أخبار عاجلة
الرئيسية » تقارير » لماذا تفعل روسيا ذلك ؟

لماذا تفعل روسيا ذلك ؟

لم يعد ذا معنى الحديث اليوم عن وجود جسر جوي عسكري روسي لدعم نظام الأسد ،أو استخدامها لمرات عدة (فيتو مجلس الأمن) لتعطيل أي حل للحرب الدائرة في سوريا خلال تلك السنوات ،طالما أن بوتين اتخذ القرار علناً بإجراء أكبر مناورات عسكرية حيّة قبالة السواحل السورية ،واستقدم للجغرافية السورية تحت تلك الذريعة آليات عسكرية ثقيلة وسفناً حربية وغواصات وطائرات وأنظمة متطورة من الدفاع الجوي وكتل بشرية لا يستهان بها في الأعراف العسكرية. في حين اكتفت الولايات المتحدة بالمراقبة وغوغاء التصريح ، وغاصت أوروبا في بحر اللاجئين إنسانياً.

يقول وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في تصريح صحافي عن الدعم الروسي المتطور والكبير لنظام (بشار): “إن هدفه دعم النظام الشرعي دولياً والحفاظ على عدم انهيار الدولة كما حدث في العراق وليبيا”… لقد أصاب حقيقة في الجزء الأول من تصريحه وأخطأ في الثاني، إذ استطاعت روسيا أن تمنع سقوط النظام دوليا (مازال مندوب النظام معترف به رسميا في الأمم المتحدة وهياكلها، كما لم يتم منح مقعد سوريا في جامعة الدول العربية للمعارضة) خلال تلك السنوات بالرغم من وجود 130 دولة تدعي أنها (أصدقاء الشعب السوري) وتقول أن النظام فقد الشرعية بينها أميركا والغرب وغالبية الدول العربية.

في الجانب الآخر وبفضل جهود موسكو، ضاعت الدولة السورية آخر معقل للروس في الشرق الأوسط، وتحولت إلى أبشع أنواع الصراعات الدينية والإثنية والعقدية والقومية وذلك نتيجة تغاضيها عمداً عن استقدام مرتزقة الملالي من إيران وأفغانستان والعراق ولبنان للقتال إلى جانب نظام العصابة الأمر الذي أفرز رد فعل معاكس حتى بتنا أسوأ من الصومال.

ويتساءل البعض لماذا تفعل روسيا ذلك ؟

لقد عمدت روسيا إلى احتضان انقلاب ضباط البعث على الشرعية في ستينيات القرن الماضي معتبرة تثبيتهم في السلطة امتداداً لنفوذها وسبباً في وصولها للمياه الدافئة وخطاً متقدماً في الحرب الباردة مع الولايات المتحدة وأوروبا، وبوابة نهوض اقتصادي لنظامها المتهالك بعد الحرب العالمية، ومركز عبور وضغط في الشرق الأوسط ،

فدعمت إنشاء عشرات المشاريع الحياتية الرئيسية الهامة وأغدقت القروض على نظام سوريا لتتغلل بخبراتها في كل مفاصل الدولة، فثبّتت حكم الأسد وبنت القوة العسكرية بشتى أشكالها ، وزودت أجهزة المخابرات بأحدث العلوم الأمنية، وأقامت المنظومات الدفاعية والبحرية ،ولكي يكون الوجود صحيحاً كان لابد للروس من عقد اتفاقيات عسكرية وثقافية واقتصادية مع نظام الأسد الأب والإبن . لقد كانت ومازالت روسيا متواجدة في كل مفاصل الدولة السورية الأمنية العميقة، وبعيداً عن الجيش والأمن تواجد الخبراء الروس في سد الفرات ومراكز توليد الكهرباء والموانئ وحقول النفط والغاز والفوسفات وفي مراكز البحوث العلمية والسكك الحديدية ومصانع الحديد و..إلى آخره.

وبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين عام1989 و1990 أكثر من مليار و400 مليون جنيه إسترليني ،وارتفعت صادرات روسيا الاتحادية إلى سوريا مع توريث بشار الأسد السلطة من 95 مليون دولار عام 2000 ،إلى 138 مليون دولار عام 2002 .كما جرى توقيع اتفاق روسي ـ سوري للتعاون الصناعي والتكنولوجي خلال زيارة الأسد لروسيا عام 2005 وإبرام اتفاقيات ضخمة ومشاريع كبيرة تجاوزت 100 مشروع تجاري واقتصادي تم بموجبها شطب 9.8 مليار دولار من صافي ديون سوريا لموسكو، البالغة وقتها 13.4 مليار دولار،

