنت.

الحملة التي أطلقها “سيمونارسون” عبر موقع indiegogo.com الخاص بجمع التبرعات، بعنوان “شراء أقلام”، تحت وسم خاص هو BuyPens#، وهدفت لجمع مبلغ 5000 دولار بغضون 15 يوماً، جمعت المبلغ كله بغضون 30 دقيقة فقط، وفي غضون الـ24 ساعة التي مضت حتى كتابة هذا التقرير كانت تخطت حاجز الـ72 ألف دولار أمريكي، وهو ما نسبته أكثر من 1440% من المطلوب، ويتوقع أن تجمع ما لا يقل عن 200 ألف دولار أمريكي بغضون 15 يوماً، أو أكثر!

Screenshot_2

ومن أجل فعالية أكبر في الحملة، أنشأ الناشط الآيسلندي حساباً خاصاً بالحملة على تويتر تحت المعرف @Buy_Pens، وكتب في التعريف: “أنا اسمي GissiSim”، أعمل في “rConflictNews”، وكثير من الناس طلبوا مني العثورَ على هذا اللاجئ السوري الذي نشرت صورته على صفحتي، حتى يتمكنوا من مساعدته، ساعدونا في العثور عليه وشراء الأقلام منه”.

وكشفت هدى زغلول، من فريق ملهم التطوعي، أن بائع الأقلام يُدعى “عبد الحليم العطار”، سوري فلسطيني الأصل من سكان منطقة الحجر الأسود بجوار مخيم اليرموك في جنوب دمشق، اضطر بسبب الحرب هناك إلى النزوح إلى لبنان برفقة ابنته “ريم” التي كان يحملها أثناء عمله، وابنه “عبد الإله”، مضيفة أنه يقيم في بيت مهترئ بمنطقة “الجناح” بمحيط بيروت.

وأكدت في حديثها لـ”الخليج أونلاين” أن “فريق ملهم التطوعي” وصل إلى الرجل وتعرف إليه وإلى احتياجاته، وقدم له مبلغاً إسعافياً من المال، وخط هاتف ليستطيع عبره التواصل مع المتبرعين لحالته.

هدى أشارت أيضاً إلى أن شوارع دول جوار سوريا تعج بحالات شبيهة، أو ربما أسوأ، من النازحين واللاجئين الذي وجدوا أنفسهم باعة محارم وقناني مياه، أو حتى متسولين.

ونقلت الإعلامية كارول معلوف، التي التقت بدورها بعبد الحليم في منزله، أن الأخير أخبرها برغبته بمساعدة اللاجئين السوريين الآخرين مع هذا المال، وإرسال طفليه إلى المدرسة.
Screenshot_3
وذكرت صفحة الحملة أن عبد الحليم “كان يعمل في مصنع الشوكولاته بسوريا قبل الحرب. ثم غادر سوريا إلى مصر مع زوجته وأطفاله، وبعد وقت قصير أرادت زوجته العودة إلى سوريا، بسبب سوء ظروف اللجوء هناك، ثم قرر الذهاب إلى لبنان، وهناك بدأ ببيع الأقلام وأي شيء آخر في وسعه لدعم أولاده”.

– في أسباب التضامن

وحول أسباب التضامن الإنساني مع حالة بائع الأقلام، قالت “مي خلف”، وهي باحثة في علم النفس والاتصال، إنّ كون صاحب الحملة صحفياً أوروبياً ذا هوية واضحة على شبكة التواصل، والحملة عن طريق موقع عالمي معروف وموثوق؛ عزز من نجاحها.

وأضافت، في حديثها لـ”الخليج أونلاين”، أنّ “بيع الأقلام يبدو أنه حمل رمزية عالية، فهو يرمز للكلمة والمعرفة والتعبير والحرية والعلم، وليس من المألوف بيع الأقلام لأكل العيش. الناس اعتادت على رؤية بائعي المناديل والبلاستر وقناني مياه الشرب، وهي احتياجات يومية للمارة.. لكن القلم فكرة جديدة وتدعو للتأمل”، معتبرة أنه من المؤثر أن تبيع الأقلام في ظل الحرب.

ورأت أن اختيار صورة الأب وهو يحمل طفلته اختيار موفق جداً لحملة هدفها إنساني، حيث يظهر المعيل والعبء وبساطة طريقة طلبه للرزق.. هنا تظهر المعاناة بدون تكلف، وتكشف عن تعابير وجهه ونظرته الدالة على الضعف والحاجة.. والطفلة حافية القدمين، تعبت فنامت، ووالدها مضطر كما يبدو لأخذها معه، يحملها ويشتغل.

ولفتت إلى أن صاحب الحملة أرفق مع الصورة رسائل مكتوبة تتميز بلغة بسيطة مباشرة ولا استجداء فيها.

– اهتمام إعلامي

وحظيت الحملة باهتمام إعلامي قلّ نظيره، إذ شاركت قناة الـ”بي بي سي” الدولية، والميرور، والهافنغتون بوست، وغلوبال بوست، والتيليغراف، وإن بي سي نيوز، والإندبندنت، وعشرات الصحف والقنوات الدولية والمحلية في دول أوروبا، في نشر رابط الحملة، وهو ما ساهم بزيادة التبرعات.

– تبرعات مالية

وبالعودة إلى التبرعات، فقد كان ملاحظاً أن الجزء الأكبر من التبرعات كان بمبالغ صغيرة (5 دولارات و10) ما يعني أن المتبرعين والمتعاطفين الذين تجاوز عددهم 2500 متبرع، من أصحاب الدخل المحدود.

كما لوحظ أن أغلب التبرعات جاءت من الولايات المتحدة بنحو 10 آلاف دولار، تلتها المملكة المتحدة ثم الإمارات والسعودية والسويد فكندا وأستراليا وفرنسا وإيرلندا والنرويج.

وقال “سيمونارسون”، إن جميع الأموال سوف تذهب إلى عبد الحليم، بائع الأقلام، مهما بلغت، في حين اقترح أشخاص آخرون أن يقدم ما يكفي الرجل ويساعده على تأمين رزقه، وتذهب بقية الأموال لحالات شبيهة كثيرة.

استيقظت “ريم” من على كتف أبيها أخيراً على فرحة العطاء، في حين لا تزال ألف ريم وريم تبيع المحارم في شوارع إسطنبول وغازي عينتاب وبيروت وعمان، وتتجول أخريات متسولات لا أقلام لديهن ولا مناديل يبعنها.

وبينما تتعفف “ريمات” كثيرات، تسقط القذائف على أخريات في بلدهن سوريا، ولا يحصلن إلا على المزيد من الحصار والقتل برصاص قوات الأسد منذ أربع سنوات بلا انقطاع.

أحمد أبو الخير – الخليج أونلاين