أخبار عاجلة
الرئيسية » تقارير » ألمانيا والتغيير المفاجىء من سياسة “اليد الممدوة الى الحزم” بموقفها من ازمة اللاجئين

ألمانيا والتغيير المفاجىء من سياسة “اليد الممدوة الى الحزم” بموقفها من ازمة اللاجئين

أعادت ألمانيا فرض الرقابة على حدودها يوم الأحد بعد أن أقر أقوى بلد أوروبي بأنه لا يستطيع التعامل مع آلاف من طالبي اللجوء الذين يصلون يوميا.

حينما التقى ماركوس بوتزيل سفير ألمانيا لدى أفغانستان مع مسؤولين كبار في الحكومة الأفغانية وصحفيين كان يحمل إليهم رسالة واضحة مفادها: لا تصدقوا ما تسمعون عن ألمانيا أو على الأقل لا تصدقوا كل شيء.

ومع أن قنوات التلفزيون الأفغانية أشادت بالترحيب الذي استقبلت به ألمانيا اللاجئين الذين يتدفقون عبر حدودها فإن السفير قال إن هذا لا يعني أنه بوسع أي شخص أن ينتقل إلى ألمانيا أو الاتحاد الأوروبي.

وقبل يوم من اجتماع وزراء الاتحاد الأوروبي المنقسمين بشدة حول معالجة أزمة اللاجئين دعت الوكالة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة أيضا كل من الدول الأعضاء لاستيعاب جزء من طالبي اللجوء بموجب خطة مطروحة في بروكسل تواجه معارضة قوية من جانب بعض الدول.

وأعلنت أن هذا الإجراء المؤقت سيُتخذ أولا على حدودها الجنوبية مع النمسا حيث زاد وصول المهاجرين بشكل كبير منذ أن فتحت المستشارة الألمانية  فعليا حدود ألمانيا أمام المهاجرين قبل اسبوع.

وقد واجهت المستشارة الالمانية انغيلا ميركل الاثنين انتقادات بعد التغيير المفاجىء في موقفها من ازمة اللاجئين حيث انتقلت من سياسة اليد الممدوة الى الحزم، وخصوصا بسبب عدم توقعها المشاكل اللوجستية ومعارضة اعضاء في حزبها لهذه السياسة.

وعلقت صحيفة “دير شبيغل” بالقول “الحلم الجميل انتهى” بعدما حاولت المانيا ومستشارتها على مدى اسبوعين ان تكون مثالا لسائر دول العالم عندما فتحت حدودها بالكامل امام طالبي اللجوء.

والاكثر احراجا لميركل هو ان رئيس وزراء المجر الذي انتهج سياسة متشددة جدا ضد المهاجرين والذي عارض موقف المانيا علنا، كان اول من رحب الاحد بهذا التحول في موقفها عندما دعا الى اعادة فرض “رقابة” ضرورية على الحدود.

اما هنري غينو المستشار السابق لنيكولا ساركوزي وعضو حزب الجمهوريين اليميني الفرنسي فقد سخر من ان “تكون المانيا هي التي تعيد اليوم الرقابة على الحدود بعد ان اعلنت ميركل قبل بضعة اسابيع انها تريد استقبال 800 الف لاجئ”. وتابع غينو “لقد قامت بذلك دون استشارة شركائها او جيرانها ودون اي اكتراث للعواقب”.

وهذا ليس التغيير الاول في سياسة ميركل التي تنتهج عادة خطا براغماتيا ولا تتردد في تعديل خياراتها بموجب ميول الراي العام الالماني.

ففي العام 2011، وبعد كارثة فوكوشيما، رضخت لضغوط انصار البيئة عندما قررت التخلي عن الطاقة النووية التي كانت تدعو اليها قبل فترة وجيزة.

من جهتها، كتبت صحيفة “سودويتشه تسايتونغ” ان المستشارة الالمانية “ما كان يجب ان تغير سياستها بهذا الشكل المفاجئ” حول مسالة اللاجئين، مضيفة ان عليها ان “تقر انها اساءت تقييم الوضع سياسيا اكثر من اي وقت مضى”.

واتخذ القرار باعادة فرض رقابة على الحدود للحد من تدفق عشرات الاف اللاجئين القادمين من البلقان مرورا بالمجر والنمسا في سياق سياسي داخلي ينطوي على مخاطر بالنسبة الى ميرال.

فالفرع البافاري اي الاكثر تشددا من حزب ميركل لم يتردد منذ عدة ايام في انتقاد السياسة المتعاطفة التي تنتهجها الحكومة.

وطالب وزير النقل وعضو الحزب الكسندر دوبرينت في نهاية الاسبوع الماضي ب”اتخاذ اجراءات فعالة لوقف التدفق” لاننا “بلغنا” اقصى قدراتنا على الاستيعاب. والكسندر معني بالوضع اكثر من سواه لان غالبية اللاجئين يدخلون المانيا من بافاريا.

وفي داخل حزب الاتحاد المسيحي الديموقراطي نفسه، ظهرت بوادر انشقاق. فقد اعتبر ينس يان احد قياديي الحزب ان سياسة الانفتاح “تشجع” اللاجئين على “التوجه الى المانيا”.

كما تعرضت ميركل في نهاية الاسبوع الماضي الى انتقادات رؤساء حكومات المقاطعات الذين اعربوا جميعهم ومن بينهم اعضاء حزبها عن اسفهم لعدم الاعداد المسبق لسياسة فتح الابواب امام اللاجئين في الاسابيع الماضية مما ادى الى اكتظاط مراكز الاستقبال.

وشكل الوضع في نهاية الاسبوع الماضي في ميونيخ الانذار الاخير لبرلين.

وللاسبوع الثاني على التوالي واجهت ميونيخ وصول قرابة 20 الف طالب لجوء اضطر بعضهم الى النوم في العراء لعدم توفر اماكن او اسرة. وازاء هذا الوضع، اصبح الراي العام الالماني في حيرة من امره اذ لا يفهم ماذا تريده ميركل تماما من مسالة اللاجئين.

ففي مطلع تموز/يوليو، كانت ميركل تبدو بموقف متشدد عندما قالت خلال نقاش عام ردا على شابة فلسطينية متاثرة ان المانيا لا يمكنها استيعاب كل المآسي في العالم. وفي مطلع ايلول/سبتمبر، التقطت لها صور وهي تبتسم مع سوريين تم ايواؤهم في منازل قبل ان تعود الى خطها المتشدد.

وكتبت صحيفة “داي فيلت” المحافظة “في هذه الظروف السؤال هو هل اعدت السياسة الالمانية حول اللاجئين على امل تحقيق هدف واضح ام لا”.

وقال وزير الداخلية الألماني توماس دو مازيير “الهدف من هذه الإجراءات هو الحد من التدفقات الحالية إلى ألمانيا والعودة إلى الإجراءات المعتادة التي تنظم دخول الأشخاص إلى البلاد”. وأضاف دو مازيير أن هذا الأمر ضروري ايضا لاعتبارات أمنية.

وقالت المفوضية الأوروبية في بيان “حرية تنقل الأفراد بموجب اتفاقية شينجن نموذج فريد للتكامل الأوروبي… لكن الوجه الآخر للعملة هو إدارة مشتركة أفضل لحدودنا الخارجية ومزيد من التضامن في التعامل مع أزمة اللاجئين.”

وسيبحث وزراء داخلية الدول الأعضاء بالاتحاد الأوروبي (28 دولة) في اجتماع طاريء يوم الاثنين مقترحات المفوضية لإعادة توزيع نحو 160 ألفا من طالبي اللجوء في أنحاء الإتحاد.

وقالت المفوضية في بيان “نحتاج لتقدم سريع بشأن اقتراحات المفوضية الآن”. يأتي البيان في الوقت الذي يواصل فيه عشرات الآلاف من المهاجرين واللاجئين الفارين من الحرب والفقر في سوريا ومناطق أخرى في الشرق الأوسط وآسيا وافريقيا شق طريقهم شمالا.

وحظي رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر بدعم من المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة.

ودعت المفوضية لانشاء مراكز استقبال لمساعدة وتسجيل وفحص الأشخاص الذين يصلون إلى دول منطقة شينجن مثل اليونان وإيطاليا والمجر. وقالت المفوضية في بيان “يتعين إنجاز هذاالأمر من خلال التطبيق السريع لبرنامج إعادة التوطين الذي اقترحته المفوضية الأوروبية.”

ويواجه اقتراح للمفوضية الأوروبية بأن تقبل كل دولة عددا من اللاجئين بموجب نظام من الحصص الإلزامية معارضة قوية من بعض الدول خاصة في وسط أوروبا.

وتمثل ألمانيا صاحبة أكبر وأغنى اقتصاد في أوروبا نقطة جذب للكثير من الفارين من الحرب والفقر في سوريا ومناطق أخرى في الشرق الأوسط وأفريقيا. وقالت الشرطة إن نحو 13 ألف مهاجر وصلوا إلى ميونيخ وحدها يوم السبت إضافة إلى ثلاثة آلاف شخص وصلوا صباح الأحد.

وانضمت ألمانيا الآن إلى قائمة من الدول الأصغر والأكثر فقرا مثل اليونان والمجر التي تبذل جهودا مضنية للتعامل مع تدفق أعداد ضخمة من المهاجرين اليائسين.

وقال وزير الداخلية الألماني “هذه الخطوة باتت ضرورية. ينبغي عدم استنزاف رغبة ألمانيا الكبيرة في المساعدة التي أبدتها في الأسابيع الأخيرة من خلال موظفين يعملون بدوام كامل وأيضا من خلال آلاف المتطوعين.”

وقالت المفوضية الأوروبية إن عودة ألمانيا إلى إجراءات الرقابة على الحدود أمر مبرر قانونا. وكانت هذه الإجراءات قد أزيلت في العقود القليلة الماضية في معظم أنحاء القارة الأوروبية وحثت المفوضية على اتخاذ إجراء في اجتماع يوم الاثنين في بروكسل.

واضافت المفوضية في بيان “قرار ألمانيا اليوم يظهر الحاجة الملحة للموافقة على الاجراءات التي اقترحتها المفوضية الأوروبية من أجل احتواء أزمة اللاجئين.”

وقالت متحدثة باسم شركة السكك الحديدية النمساوية (أو.ئي.بي.بي) يوم الأحد إن ألمانيا قررت وقف حركة القطارات القادمة من النمسا. واضافت المتحدثة أن رئيس شركة السكك الحديدية الألمانية أبلغ نظيره النمساوي بهذا القرار.

وفي وقت سابق قالت برلين إنها في حاجة للمساعدة من شركائها بالاتحاد الأوروبي. وقال وزير الاقتصاد الألماني زيجمار جابرييل الذي يشغل أيضا منصب نائب المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل “هذا حقيقي: العجز الأوروبي في أزمة اللاجئين يدفع الآن حتى ألمانيا إلى أقصى حدود طاقتها.”

وبعد أن تقطعت السبل بأعداد كبيرة من المهاجرين في ظروف صعبة وفوضوية على الحدود الأوروبية في حين كان آخرون يسيرون منهكين على جوانب الطرق السريعة أوقفت ميركل قبل عدة أيام سريان قواعد اتفاقية “دبلن” التي تلزم طالب اللجوء بتسجيل اسمه في أول دولة من دول الاتحاد يصل إليها.

ودافع دو مازيير عن قرار ميركل لكنه أصر على أن قواعد دبلن مازالت سارية. وقال “نحن في حاجة الآن للعودة سريعا إلى الإجراءات المنظمة (لدخول اللاجئين).” وأضاف “لا يمكن أن نسمح للاجئين بأن يختاروا بحرية أين يريدون الإقامة.. هذا لا يحدث في أي مكان في العالم.”

ويرفض معظم طالبي اللجوء البقاء في دول جنوب أوروبا الأكثر فقرا مثل اليونان ويواصلون رحلتهم بدلا من ذلك شمالا إلى ألمانيا أو السويد حيث يتوقعون ترحيبا أكبر. ورحب كثير من الألمان بوصول اللاجئين بالهتاف في حين هرع المتطوعون لمد يد العون وتقديم المساعدة.

وأشاد بيتر ماورير رئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر ومقرها جنيف بميركل لإبدائها روح الزعامة في التعامل مع الأزمة.

لكن ماورير عبر عن عدم ارتياحه تجاه إعلان رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان انه سيستخدم سياجا بني حديثا لإغلاق الحدود مع صربيا أمام المهاجرين في 15 سبتمبر أيلول على أن يتم اعتقال من يتمردون على هذا القرار. وقال ماورير لصحيفة زونتاج تسايتونج السويسرية “أرى ذلك خطيرا عندما تنجرف دولة أوروبية إلى هذا الاتجاه.”

وتعارض دول وسط أوروبا بقوة خطة يونكر بشأن توزيع اللاجئين في أنحاء الاتحاد وترفض أي اقتراح بحصص ملزمة.