وبين عامي 2005 و2010 حدثت قفزات كبيرة في حجم التبادل التجاري بين البلدين. إن تواجد الخبراء والعسكريين الروس في جيش النظام السوري يظهر جلياً في القوى الجوية بمختلف اختصاصاتها ( مدربو طيران ، مهندسو طيران ، خبراء دفاع جوي ، ورادار جوي، خبراء إشارة جوية، وغيرهم ) إذ يقدر عددهم بحوالي ألف خبير حاليا ، ويأتي في الدرجة الثانية اختصاصيو الحرب الإلكترونية ، كما يظهر انتشار واسع لهم فيما يعرف بـ ( ميناء الروس ) في اللاذقية، إضافة إلى القاعدة البحرية الروسية في طرطوس قرب اللواء البحري \٥٦\ وهي تضم مؤخرا ( فرقاطات ، وسفن إنزال ، وطرادات، وغواصات) ، وطواقم تشغيل تجاوزت ألف خبير، وفي الآونة الأخيرة وردت معلومات تؤكد قدوم نحو ألف جندي من قوات البحرية المشاة، إلى القاعدة الروسية البحرية، بهدف الحفاظ عليها، وعلى مطار حميميم العسكري، وقواعد إطلاق الصواريخ بعيدة المدى في ( عين الشرقية ) قرب بيت ياشوط التابعة لمدينة جبلة ، كما يتوقع وصول آلاف آخرين،

ولا يمكن تفسير تغاضي الولايات المتحدة وإسرائيل عن تعاظم الوجود الروسي إلا بوجود موافقة مسبقة خارج التصريحات المستهلكة إعلامياً ،إذ بإمكان هذه الصواريخ الوصول لكل فلسطين المحتلة (الكيان الصيهوني ) ، كما أن تصريحات القارة العجوز المتعلقة بالوجود الروسي في سوريا والدعم العسكري لنظام الأسد باتت مستهلكة، ولا ترقى لتسارع الأحداث حيث تتخبط القارة العجوز بين رافض لأي وجود لنظام بشار في أي حل سياسي (فرنسا)، وبين من يقترحه لقيادة حكومة انتقالية يتقاسم بها السلطة مع المعارضة لفترة محددة ثم يتنحى (بريطانية) ، مع رفضه حتى التفكير في هذا العرض .

وبين هذه وتلك دول تعتبره نظاماً مهماً في مكافحة الإرهاب يجب الشراكة معه، وبين تصريح هنا وتخبط هناك تتقدم روسيا ميدانياً على الأرض لتؤكد أن مصالحها ليست بالأسد كشخص بل بالنظام الذي أسسته ودعمته وربته منذ أربعة عقود ،ولا يمكن لها أن تتنازل عنه.

 

في المقابل يمكن قراءة التطورات الميدانية المتسارعة على الأرض في دمشق وأطراف الغوطة الشرقية والزبداني وشمال حلب وإدلب وحمص محاولة من الحلف العربي التركي الداعم لعدد كبير من الفصائل الثورية المعارضة لخلط الأوراق على الأرض وقلب الموازين بعدما استنزفوا آخر محاولاتهم بإقناع الولايات المتحدة التدخل لإنهاء المأساة السورية عقب لقاء خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز بالرئيس باراك أوباما ليصبح ما قاله وزير خارجية السعودية \عادل الجبير\ في مؤتمره الصحافي مع لافروف قبل فترة أمراً حقيقياً “أما أن يخرج الأسد بحل سياسي أو يخرج بعملية عسكرية “.

من جهة أخرى أتحفتنا صحيفة ” يديعوت أحرنوت ” الإسرائيلية التي تعلم مخابرات كيانها حقيقة مايجري في سورية بمعلومات تؤكد قيام قاسم سليماني قائد فيلق القدس بإرسال المئات من الجنود الإيرانيين للقتال إلى جانب الأسد خلال الأيام الماضية بضوء أخضر من الرئيس فلاديمير بوتين ، فيما يؤكد أن خطوات الإيرانيين في سوريا مرسومة بحسب البوصلة الروسية ولا يمكن لها أن تأخذ أبعد من حجمها ، وأشارت في الوقت ذاته إلى أن طيارين حربيين روس سيصلون في الأيام المقبلة إلى سوريا وسيستخدمون مروحيات وطائرات قتالية تابعة لسلاح الجو الروسي ضد أهداف (داعش) والميليشيات المتطرفة التي تعمل على إسقاط ( الأسد ) مترافقين مع وصول آلاف من رجال الجيش الأحمر ك( مستشارون ، مرشدون ، رجال الجهاز اللوجستي والفني، مقاتلون من منظومة الدفاع الجوي وطيارون سيستخدمون الطائرات التي ستصل من روسيا ).

إن قتال الروس لأجل مصالحهم ومناطق نفوذهم إلى جانب عصابة الأسد قد يحقق لهم تقدماً مؤقتاً ربما يكون بانكفاء العصابة الأسدية للجيب العلوي في الساحل ، لكنه قطعاً لن يكون دائماً وسيكون له انتكاس أكبر يطيح بكل مااستنزفته روسيا من سوريا عبر عملائها خلال العقود الماضية ،فهي لن تستطيع استعادة الأراضي التي خسرها النظام ولن تستطيع أن تقيم دولة في جيب علوي مكروه من محيطه وإقليمه ،إنه وجود عبثي الغاية منه تدارك المصالح التاريخية لروسيا في المنطقة …وليس بالضرورة مصالحهم مع آل الأسد ، ومالعراق وليبيا عنا ببعيدتين.

الصحافي :مصعب السعود