أخبار عاجلة
الرئيسية » الشأن السوري » تنافس على الحسكة: عودة “داعش”… والأكراد “يحجمون” نفوذ النظام

تنافس على الحسكة: عودة “داعش”… والأكراد “يحجمون” نفوذ النظام

عاود تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) مهاجمة مناطق تمركز قوات النظام السوري وقوات “حماية الشعب” الكردية في مدينة الحسكة بالسيارات المفخخة، خلال الأيام الثلاثة الأخيرة. واستهدف التنظيم يوم الثلاثاء، مركزاً لقوات النظام قرب محطة القطار، وسط الحسكة، بسيارة مفخخة، كما استهدف مقراً لقوات الأمن الداخلي الكردية، في منطقة خشمان، شمالي الحسكة. وتسبّب التفجيران بمقتل أكثر من 30 شخصاً، نحو نصفهم من المدنيين، وفق مصادر طبية. كما تسبب تفجير ثالث بسيارة مفخخة عند مقرّ قوات “حماية الشعب” في الطريق الواصل بين دوار محلج القطن وساحة خطو في حي تل حجر، شمالي الحسكة، بمقتل سبعة أشخاص، بينهم خمسة مدنيين ومقاتلان كرديان.

وعاود طيران التحالف الدولي شنّ غاراته الجوية على مناطق تمركز “داعش”، جنوبي الحسكة، والتي ينطلق منها التنظيم لمهاجمة نقاط تمركز القوات الكردية وقوات النظام، ما حدا بقوات “حماية الشعب” إلى اتخاذ قرار يحظر التجول في المدينة باستخدام الدراجات النارية، وذلك خوفاً من استخدام عناصر “داعش” تلك الدراجات.

وسبق أن تسبّبت المعركة الأخيرة في الحسكة بين “داعش” الذي اقتحم المدينة من جهة، وبين قوات النظام وقوات “حماية الشعب” والمليشيات الحليفة لهما من جهة ثانية، والتي انتهت بانتصار النظام والقوات الكردية، بتدمير معظم البنية التحتية ومؤسسات الدولة السورية في الحسكة. وترافق ذلك، مع تعاظم نفوذ القوات الكردية والإدارة الذاتية التي تتبعها، مقابل تراجع غير مسبوق لنفوذ النظام السوري في الحسكة وريفها.

استنزاف النظام

بدأ تنظيم “داعش” هجوماً واسعاً على مدينة الحسكة، نهاية شهر يونيو/حزيران الماضي، تمكّن خلاله من السيطرة على القسم الجنوبي من المدينة. وتوغّل شمالاً ليصل، في يوليو/تموز الماضي، إلى أطراف حيي العزيزية والمفتي وسط مدينة الحسكة، قبل أن يجبره هجوم معاكس شنّته قوات النظام السوري ومليشيات الدفاع الوطني، الموالية للنظام، داخل مدينة الحسكة على الانسحاب من الأحياء التي سيطر عليها.
كما أدّت عملية التفاف كبيرة قامت بها قوات “حماية الشعب” الكردية والمليشيات الحليفة لها، في محيط مدينة الحسكة، إلى فرض حصار شبه كلي على عناصر “داعش” في جنوب المدينة. وانتهت العملية، التي حظيت بدعم من طيران التحالف الدولي، بانسحاب “داعش” من المدينة.

عمّ دمار كبير في الأحياء الجنوبية من مدينة الحسكة، نتيجة المعركة التي استمرت أكثر من شهر، تخلّلها عمليات قصف عنيف من طيران النظام بالبراميل المتفجرة للمناطق التي سيطر عليها “داعش” في المدينة.

ويوضح الناشط، إبراهيم عيداني لـ”العربي الجديد”، أنّ “الهدوء النسبي الذي ساد الحسكة بعد انسحاب داعش، دفع قسماً كبيراً من السكان الذين نزحوا عن أحياء المدينة الجنوبية إلى العودة إليها”. ويتابع عيداني “عادت نسبة كبيرة من سكان أحياء غويران والليلية والزهور إلى بيوتها بعد سماح قوات النظام وحواجز مليشيا الدفاع الوطني لها بالعودة إليها”. مشيراً إلى أنّ “العائدين يعانون من ظروف معيشية صعبة بسبب انقطاع الكهرباء والمياه عن هذه الأحياء، نتيجة تعرض البنية التحتية لأضرار كبيرة نتيجة المعركة”.

ويؤكد عيداني أن “المعارك الطاحنة تسببت في دمار مؤسسات هامة، كمستشفى الأطفال ومباني كلية الاقتصاد وكلية الهندسة وكلية الآداب، بالإضافة إلى تعرّض المصرف التجاري ومبنى الأمن الجنائي لأضرار كبيرة”. كما أدت حالة الفوضى التي عمّت المدينة إلى توقف مرافق حيوية فيها، إذ تعطّلت مديريات المصالح العقارية والنفوس والهجرة والجوازات عن العمل، بسبب غياب نسبة كبيرة من موظفي هذه المؤسسات، نتيجة تدهور الأوضاع الأمنية في المدينة”.

اقرأ أيضاً:

ويرى عيداني أنّ “كل ذلك، ساهم في تراجع نفوذ النظام السوري في مدينة الحسكة لمصلحة نفوذ وحدات حماية الشعب الكردية التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي في سورية”. ويؤكّد عيداني أنّ “قوات حماية الشعب وسّعت نفوذها في المدينة. “فبعد أن كانت تسيطر على الأحياء الشمالية الغربية فقط، باتت اليوم تسيطر على معظم أحياء الحسكة، باستثناء الأحياء الواقعة وسط المدينة، حيث المربع الأمني التابع للنظام. ويتألف المربع من فروع الاستخبارات العسكرية والسياسية والجوية وأمن الدولة ومبنى المحافظة ومبنى قيادة الشرطة والأمن الجنائي”.

أما في ريف الحسكة، لا تزال قوات النظام تسيطر على معظم مدينة القامشلي، حيث تتواجد فروع النظام الأمنية. وتواصل قوات النظام سيطرتها على مؤسسات الدولة الخدماتية كمديريات النفوس والبلدية والاتصالات والمرور والشرطة التي لا تزال تعمل، على الرغم من وجود قوات “حماية الشعب” ومليشيا “الجيش الشعبي” العربية المعروفة بين السكان باسم “قوات المقنّعين”.

صعود المليشيات

شهدت محافظة الحسكة الواقعة أقصى شمال شرق سورية، منذ مطلع العام الحالي، صعوداً لافتاً لنفوذ المليشيات العرقية والدينية المحلية، وبالإضافة إلى قوات “حماية الشعب” التي تعتبر المليشيا الأكبر في المحافظة، ظهرت مليشيات عشائرية عربية ومليشيات مسيحية آشورية وسريانية، ومليشيات موالية للنظام، كقوات الدفاع الوطني، و”داعش” الذي تحالفت جميع المليشيات ضده.

وتسيطر وحدات “حماية الشعب” (تحوي في صفوفها عدداً قليلاً من المقاتلين العرب) على معظم ريف الحسكة الشمالي، فضلاً عن منطقة تل أبيض في ريف الرقة الشمالي، منطقتي عفرين وعين العرب في ريف حلب وحي الشيخ مقصود في مدينة حلب. وتعتبر “حماية الشعب”، القوة العسكرية الأساسية في نظام الإدارة الذاتية الذي أعلنه حزب “الاتحاد الديمقراطي” الكردي في سورية. تتبع قوات الحماية، شكلياً، الهيئة الكردية السورية العليا، التي تعتبر أكبر تجمع سياسي كردي سوري، إذ تضم أكثر من عشرين حزباً كردياً سورياً. لكن هذه القوات تدين بشكل فعلي بولائها السياسي وإدارتها الميدانية وتشكيلات قياداتها العليا لحزب “الاتحاد الديمقراطي” الكردي.

تم الإعلان عن تأسيس وحدات “حماية الشعب” الكردية، في يوليو/تموز 2012، بالتزامن مع انسحاب النظام السوري من المدن ذات الغالبية الكردية في ريفي حلب والحسكة من دون حدوث أي مواجهات مسلحة في ما بينهما. يزيد عدد قوات “حماية الشعب” حالياً عن 50 ألف مقاتل، بعد فرضها التجنيد الإجباري على الشباب في مناطق سيطرتها، بعدما كان عدد مقاتليها لا يتجاوز 25 ألفاً، مطلع العام الماضي، بحسب تقرير مجموعة الأزمات الدولية. وتحدث التقرير عن وجود تسعة معسكرات تدريبية للقوات الكردية في مناطق سيطرتها، تقوم على تدريب عناصر جدد لينخرطوا في القتال إلى جانب الوحدات مقابل أجور شهرية تبلغ حوالي 150 دولاراً أميركياً.

وظهرت في محافظة الحسكة، بالإضافة إلى وحدات “حماية الشعب”، مليشيات عشائرية عربية قاتلت إلى جانب القوات الكردية ضد “داعش”. بسطت هذه المليشيات نفوذها على مناطق ثقل العشائر العربية التي تتبعها. تسيطر مليشيا “جيش الصناديد” التابعة لزعيم عشيرة شمر العربية، حميدي دهام الجربا، على مناطق ريف رميلان والمالكية في أقصى شمال شرق ريف الحسكة. وتنتشر قواتها في ريف الحسكة الغربي أيضاً. أما مليشيا “الجيش الشعبي” التي يتزعمها عضو مجلس الشعب التابع للنظام السوري، محمد الفارس، وهو أحد مشايخ عشيرة طي العربية، تنتشر في مدينة القامشلي التي تحوي ثقلاً عشائرياً كبيراً لعشيرة طي.

كما ظهرت مليشيات مسيحية في البلدات والقرى المسيحية، كمليشيا مجلس “حرس الخابور” الآشوري التي تتواجد في منطقة وادي الخابور في ريف الحسكة الغربي، ذات الغالبية الآشورية. وتنتشر مليشيا مجلس الحماية السريانية “سوتورو” في مدن ريف الحسكة الشمالي. وتتحالف هذه المليشيات مع قوات “حماية الشعب” وتقاتل إلى جانبها ضد تنظيم “داعش”. لكن هذه المليشيات لا تملك ثقلاً عسكرياً مؤثراً، ذلك أنّ عدد مقاتلي كل منها لا يتجاوز بضع مئات، يكاد يكون وجودهم في مناطق سيطرة قوات “حماية الشعب” الكردية شبه رمزي.

منافس النظام الوحيد

بعد نحو عام ونصف من انسحاب قوات النظام السوري من المناطق ذات الغالبية الكردية شمال سورية، طرح حزب “الاتحاد الديمقراطي” مشروعاً لإنشاء إدارة ذاتية في المناطق التي يسيطر عليها شمال سورية. ودعا الحزب ممثلي 52 حزباً ومنظمة إلى اجتماع في مدينة القامشلي، في ريف الحسكة، في شهر يناير/كانون الثاني من العام الماضي، ليشكلوا أول مجلس للإدارة الذاتية، في ظل مقاطعة الأحزاب الكردية المنضوية ضمن المجلس الوطني الكردي للمشروع.

امتدت سلطة الإدارة الذاتية حينها على مدن وبلدات عامودا، الدرباسية، رأس العين، المالكية، رميلان والقامشلي في ريف الحسكة الشمالي. شكلت هذه المدن والبلدات وأريافها ما بات يعرف في ما بعد بـ”كانتون الجزيرة” التابع للإدارة الذاتية. كما امتدت على منطقة عين العرب في ريف حلب الشرقي وعلى منطقة عفرين في ريف حلب الشمالي الغربي.

وطرح القائمون على فكرة الإدارة الذاتية مشروعهم على أنه بمثابة ملء للفراغ الذي تركه انسحاب قوات النظام السوري من المناطق ذات الغالبية الكردية، شمال البلاد. وبدأت الإدارة الذاتية بتشكيل مجالس وزارية في المقاطعات الثلاث، تتبعها مؤسسات خدماتية وإدارية وجهاز أمن داخلي، يسمى “قوات الأسايش”، وقوات دفاع تتبع وزارة الدفاع هي وحدات “حماية الشعب” ووحدات “حماية المرأة”، التي تعتبر أنها ذات إمكانيات محدودة.

لكن ميزانيات مجالس الإدارة الذاتية تكشف تقصيرها وعدم قدرتها على تشكيل بديل حقيقي للنظام السوري في أماكن وجودها. أكّد رئيس المجلس التنفيذي للإدارة الذاتية في مقاطعة الجزيرة، أكرم حسو، في تصريحات صحافية، أخيراً، أنّ ميزانية الإدارة الذاتية في مقاطعة الجزيرة، ستبلغ 15 مليار ليرة سورية، هذا العام، أي نحو 55 مليون دولار أميركي”. وهو مبلغ يساوي ستة أضعاف ميزانية الإدارة العام الماضي.

لكن هذه الميزانية تبدو محدودة جداً في ظل التوسع الكبير في مناطق سيطرة القوات الكردية في ريفي الحسكة الشرقي والغربي، على حقول رميلان وسويدية النفطية الملقّبة بـ”درة الحقول السورية”، بسبب إنتاجها أكثر من 115 ألف برميل من النفط يومياً. كما تسيطر الإدارة الذاتية على مساحات واسعة من الأراضي الزراعية الخصبة في الجزيرة السورية، لكنّها لا تملك، حتى الآن، نظاماً لإدارة القطاع الزراعي الذي لا يزال تحت إدارة مؤسسات النظام السوري.

ويرجّح مراقبون، أنّ استمرار انحسار نفوذ النظام السوري في محافظة الحسكة، سيؤدي حتماً إلى زيادة نفوذ الإدارة الذاتية في المحافظة، نظراً لأنها تشكل البديل الوحيد للنظام السوري على الأرض، وخصوصاً بعد تراجع “داعش” واقتصار سيطرته على مناطق الهول والشدادي في ريف الحسكة الجنوبي فقط.

 

رامي سويد

18 سبتمبر 2015

alaraby