أخبار عاجلة
الرئيسية » تقارير » مدارس سورية في لبنان.. معلمون دون رواتب وأطفال في مهب الإهمال

مدارس سورية في لبنان.. معلمون دون رواتب وأطفال في مهب الإهمال

عروسة القشطة بالعسل أصبحت جاهزة، وكذلك مطرة الماء (والخرجية)، حقيبة مدرسية مزركشة بأحلى أنواع الورود والفراشات، تحمل بين طياتها أجمل أقلام التلوين والدفاتر، وألذ حبات الفواكه وعبوات العصير اللازمة لوجبة الصباح، تحملها يد طفلة حالمة تستقل الحافلة المدرسية، وتمضي لتغني مستقبلها، “ألف باء تاء ثاء هيا نقرأ با هيفاء”..هكذا كانت بداية عامها الدراسي ويوم “هيفاء” الأول في المدرسة من سكان بلد آخر غير سوريا.

أما (هيفاء) اللاجئة السورية في لبنان فلحكايتها أوجه أخرى مع انطلاق عامها الدراسي مطلع الأسبوع المنصرم (12/9/2015).

*لائحة أسعار
أمام مكتبة “الساحة” وقف أبو علاء الأب لخمسة تلاميذ من منطقة القلمون ليكتفي بعد قراءة لائحة الأسعار بقول “لا حول ولاقوة إلا بالله”، رافضا الحديث حول الموضوع، قبل أن يسردها تفصيلا لـ”مان الوصل” ماهر الفليطي أحد زبائن المكتبة كالتالي:
(شنطة كتف صغيرة 15000ألف ل.ل، شنطة كتف كبيرة 20000 ألف، قلم ازرق ناشف 1000 ل، قلم أحمر 1000 ل، دفتر عربي 100 ورقة 1500 ل، علبة تلوين خشبي 1000ل، دفتر رسم كرتون 1000 ل، دفتر لغة انكليزية 1000 ل، مبراة 250 ل، ممحاة 250 ل، قلم رصاص 250 ل).

أي أن تكلفة التلميذ الواحد فيما لو اشترى شنطة (حقيبة) وأربعة دفاتر لغة عربية ودفتر لغة إنكليزية ودفتر رسم وقلما أحمر وأزرق ورصاص وممحاة ومبراة وعلبة تلوين تقارب 18 دولارا للتلميذ الواحد قد تقل قليلا أو تزيد، حسب نوعية الشنطة ونوعية ورق الدفاتر، والمضاربة بين مكتبة وأخرى، والمرحلة الدراسية للتلميذ، وعدد الدفاتر المطلوبة للمواد الدراسية، (الدولار=1500 ليرة لبنانية).

ومعروف أن العائلة السورية عائلة ولود، تحتوي في أغلب الحالات على أكثر من تلميذ في المدرسة وفي كافة المراحل، ناهيك عن أجرة السرفيس الذي يتكفل بنقل التلاميذ من مخيماتهم للمدارس والتي تبلغ 10 آلاف لبناني عن كل تلميذ شهريآ.

*خيمة شيخ الكتاب
أما عن نوعية المدارس السورية في المخيمات، فأكثرها رواجا وانتشارا هي مدارس الخيام، والتي شبّهها اللاجئ سعود العرسان من ريف دمشق بمدرسة شيخ الكتاب.

ويقول العرسان لـ”زمان الوصل” إن المدرسة المذكورة تتكون من خيمة أو أكثر داخل المخيم، مشيرا إلى التركيز فيها على إعطاء الأطفال الدروس الدينية من تحفيظ القرآن الكريم وأحكام التجويد إلى العبادات.

وأوضح أن تلك المدارس لا تتبع الحكومة المؤقتة ولا للائتلاف ولا لأي جهة رسمية أو حكومية، إنما في الأغلب تتبع لإمام مسجد أو جمعية خيرية أو داعم خليجي أو نحوه.

وغالبا ما يدرس فيها شيخ يتم اعتماده من إدارة المخيم، أو امرأة لتدريس الفتيات.

المعلمة “سمية ابراهيم حداد” من ريف حمص أكدت لـ”زمان الوصل” أن من يقومون بالتدريس في هذه الخيام أو (الكتاتيب) ليسوا من أصحاب الشهادات والكفاءات غالبا.

وأضافت أنهم يقومون بتلقين العلوم الدينية للتلاميذ كيفما اتفق، مشيرة إلى أن الأهالي -مع ذلك- يقبلون عليها لتسجيل أولادهم بدافع وجودها داخل المخيم مما يوفر عليهم أجور النقل من جهة، ولصبغتها الدينية الصرفة من جهة أخرى.

أما “آمنة ص” ربة منزل من قرية “البويضة الشرقية” في ريف القصير، فأوضحت لـ”زمان الوصل” أن هذه الخيام لا تحتوي على شروط التهوية الصحية ولا على الوسائل التعليمية المناسبة، ولا حتى مقاعد أو كراسي أو دورات مياه وصنابير خاصة بها ليستخدمها الأطفال.

* تدريس تطوعي
“علي الرفاعي” مدرس من مدينة يبرود لاجئ في بلدة “عرسال” اللبنانية قال لـ”زمان الوصل” إن هناك مجموعة مدارس في المدينة المحاذية للحدود السورية، لكافة المراحل من الأول وحتى الثالث الثانوي (البكلوريا)، وبكوادر تدريسية وإدارية سورية.

ومن أهم هذه المدارس، حسب “الرفاعي”: (مدرسة قرية حياة، مدرسة شام، مدرسة الأزهر، مدرسة أبناء الشهداء، مدرسة بناة المستقبل، مدرسة الأمل، مدرسة الشرعية).

وأفاد مدير مدرسة “قرية حياة” نصوح حمود بأن عدد طلاب فيها يبلغ 1100 من التلاميذ والطلاب من كافة المراحل، ضمن بناء مدرسي يحتوي على 8 غرف صفية والإدارة.

وأكد لـ”زمان الوصل” أن طاقم المدرسة منذ تأسيسها العام الماضي لم يتلقَّ رواتب أو أي مساعدة مالية من قبل الائتلاف رغم أنها تابعة له، مشيرا إلى أن كل الكادر التدريسي والإداري يعمل تطوعآ من السنة الماضية، ولم يتقاضَ أي راتب من أي جهة كانت.

إلا أن ذلك لم يمنع طاقم المدرسة من متابعة العمل “تطوعا”، حسب نصوح، رغم صعوبات لا تقل أهمية عن غياب رواتب “الحد الأدنى”، مثل مشكلة تأمين المقاعد والقرطاسية والسبورات وضيق المكان الذي يجبره على تقسيم الدوام على ثلاث مراحل، فضلا عن الازدحام الهائل داخل الغرفة الصفية بسبب عجز مدرسته عن تأمين الأجرة لدفعها مقابل تأمين بناء جديد يستوعب قسما من الطلاب.

ولفت حمود إلى أن أغلب المدارس السورية هي عبارة عن أبنية لأشخاص لبنانيين يتقاضى أصحابها أجورا سنوية، أو يتم بناؤها عن طريق التبرعات، وهذا مالم يتوفر لمدرسته حتى الآن.

*التسول النبيل!
“قبل أن يتفلسف الإنسان عليه أن يملأ معدته”، يقول مدرس، رفض ذكر اسمه.

ويضيف (ع .ي) وهو معلم ابتدائية لـ”زمان الوصل” أن معظم المدارس السورية تلجأ لطريقة (التسول النبيل) لتأمين استمرار دوران العجلة التربوية وإبعاد شبح الجهل الذي عمل النظام ويعمل على ترسيخه بين أجيالنا.

وأردف أن ذلك يتم بمناشدة الجمعيات والتواصل مع أصحاب الأيادي البيضاء من مغتربين وتجار ومقتدرين سوريين من خارج لبنان للمساهمة في تدبير شؤون المدرسة وضروراتها المستعجلة، مؤكدا أن عملية “التسول النبيل” تلك، نادرٱ ما تنجح.

تسوّل، يقف وراءه، حسب أحد المدرسين، إهمال مؤسسات المعارضة للمدارس.

ويقول المدرس المتقاعد “محمود ريحاوي” من مدينة النبك لـ”زمان الوصل” إن السوريين الهاربين من فساد “نظام الطاغية”، يجدون أنفسهم، “تحت فساد وإفساد إخوتهم السوريين”.

واتهم الريحاوي الحكومة المؤقتة والائتلاف “الذي يمثل الثورة” بأنهما يعمدان إلى الكيل بمكيالين، أحلاهما مر في تعامله مع قطاعات الثورة الفاعلة وأهمها التعليم.

*المؤقتة تدافع عن نفسها
مدير مكتب التربية التابع للحكومة المؤقتة في لبنان محمد مندو قال في حديث مع “زمان الوصل” إن المكتب أمّن الكتاب المدرسي وفق المنهاج السوري المنقح لكافة المدارس السورية، لافتا إلى أن المكتب يقوم أيضا بالامتحانات العامة لشهادتي التعليم الأساسي والثانوية العامة بفرعيها العلمي والأدبي واستصدار الشهادات لهم أصولا، ومتابعة أسماء المتسربين وغيرها من الأمور التنظيمية.

وعن موضوع الرواتب، وخاصة لمن لم يتقاضوا أي راتب خلال عامين، أكد مندو أن “رواتب شهرية على مدى العام لا يوجد”.

وذكر أنه تم تأمين منحة واحدة خلال العام الدراسي 2013/2014 وقيمتها 200 دولار تصرف لكل المدرسين، مشيرا إلى أنه تم تسليمها لكافة مدراء المدارس بحضور لجنة وزارية، الأمر الذي نفاه أحد المدرسين مؤكدا أنه لم يقبض أي منحة.

أما هذا العام 2014/1015 فلم يصل لمدارس “عرسال” أي قرش، حسب مندو، ما عدا مدرستي “أزهر عرسال” و”الثانوية الشرعية” التي “قمنا بإيصال دعم جزئي لهما كأجور تدريس وتعويضات امتحانية”.

وأضاف مندو “استطعنا تأمين دعم جزئي بالتنسيق مع إحدى الجهات المانحة في لبنان لـ6 مدارس في لبنان”.

*المانحون يحددون معايير التعيين
ونفى مندو علاقة مكتب التربية بعملية انتقاء المدارس وترشيحها للداعمين مثل مدرسة “أبناء الشهداء”، مشيرا إلى أن دور المكتب يقتصر على دراسات عن كل مدرسة، في حين يقع اختيارها على عاتق الجهة المانحة.

وقال:”نحن نقدم حميع الدراسات المقدمة إلينا من اللجان التربوية إلى الجهة المانحة دون استبعاد أحد وتعتبر المدارس في المناطق الحدودية كوادي خالد وأكروم وعرسال من أهم أولوياتنا”.

وحول آلية تعيين المدرسين وخاصة حملة الشهادات الثانوية، في ظل وجود مدرسين ومعلمين جامعيين لم يحصلوا على فرصة تدريس، أبان مندو أن هناك مدارس ليست تحت إشراف مكتب التربية، مؤكدا أن “لا سلطة لنا عليها، ومع ذلك لا نسمح لأي تجاوزات امتحانية أن تحدث في تلك المدارس”.

المصدر: عبد الحفيظ الحولاني -زمان الوصل