وقال رئيس الوزراء التشيكي بوهوسلاف سوبوتكا يوم الأحد إن جمهورية التشيك لا يمكنها التراجع عن موقفها الرافض لفرض الاتحاد الأوروبي حصصا إلزامية من المهاجرين على الدول الأعضاء فيه. وأضاف في برنامج تلفزيوني حواري “أرى أنه من المستحيل التراجع (بشأن الحصص).. موقفنا ثابت.”

وفي سلوفاكيا المجاورة قال وزير الداخلية روبرت كاليناك انه سيحاول عرقلة خطة الحصص. وأضاف في مقابلة تلفزيونية “انها لا معنى لها … ولا تحل المشكلة بأي شكل.”

وقالت بولندا إنها قد تقبل مزيدا من المهاجرين لكن بشرط أن يؤمن الاتحاد الأوروبي حدوده الخارجية ويفصل بين المحتاجين للمساعدة وبين المهاجرين لدوافع اقتصادية ويسمح لوارسو بالمشاركة في فحصهم من وجهة نظر أمنية.

في الوقت نفسه واصل المهاجرون المخاطرة بحياتهم والقيام بهذه الرحلات. وقال خفر السواحل اليوناني إن 34 لاجئا نصفهم تقريبا رضع وأطفال غرقوا عندما انقلب قاربهم قبالة جزيرة يونانية وهو أكبر عدد تقريبا يلقى حتفه من اللاجئين في حادثة واحدة في مياه يونانية منذ بدء أزمة اللاجئين.

وعلى جزيرة ليسبوس التي تحملت العبء الأكبر في تدفق اللاجئين على اليونان والتي زارتها القائمة بأعمال رئيس الوزراء فاسيليكي ثانو يوم الأحد شاهد مراسل رويترز خلال 90 دقيقة عشرة قوارب مطاطية وهي تصل قادمة من تركيا.

وفي المجر قال تلفزيون إم1 الرسمي إن ما بين ثمانية وعشرة آلاف مهاجر عبروا إلى النمسا عند معبر هيجيشالوم بحلول الساعة السادسة مساء (16000 بتوقيت جرينتش) ومن المتوقع عبور عدة آلاف آخرين مع نهاية يوم الاحد.

وتتوقع برلين وصول 800 ألف مهاجر جديد هذا العام. وفي مطلع الأسبوع أقامت ألمانيا نقاط مراقبة حدودية مؤقتة في محاولة لكبح الأعداد المتزايدة.

وفي الوقت نفسه قررت وزارة الخارجية أنه يجب عمل شيء لوقف التدفق قبل وصول اللاجئين إلى أوروبا.

وأرسلت الوزارة تعليمات إلى السفارات الألمانية تبلغهم كيفية التعامل مع الشائعات والمعلومات المضللة التي تبعث -على حد قولها- في نفوس طالبي اللجوء آمالا كاذبة عن آفاق المستقبل الذي ينتظرهم.

وقالت السفارة على موقع فيسبوك “معظم هذه التقاير ينشرها المهربون عن عمد لبعث آمال كاذبة بين اللاجئين مستغلين الأوضاع البائسة للاجئين بما يحقق مصالحهم الاقتصادية الشخصية. المهربون يكذبون.”

وقالت السفارة مع ترجمة عربية إنه ليس صحيحا أن ألمانيا وافقت على استقبال 800 ألف لاجئ. وأوضحت أن الرقم هو تقدير للأعداد المتوقع وصولها إلى ألمانيا هذا العام وأن نسبة كبيرة منهم لن يُعترف بهم بوصفهم لاجئين وسيضطرون إلى المغادرة.

ويؤوي لبنان إعدادا كبيرة من اللاجئين السوريين لكن وزير الداخلية الألماني توماس دي مايتسيره قال يوم الأحد إن بعض اللاجئين الساعين إلى دخول ألمانيا يتظاهرون بأنهم سوريون أملا بمنحهم حق اللجوء.

وقال مصدر في وزارة الخارجية في برلين لرويترز “في بلدان المنشأ التي يأتي منها اللاجئون وفي البلدان التي يمرون بها تنتشر الشائعات والمعلومات المضللة عن عمد لاسيما عبر وسائل التواصل الاجتماعي.”

وللمساعدة في الرد على الشائعات تتلقى السفارات توجيهات من برلين. وتهدف الخطة إلى نشر الرسالة عبر فيسبوك للاجئين السوريين والإذاعة في أفريقيا وعبر التلفزيون في أفغانستان على أساس الوسيلة الإعلامية الأكثر شيوعا في البلدان المعنية

 

– المركز الديمقراطي العربي