أخبار عاجلة
الرئيسية » الشأن السوري » فنانو سوريا يُحصون خيباتهم وخسائرهم

فنانو سوريا يُحصون خيباتهم وخسائرهم

يمضي السيناريست السوري عثمان جحى وقته هذه الأيام في نشر صور أبناء شعبه على صفحته على الفايسبوك، وهم إما مشرّدون في بقاع الأرض أو جثث تتقاذفها الأمواج على شواطئ بحر إيجه. عندما يتعب، يلوذ بما وصله من أرشيف صور عبر المواقع الإلكترونية والصفحات الناشطة لبيته في جوبر وبيت أهله وبيوت اقربائه وأصدقائه وهي عبارة عن ركام ودمار مطلق. من هناك، انطلق الكاتب الشاب الذي تخرج من قسم اللغة العربية في (كلية الآداب جامعة دمشق). في جوبر، تعرّف إلى صديق طفولته وبقية سنوات عمره المخرج الفلسطيني السوري المثنى صبح، وتقاسم معه أحزانه المتلاحقة التي تعرّض لها صاحب “ليس سراباً” ، إذ فقد في بضع سنوات جميع أفراد عائلته.

جوبر اليوم مدينة أشباح استعصت على الخلاص، تطلّ عليها غالبية سطوح أبنية دمشق العالية لتكشف كيف ابتلعتها الحرب بما فيها بيوت عائلة الكاتب السوري، ورفيقه المخرج المعروف اللذين ولدا وعاشا حياتهما كلها في جوبر، إلى أن أجبرتهما النيران على النزوح.

بضعة كيلومترات نحو دمشق الجديدة، ولن يكون حال عدد كبير من الفنانين السوريين أفضل من الشعب المشتت الذي واكبه الموت والتهجير خلال خمس سنوات. كلّ من قرر أن يمتلك بيتاً أو مزرعة أو حتى محط قدم خارج دمشق، خسر كل ما جناه في عمر كامل بلمحة بصر. في حديثه معنا، يقول عثمان جحى “الدمار والخراب المادي جزء بسيط مما تخلفه الحرب من تهالك نفسي على مر الزمن. ما نفع البيوت ونحن كنّا 11 أخاً لم يبق منهم في دمشق سوى ثلاثة؟ نجونا جميعنا من الموت، لكن الآن في هذه اللحظات، وأنا أتبادل معك أطراف الحديث، تخوض شقيقتي ريم ضربة حظ في عرض البحر في محاولة منها للوصول إلى أوروبا وإنقاذ عائلتها العالقة في تركيا”.

وسبق لأخي أن عاش تجربة موت محقق في عرض البحر، وقد شاءت الأقدار أن ينجو عندما غرق فيهم المركب وكان يحمل 535 شخصاً. نجا هو فقط مع سبعة آخرين يشرح كاتب “باب الحارة” مضيفاً: “هذا هو الدمار الحقيقي على ما أعتقد. أما بيوتنا التي أصبحت أكواماً من الخراب، فيسهل تجاوز خسارتها وإن بقيت ذكرياتنا وسنوات طفولتنا وشبابنا عالقة تحتها. لكن يبقى ما نعانيه من انهيار نفسي ومعنوي مطلق، ونحن نرى بعضنا منقادين تجاه عمق البحر يحدونا اليأس النهائي من بلادنا وما حلّ فيها”.
لن يكون جحى وحده من دفع ثمناً غالياً، فهناك عدد كبير من العاملين في الوسط الفني قدّموا قرابين لهذه الحرب القذرة حالهم كحال أبناء بلدهم. ربما أقسى خسارة قدمّها الممثل أحمد رافع بعدما فقد ابنه الممثل محمد رافع مطلع الأزمة. على صعيد آخر، ربما كان أول المتضررين من الوسط الفني السوري هو النجم أيمن زيدان الذي تعرض لحادثة تشليح علنية مطلع الأزمة، يوم أنزل من سيارته عنوة تحت تهديد السلاح، وتعرّض للسرقة وهو على باب بيته في بلدة “الدروشة” (غرب دمشق). البيت ذاته سطت عليه الجماعات المسلّحة وحولته مقرّاً لعملياتها بعدما سيطرت على البلدة كاملة، ولم توفّر بيت الفنان سليم صبري وزوجته ثناء دبسي اللذين كانا يتخذان من المكان ملاذاً يستريحان فيه من ضجيج دمشق وتلوثها. في السياق ذاته، كانت النجمة كاريس بشار قد اختارت عن غير قصد مدينة داريا لتكون مكان إقامة لعائلتها. لكن الحرب كان لها رأي مخالف عندما تحوّلت المدينة الريفية إلى جبهة مواجهة دمرّت معظم أحيائها قبل أن تجعل منها ما يشبه قلعة تحصّن فيها أهل المدينة في وجه النظام، ما جعلها تتعرض لقصف مدمر على مدار السنوات الماضية ولا تزال المعارك فيها على أشدّها حتى الآن.

على الطرف النقيض، لم تكن الحرب سبباً في خسائر مجموعة من الفنانين أو الإعلاميين السوريين الذين حجزت الدولة على أملاكهم بذريعة “تآمرهم على الوطن وتحريضهم على التدخل الخارجي” مثل السيناريست ريما فيلحان، والمذيعة علا عبّاس، والإعلامي توفيق حلاّق، إضافة إلى “محراك الشر والفتنة” فيصل القاسم.

أما النجم السوري جمال سليمان، فكانت طريقة القصاص منه بحجة القانون على اعتبار أن منزله مخالف. لذا توجّهت جرافات محافظة دمشق وهدمت له منزله في حيّ “المزة فيلات” من دون أي إنذار مسبق ولا السماح لعائلته بإفراغ المنزل من محتوياته ومكتبته. ولعل ذلك جاء رداً على مواقف كان النظام ينتظر منه بديلاً جذرياً منها على ما يبدو. على أي حال، سبق لنجم “التغريبة الفلسطينية” أن قال لنا: “لا يمكن لأحد أن يعتقد بأنه أفضل حال من شريحة كبيرة من السوريين، بل ربما العكس هو الصحيح لأن هؤلاء أحسن منه لأنهم قدموا تضحيات ولحق بهم الضرر أكثر. أمام تضحيات السوريين الجسيمة وخسائرهم المفجعة، أخجل أن أحكي عن خسائري”. لكن حكماً تبقى الخسارة الكبيرة لنجم”صلاح الدين” هي وفاة والديه في أسبوع واحد من دون أن يتمكّن من إلقاء النظرة الأخيرة عليهما أو حضور جنازتهما.

المرصد: كتب وسام كنعان