أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات وآراء » علي العائد: “شام شريف” تصدر اللاجئين

علي العائد: “شام شريف” تصدر اللاجئين

تذكر مرويات أن لاجئين من شرق أوروبا، من الشيشان والشركس والداغستانيين المسلمين، حين وصلوا إلى ميناء أنطاكية خلعوا أحذيتهم ونعالهم عندما وطأوا اليابسة وقبلوا الأرض.

إنها “شام شريف” حسب ما كان يحفظ هؤلاء الأجداد من كلام عربي بلسانهم الأعجمي.

في ذلك الزمن كانت سوريا تستقبل اللاجئين، بالرغم من أن السوريين عموماً (بلاد الشام) كانوا يهاجرون إلى الأمريكيتين منذ منتصف القرن التاسع عشر.

اليوم، دخل سوريو الشام تاريخ اللجوء من باب المأساة نفسه الذي دخله مواطنوهم الفلسطينيون منذ 67 عاماً، عندما احتل الصهاينة فلسطين بمباركة من رأس المجتمع الدولي آنذاك، بريطانيا، ليؤسسوا عام 1948 دولة “إسرائيل”، أو الكيان الصهيوني الذي يدعي أنه دولة لليهود، حتى مع وجود أغلبية اليهود في العالم خارج الكيان – الدولة.

السوريون وقعوا تحت احتلال نظام من أبناء جلدتهم منذ عام 1963، وتعزز هذا الاحتلال منذ 1970، عندما تحولت سوريا إلى مزرعة عائلية لأسرة ورَّثت الحكم من الأب إلى الابن، وتنوي إعادة التوريث إلى الأبد.

في منطق المصالح، إسرائيل تخدم وجود نظام الحكم الأسدي، والعكس صحيح. نظام الممانعة المستقر منذ 1974 قرينة على ذلك إن لم يكن دليلاً.

خارج جدل الممانعة، تسبب نظاما الأسد، وإسرائيل، في أكبر موجتي لجوء في التاريخ.

منذ منتصف 2012 تصاعدت حركة اللجوء السوري ليصل عددهم إلى أكثر من أربعة ملايين سوري في دول الجوار وأوروبا وبلاد أخرى بعيدة. يقابلهم رقم قريب من مليون فلسطيني أُخرجوا من فلسطين الأولى (1948) إلى فلسطين الثانية (1967)، ومن ثم إلى الشتات في دول الجوار العربية (بلغ عدد الفلسطينيين في سوريا عام 2010 أكثر من 581 ألف نسمة).

رقم المليون في ذلك الزمان يعادل، أو يزيد، على رقم الأربعة ملايين. لكننا اليوم أمام أرقام مطلقة. بالطبع، هنالك أعمار وحيوات، وقصص، وعواطف لا يذكرها اليوم إلا أصحابها من آباء فلسطينيي اليوم وأجدادهم، وسيأتي يوم يروي فيه سوريو الشام تفاصيل تغريبتهم المتدحرجة.

جاءت مأساة اللجوء مضاعفة داخل فلسطين بين عامي 1948، و1967، فمن نزح من حيفا، مثلاً، إلى القدس في التاريخ الأول، اضطر للجوء إلى خارج فلسطين التاريخية في التاريخ الثاني.

الآن، اضطر فلسطينيو اللجوئين الأول والثاني، أو أبناؤهم وأحفادهم، إلى لجوء ثالث في المنافي القريبة والبعيدة. هو لجوء مثلث، إذاً، حتى اليوم.

أما السوريون، في ما يسمى الجمهورية العربية السورية على الأقل، فلطالما كانوا مستقبلين للاجئين في مفاصل قريبة وبعيدة من التاريخ.
في الذاكرة القريبة نجد فلسطينيي 1948، و1967.

اللبنانيون في أعوام 1982، و1996، و2006. والكويتيون عام 1990، والعراقيون في ما بعد الاحتلال الأمريكي عام 2003.

أما الذاكرة الأبعد فترصد لجوء الأرمن إلى سوريا وبلاد الشام في عام 1915. أبعد قليلاً لجوء الشركس في عام 1872، بالإضافة إلى موجات لجوء متلاحقة من دول البلقان (الأرناؤوط والبوشناق “البوسنيون”) في ما بعد عام 1829، بل واليونانيون أنفسهم لجأوا إلى حلب عام 1943. وقتها فرَّ أكثر من 12 ألف لاجئ يوناني إلى حلب تحديداً من بين بلاد أخرى من الشرق لجأوا إليها بعد غزو ألمانيا وإيطاليا لبلادهم.

وصل اللاجئون السوريون والفلسطينيون إلى أوروبا أخيراً، بأعداد مختلف عليها إحصائياً، لكن العدد لا يتجاوز 400 ألف من مجموع الملايين الأربعة من اللاجئين السوريين.

تقول ألمانيا، التي يشاع أنها “الأكثر كرماً” في استقبالها اللاجئين، إنها تتوقع أن يصل عدد اللاجئين إليها 800 ألف نهاية هذا العام.
الإعلام تداول الرقم على أنه يمثل اللاجئين السوريين. في الحقيقة، لا يشكل السوريون أكثر من ثلث هذا العدد، إذ يتوزع طالبو اللجوء إلى أفغان وشرق آسيويين وأفارقة وعراقيين، إضافة إلى السوريين.

وأظهرت تسجيلات على اليوتيوب صدامات وشجارات بين سوريين وأفغان تفوق فيها الأفغان بدموية واضحة لم تصل إلى حد القتل، بل بدأت
تنتشر حكايات من باب المضحك المبكي، منها أن طفلاً أجاب حين قال إنه سوري، ورداً على سؤال آخر “من أي منطقة أنت من سوريا؟”: من العراق!

ما يعزز من احتمال صحة هذه الطرفة رواج سوق تزوير الأوراق السورية، من جوازات سفر وبطاقات شخصية، لأفراد من جنسيات أخرى. فبعد حادثة موت لاجئين أغلبهم سوريون في شاحنة في النمسا قبل ثلاثة أسابيع، جاءت قصة غرق الطفل إيلان شنو (اشتُهر باسم إيلان الكردي نسبة إلى عرقيته) قبل أسبوعين، لتشكل الحادثتان المأساويتان إيهاماً إعلامياً أن ضمير ساسة أوروبا استيقظ في بعض الدول، بينما لا تزال الحقيقة تقول إنه يغط في نومه المفتعل في كل الدول بعدما ذهبت مفاعيل الصدمة الأولى.

بدا اللاجئ السوري ملكاً على غير الحقيقة، وبدت أنجيلا ميركل نصيرة فقراء سوريا الملوك. كما تجادل السوريون في نسبة الشبيحة من اللاجئين.

في النتيجة، سوريو سوريا وفلسطينيوها، أطفالاً ونساء ورجالاً وشيوخاً، ما زالوا يتدفقون إلى دروب أوروبا، فقراء إلى أمن بعدما قذفهم نظام الأسد الجلاد في البحار، وبعدما حاصرتهم داعش وأخواتها.

أما الأنباء، والأباطيل، وحتى الحقائق، عن تفاصيل اللجوء، ومبرراته، فلا يحق لأحد منا لوم أي لاجئ على خياره، إن كان هارباً من الموت، أو من التكفير، أو خوفاً على أولاده ومستقبلهم، وحتى إن كان يشكو من قلة الكهرباء والماء والإنترنت في سوريا.

في النهاية، سوريو سورية، السوريون والفلسطينيون، يبحثون عن حياة في مكان ما لا يعرفون عنه مسبقاً إلا أنه أفضل من سوريا حتى في سنوات ما قبل الثورة.

المصدر: 24



تنويه : ماينشر على صفحة مقالات وآراء تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع