أخبار عاجلة
الرئيسية » فيسبوكيات » صفحات ناصعة من تاريخ دير الزور أهملها التاريخ

صفحات ناصعة من تاريخ دير الزور أهملها التاريخ

 من خلال سنوات اغترابي في الغرب لفترة طويلة كانت تدور هنا بين فترة وأخرى نقاشات ساخنة وتعقد مؤتمرات وتعرض أفلام وثائقية حول مأساة الشعب الأرمني أيام السلطنة العثمانية وكان طرفي النقاش هم المؤيدين لوقوع المجزرة والنافين لوقوعها لايألو جهدا في عرض حججه لإثبات موقفه وهذا الجدل استمر لسنين طويلة على مستوى العالم أجمع من شرقه الى غربه وإلى اليوم لم يعطي العالم الجواب الشافي القاطع لحصول هذه المأساة أم لا طبعا لوجود تداخلات معقدة من علاقة الغرب بتركيا سببت انقسام واضح بالرأي بين مؤيد ورافض لحصول تلك المأساة

وأنا كنت بدوري من المهتمين بمتابعة تلك النقاشات والمؤتمرات بشغف كبير لأني شخصيا عايشت بعض ذيولها من بعض الذين كانو مازالو على قيد الحياة في فترة طفولتي في مدينتي دير الزور التي كانت هي المحطة الأخيرة التي كان يساق اليها طوابير الأرمن من الأناضول الى شواطئ الفرات خلال تلك الفترة من الحرب العالمية الأولى وربما قبلها بعقود

كانت للسلطنة العثمانية سياسة استرضاء العشائر المعروفة في دير الزور بأخذ بعض شباب هذه العشائر من الذين قد حصلوا على بعض مبادئ التعليم الأولى من قراءة وكتابة يأخذونهم الى عاصمة السلطنة لإكمال تعليمهم لكسب رضاء تلك العشائر حتى يكسبو وقوف تلك العشائر الى جانبهم وعدم التمرد عليهم

وكان جدي من أمي رحمه الله هو من اختارته السلطة عن عشيرة البو خابور المعروفة في دير الزور ارسل الى اسطانبول ودرس في المدرسة العسكرية وتخرج برتبة ضابط صغير .

وخلال فترة طفولتي في مدينة دير الزور بعد عقود طويلة من انتهاء الحرب العالمية الأولى كان جدي وجدتي مازالا على قيد الحياة وكانت داره الكبيرة هي مكاني المفضل بكل مناسبة وكانت هي مجمع الأصهار والكناين والأحفاد في الأعياد والمناسبات وكنا نجتمع الأحفاد حول جدي طمعا بالعيدية وكان جدي لم يخيب أملنا يدس يده في جيب قنبازه الداخلي ويخرج قطع النقود الصغيرة ليوزعها علينا وكانت من الفترات النادرة التي أرى فيها جدي بإبتسامته العريضة على وجهه وهو يرى أحفاده يبادلونه السعادة لأننا لم نتعود منه في الفترات الأخرى الصرامة والإتزان وهي طباع ورثها من تربيته العسكرية السابقة

وخلال زياراتي الدائمة والمحببة لبيت جدي كانت تلفت نظري صورته المعلقة في صدر الصالة بلباس العسكري التركي وقلبقه الأسود دفع فضولي يوما أسأل جدتي السابق وما تعنيه هذه الصورة قالت لي بنبرة فخر واعتداد انه كان يمارس وظيفة سوق مامور في وزارة الداخلية العثمانية والتي كان يشرف عليها وقتها طلعت باشا وهو من المتهمين الرئيسيين في التسبب بمأساة الأرمن وكما ورد ذكره دائما في كل النقاشات التي حضرتها لاحقا ووظيفة سوق مامور بالعلم الحديث هي الشرطة القضائية والمكلفة بسوق المجرمين الى المحاكم ومن ثم الى السجون في حال الحكم عليهم وقد اختير جدي وقتها من بين العناصر المكلفين بسوق طوابير الأرمن من هضبة الأناضول الى شاطئ الفرات كمحطة نهائية لتصفيتهم وكانو فقط من النساء والأطفال وهذا مايؤكد الغموض حول مصير رجالهم

دفعني الفضول الزائد بعد ماذكرته لي جدتي ان اتوجه الى جدي وببراءة الطفولة ان استشف منه بعض الأخبار عن مجريات تلك الفترة وفوجئت   منه بالرفض القاطع وعندما علم عن مصدر معلوماتي وهو جدتي بدأ يؤنبها باللغة التركية والتي كانوا يتقنونها جيدا

وبعد ذلك بأيام اصبحت اكثر فضولا لمعرفة بقية القصة فكنت استغل فرصة غياب جدي عن البيت واذهب الى جدتي وأستفرد بها وكانت جدتي رحمها الله كانت تحمل معزة كبيرة لأحفادها وأنا من بينهم فأسرت لي ان سبب رفض جدي هو التزامه بالقسم الذي اقسمه عند تخرجه من المدرسة العسكرية ورغم ذلك فقد كرت لي السبحة وأخبرتني عن دور جدي المشرف يوم كان يقوم بمرافقة قوافل الأرمن وعند وصولهم الى دير الزور يعمل المستحيل ويسلك كل الوسائل لإنقاذ مايستطيع انقاذه قبل تصفيتهم منهم من كان يفتديهم بالمال وبمساعدة بعض العوائل الغنية في المدينة ليقوم برشوة الجنود والظباط الأتراك ويقوم بتخبئتهم عند جدتي وقد تعرفت في فترة شبابي على كثير من هؤلاء النساء بالمئات والذين استوطنو دير الزور وكونوا عائلات وكانت لي صداقات حميمة مع أولادهم وأحفادهم وكانوا دائما يذكرون لي دائما مآثر جدي بهذا الخصوص

ورأيتهم جماعات وأفرادا يمشون في جنازته يوم وفاته وكانت قلوبهم تنزف حزنا عليه رحم الله جدتي اللتي اثبتت لي بعفويتها عن تاريخ عجز العالم عن اثباته بقصد او غير قصد ورحم الله جدي الذي فاق بمآثره ومواقفه شندلر الألمان وقائمته المشهورة والذي خلده التاريخ وانتجت الأفلام العالمية عن قصة انقاذه الف يهودي من براثن النازية وكنت كلما تتاح لي فرصة زيارة دير الزور بعد الإغتراب اذهب الى زيارة قبره وتحضرني في تلك اللحظة قصة شندلر وتمنيت لو أستطيع أن أجمع جميع الأسماء من نساء وأطفال من الذين أنقذهم لأجعل منها قائمة وأضعها على قبره



تنويه : ماينشر على صفحة فيسبوكيات تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع