أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات وآراء » لمى الأتاسي: لهذا تخلى العالم عن سوريا

لمى الأتاسي: لهذا تخلى العالم عن سوريا

المصيبة ليست فقط بحقوق الكورد و الغير مسلمين و حرية الالحاد و الحريات كلها الممارسة في الدول المتحضرة و التي هي حق انساني كامل في كل مكان لا علاقة له بالانتماء الثقافي و الديني و لكن المصيبة الكبرى هي في ثقافة المسلمين انفسهم في سوريا ، فهم بغباء منقطع النظير فتحوا باب الجهل لتتدفق القاعدة و تتحول لداعش، و حولوا المجتمع كله لتخلف حقبة “باب الحارة”. تاركين القمامة تغلق ابواب بيوتهم و تخنقهم و تغلق عقولهم للابد..

و يكررون نحن اغلبية ! و يريدون الديمقراطية الخاصة بهم اي ديمقراطية مرسي التي ربحها بالانتخابات في مصر .. ظانين أن الديمقراطية هي ورقة يا نصيب تستهلك مرة واحدة … لا الديمقراطية هي حالة حية تطورية دائمة التطور… هاجر المسيحيون في القرن التاسع عشر للغرب خوفا من تعسف المجتمع الاسلامي في المشرق ، بعدما عاشوه في العصر العثماني و قالوا و هم يهاجروا بحزن ان اللاكرامة في الوطن غربة و أن الكرامة في الغربة وطن و هكذا تاقلموا في كل الدول التي رحلوا اليها في القارة الاميركية..مشاركين باغناء هذه الدول العلمانية.

يجب ان تعلموا ان تعقيد قضية الحل في سوريا ناتج عن كون الاخوان المسلمين المسيطرين على المعارضة، يريدون ذات ورقة اليانصيب التي ربحها مرسي و يريدن في ذات الوقت اعادة مرسي للحكم و دون هذا فهم ينتقمون و هاهم هم يسلطون القاعدة على العالم .. و الحجة واضحة : لماذا سمحت ماما امريكا بحكم اسلامي في ايران و لم تسمح لهم به ؟

حكم اسلامي يعني لا ديمقراطية للابد و من يقول ان هناك ديمقراطية ممكنة في اي منهج اسلام سياسي يكون منافق و كاذب .. اذ قبل ان يكون لامام جامع او فقيه حق الفتوى بالديمقراطية عليه ان يقنع كل علماء المسلمين و المسلمين بتطوير كل الدين بعمق، اي احداث ثورة فكرية كبيرة ، تخلع الحجاب و تساوي المراة بالرجل و تبيح حق التعايش بالتساوي مع الاخرين. و تفتح شعوب المسلمين على فكر العالم بتآخي واحترام لمعتقدات الاخرين و حقوقهم و هذه الثورة غير ممكنة في الاسلام المعاصر اذ لا توجد مقومات لها في الدول الاسلامية …

لذا الحل الممكن في سوريا و مصر و دول فيها قليل من التنور هو ترك الاسلام في البيت و الجامع و الاسرة و ابعاد المشايخ عن السياسة و العسكرة تماما كما فعل الدين المسيحي و اليهودي من قبل . هذا مطلب حقيقي و لم يتلاعب فيه أحد و أكدت عليه دول كثيرة لا تريد الشر لسوريا و هذه الدول ذاتها اعتبرت نفسها مخدوعة من المعارضة الان .. حيث هي ساندت بشروط و لكن كل هذا تم رفضه من قيادات الاخوان المسلمين ، و عندما واجهتهم به السيدة كلينتون بوضوح قائلة لهم ان شرط تسليم الحكم للمعارضة هو احقاق الديمقراطية على الطريقة الغربية تلك التي تعلن حق الاقليات و المراة و المساواة بين البشر و العلمانية… رفضوا تماما و أعلنوا التحدي (معلومات موثقة) و هم اكتفوا بجعل سياستهم هي تجميل و تعليب الاسلام بحجاب انيق ووجه حسن.

هذا الرفض كان له عواقب كثيرة، منها تراجع الدعم السياسي الجاد للثورة السورية و تنحي مرسي و انهاء حلم الديمقراطية في مصر و عودة حكم مبارك اي عودة الديكتاتورية.

و لكن الذي دفع الثمن هو الشعب او الشعوب و للحق هذا الشعب هو ذاته الذي رفض و ابى الديمقراطية الغربية فلماذا يطالب بها اذا ؟! .. نعم الاغلبية اليوم في دول الثقافةًالاسلامية تساند الفكر (الداعشي) او الجهادي في العالم العربي و يريدون حكم اسلامي و لا يمكن ان يعطوا حكم اسلامي لانهم سيدمرون العالم به و يدمرون انفسهم. للتوضيح كل من يريد لرئيس الجمهورية ان يكون له دين معلوم و منتمي لفئة ما هو ذو فكر لا علماني اذ ان الخطاب الديني ان مزج بالسياسة فيه إقصاء تشريعي دستوري و بالتالي عداء و تكفير للغير و في الحالة الاسلامية للغرب و هو غير مقنع لأحد. و هذا العداء تجاوز حلقات الذكر و ذهب ابعد و مهما كانت اسبابه كفكر ديني و تاريخي هو غير مقبول انسانيا.

بالنتيجة الذي ابقى على الاسد هم الاخوان المسلمون اذ صمموا بجدية بالغة انه اما هم كبديل للنظام (و يعنون بهذا بديل منهج فكري و ليس اشخاص فقط ) او لا احد و في هذه الحالة كان الرد الدولي عليهم : لا أحد .. ازداد التعنت و لعبوا بايديهم الخفية لعبة التعنت و نموا الكتائب الاسلامية و اصبحت سوريا المعارضة كلها كتائب اسلامية .. الثورة كلها اصبحت اسلامية بهيئات شرعية في كل مكان ، هكذا ارادوا نكاية بماما امريكا التي لم تتنازل لهم و لم تقبل ان ترضخ بالترهيب و ما كان رد امريكا الا ان تركتهم بغبائهم يدمرون ذاتهم فتحولت القاعدة لداعش بزواج شرعي ما بين الاسلام السياسي و العروبة السياسية (البعث العراقي) ..

ليست السعودية هي المسؤله على هذا التطور الذي حدث كما تتهم ظلما في اعلام النظام ، اذ انها و دول الخليج (ما عدا قطر ) اول المتضررين من هذه اللعبة البعثية التي كان المبادر بها صدام حسين لدى اجتياحه للكويت، و اللعب بالورقة الاسلامية هي من بنات افكار عشائر البعث العراقية بعد اعدام صدام حسين ، حيث تحت شعار الكعبة هي مرام الخلافة يتم السيطرة على النفط الخليجي ، و للعلم هذا كان المشروع البعثي اي توحيد العالم العربي لقيادته من مصر، سوريا و العراق و السيطرة على النفط الخليجي ، المرام واحد.. العروبة كالإسلام فيها تعدي على سيادة الدول.

بالتوثيق العالمي ضباط صدام حسين البعثيين هم الذين اسسوا داعش كزواج بين العروبة و الاسلام السياسيي و لنتذكر الم ياسلم ميشيل عفلق ، الم يمول صدام حسين الاخوان و معارضة بعثية في سوريا ؟

ربما البعث قبل ان يصبح داعش كان تاريخيا خطر حقيقي على السعودية و الخليج و لكنه كان خطر اكبر على سوريا و المنطقة اذ ان اقرار مشروع العروبة كان يعني اقرار حق التقسيم لغير العرب و بالنهاية ايضا للامسلمين فالبعث هو دمج الاثنين و عدم فصل الدين عن الدولة . ..

هل الحق حاليا يقع على الاخوان المسلمين الذين صعدوا الموقف و خسروا مساندة العالم لسوريا المغيبة بانانية ام الحق على اميركا التي سمحت للملالي و لاية الله الخميني في ايران ما لم تسمح لهم فيه في سوريا و المنطقة ؟

هذا رغم ان اميركا دعمتهم في تركيا في مراحل سابقة عبر رجال الاعمال الاتراك الذين درسوا في امريكا و دعموا انتخابات اسست لحكم تركيا باردوغان بانفتاح و سمحت بفصل السلطات هناك لاول مرة و تحييد الجيش التركي الضامن للديمقراطية هناك، لكن وقتها كانت هناك شروط و ضوابط ، تلك الشروط و الضوابط لم يقبل بها مرسي و لا اخوان سوريا الذين يعملون على تصعيد الاسلام الاجتماعي الطائفي… رافضين فصل السياسة عن العسكرة و القضاء.(فصل السلطات ) كيف يمكن تاسيس لديمقراطية دون فصل سلطات و عن اي ديمقراطية اذا يتحدثون؟

مسؤلية تدمير سوريا هي قرار سوري مشترك بامتياز فمن جهة هناك المعارضة التي كلها في قبضة الاخوان و من جهة هناك النظام و المعارضة التي تلعب في فلكه (هيئة التنسيق و جماعات منبثقين عنها و اصدقاء النظام من رجال اعمال ) فكلاهما مصمم على اللاديمقراطية : الاسلاميون يريدون حكم اسلامي و النظام و معارضته المذكورة و مموليها و ضباطه يريدون الحفاظ على حكمهم و مميزاتهم الفسادية…بإبقاء حكم عسكري.

لا يوجد جيش سوري وطني و لا مواطنة في هذه الظروف .. و العالم لا يستطيع دعم الديمقراطية في مكان الاغلبية فيه تريد حكم اسلامي… لهذا تخلى العالم عن سوريا و دعم استمرار الحرب فيها تاركا تجار الاسلحة يلهون.

ان الحرب تطول ليس لان سوريا فيها نفط و غاز و مطامع بل لان السوريون انفسهم لا يملكون ذات عقلية هذا العالم الذين يطالبون بمساندته .. يقال دائما بصدق : من نساند ؟ و ماذا تعني كلمة معارضة “معتدلة” ؟

ان اقل معتدل منهم يردد ان هناك اسلام حقيقي ، اسلام صح و اسلام غلط و حتى المسيحي الذي ضمن هذه المعارضة يشيد بحكم القرآن الصح… طبعا هو بنظر المفكرين المتطلعين اما جاهل و و بضرورة تحديد دين وئيس الجمهورية.. هذا المسيحي القابل بهذا مستواه الفكري متواضع و غير معني بعاقبة العمل الاسلامي و لكن في الحالتين هو مدمر. و من الجهة الأخرى هناك النظام و المعارضة المرضي عليها من ايران و مصر ( السيسي ) و خصوصا ضباط النظام ، تلك التي رجال اعمالها في حضن الاسد يدافعون عن امكانية اصلاح ما ، متحدثين عن جيش عربي سوري بعقلية الستينات و فساد الحاضر المر مع تحالف اقليات طائفي و حاقد مع هيئة التنسيق المنبثقين عنها بفكر لا يقل طائفية عن الفكر الاخواني المدمر ..

النظام هو جهاز قمع و فساد و لكن المعارضة تدعم اكمال التعنت الاخواني المدمر . و بالتالي المعارضة بتخاذلها عن العمل الفكري الجاد المنطقي بعيدا عن الاخوان و تجاذبات المال و السلطة تضع العالم امام قرارين اما تسليم البلد لبشار الاسد و جهاز الفساد التابع لعائلته و الضباط السوريين و اما التقسيم.

لربما الغرب عندنا سيرغم على انهاء الحرب و داعش سيتعاون مع النظام مرحليا على الاقل و هذا لان النظام مهد لهذا و هو الذي فعل بدوره كما فعلت امريكا تاركا لداعش الحبل لتتحرك بحرية و تكبر، انه فتح ابواب جهنم ليثبت للعالم ان الفكر الاسلامي ان تركناه دون ديكتاتور يضبطه فهو مارد مدمر .. و الوحيد الذي بامكانه ضبط هذا الجنون الشعبي هو ديكتاتور من صنف اكلة لحوم البشر لان هؤلاء الوحوش الكاسرة لا ينفع معها الرقي و الحضارة و حقوق الانسان .. و الدليل يؤكد ان من يقتل فلذة كبده تحت مسمى جريمة الشرف لا يشبه الا القطة عندما تاكل ابنائها (بالاشارة الى حقوق الانسان في المجتمع في سوريا ) .. و من من المعارضين يجرؤ ان يدين جريمة الشرف؟ ( هذا كمثال بسيط) .. ان النظام بحبلهم يشنقهم. النظام حتما سجانيه و رجاله من من اكلة لحوم البشر و لكن الجهاديين هم من صنف ذابحي البشر. …فامام خيارين سيئين لما الاختيار؟ هكذا يفكر العالم بنا..

نحن على مشارف التقسيم و ليس الهزيمة لأن بين الوحشين الكاسرين النظام و الاسلام السياسي اجمالا لا مكان لأحد غير انصارهم، و هاهم الاكراد ينتهزون الفرصة للانسحاب من عروبة مدمرة تغنى بها صباحا اطفال بنفاق في مدارس القمع “بلاد العرب اوطاني” ناسين سوريا ..

نعم الطرفان هم من يرفض سوريا احدهم بعروبة جشعة كان الهدف منها سرقة النفط الخليجي و اجتياح الخليج و اسلام لاعادل يقتل الاخر حيا و يضعه امام خيارين اما الهجرة و اما اللامواطنة .. فكيف يقبل المسيحي الحياة في بلد لا يسمح له بحق المواطنة مكتملة اي بالترشح لرئاسة الجمهورية؟

كل هذا الفكر اللاعادل و الغير قابل بالمساواة مع الأخر هو ما انتج النظام و داعش و الطائفية و تحالف الاقليات. و الحل كان بيد الاغلبية لكنها فضلت ان تحلم بالحكم العثماني و باب الحارة.. هناك مثل فرنسي ينطبق على هذه الحالة ” انك لا تستطيع ان تجبر حصان على الشرب ” و اضيف عليه و ان مات عطشا .. الحل ليس بيد الأغلبية لكن في عقلها …

لمى الأتاسي: كلنا شركاء



تنويه : ماينشر على صفحة مقالات وآراء تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع