أخبار عاجلة
الرئيسية » ثقافة وفن » منال الشيخ: عن الدعارة الثقافية

منال الشيخ: عن الدعارة الثقافية

“إذا كنتَ تريد أن تصبح كاتباً ناجحاً ضاجع ناشراً أو أحد المتنفذين في مجال صناعة الكِتاب”.

هذا مفاد ما كتبتهُ الكاتبة والروائية الأميركية جويس كارول أوتس ذات مرة في مقال تهكمي اعتبرته بعض النصائح الناجعة للكتّاب الشباب. رغم أن البعض تناول ما قالتهُ باعتباره نصائح تهكمية ونقدية للوسط، إلا أن بعضهم تعاطى معهُ على أنه حقيقة وواقع يكاد يسود الوسط الثقافي.

في مجتمع مثل المجتمع الأميركي ووسطه الثقافي لا تبدو نصائحها غريبة عندما ترشد الكتّاب إلى طرق التعارف والتودد لمن يكون في إمكانهِ مساعدتهم في الوصول. وربما اتخذ البعض نصائحها في الاعتبار في حال عدم تحقيقهم شيئاً مع الجهد المثابرة من دون اقامة مثل هذه العلاقات.

في وسطنا الثقافي نتحاشى في الغالب الخوض في هذه المسألة أو الاعتراف بوجودها، مع أن وسائل التواصل الإجتماعي فسح مجالاً كبيراً “لتفاضح” بعضهم بين الحين والآخر.

المصطلح السائد في خطاب بعض الكتّاب العرب هو الإشارة الدائمة إلى وجود “دعارة ثقافية” مدفوعة الأجر. بالطبع ستكون مدفوعة الأجر وإلا لما أطلقوا عليها “دعارة”. والغالب على خطاب البعض هو وصم الكاتبة الأنثى بهذه الدعارة أكثر بكثير من الكاتب الذكر. باعتبار أن الكتّاب الذكور يشقون طريقهم بعصامية ويتكئون على موهبتهم وقوة حضورهم فحسب، وهذا غير صحيح في المعنى العام. لا أحد يستطيع إنكار وجود الكثيرين من الكتاب ممن تسلقوا على أكتاف نساء متنفذات في الوسط عن طريق الجنس فحسب. وحتى علاقاتهم مع الرجال المتنفذين وممارسة دور “القوّاد” الصغير أحياناً من أجل حظوة في “قلبه”. فكان كافياً جداً لبعضهم أن يكون بنصف موهبة ليكمل بقية موهبتهِ في الِفراش.

تاريخ الفن والأدب مليء بقصص مشاهير آمنّا بهم كمواهب فذة وكيف كانوا يستغلون هذه النوعية من العلاقات لصالحهم. لكن هذه في نظرهم ليست دعارة وإنما انتصار آخر للذكورة، لأنك تصادفهم يتحدثون عن “مغامراتهم” بكل فخر فيما تتحفظ الكاتبة على معظم علاقاتها في الوسط تحاشياً من النظرة الجاهزة لها، خاصة إذا قطعت شوطاً في مسيرتها الكتابية. ومهما بلغت موهبتها من الإمتياز فالوسط لن يقتنع يوماً أنها وصلت من دون أن تتكئ على نصيحة أوتس! هنا اسمها دعارة ثقافية وهناك اسمها وسيلة ومرحلة ضرورية للانتشار!

تبقى العلاقات الجنسية في الوسط شأناً شخصياً لا يخص أحداً سوى الأطراف المتفاعلة فيها إلى أن نصل مرحلة فرز مهمة في أهمية وجود الموهبة أولاً قبل كل شيء، حينها ينصدم الوسط أن “أنصاف الأقلام”، حسب وصف الغالبية، قد وصلوا مرحلة لم يصلها كتّاب موهوبون مع مثابرتهم المضنية وعدم التوقف عن المحاولة. وأصبح هؤلاء من الكتّاب الأكثر مبيعاً وتتكرر اسماؤهم في قوائم الجوائز والمناسبات الثقافية الدولية.

هنا وللوهلة الأولى، يتذكر “المثقف العربي” مصطلح “الدعارة الثقافية” ولا يتوانى عن التعبير عن اشمئزازه وقرفهِ مما آلت إليه الأمور ومن “الرداءة” التي تسود الوسط، مع أنه “هو” شخصياَ لم يتوقف عن المحاولة ولم يترك باباً مماثلاً لم يطرقه من أجل الوصول! كل هذه التفاصيل نعيها، نحن الكتّاب، في الوسط لكننا نكتفي بتداولها على شكل “نميمة” ثقافية بين الحين والآخر لإفراغ شحنة الإنزعاج من عدم بلوغ أمانينا بعد تلك المحاولات.

تقول الكاتبة أوتس أن الطريقة التي ناسبتها في شق طريقها في عالم الأدب ربما لن تناسب آخرين. وفي الوقت نفسه تؤكد أن من حق الجميع التجربة في طرق مختلفة لتحقيق غايتهم من دخول عالم الأدب، ولكن، حسب رأيها، فإن العلاقات الجنسية هي أضمنها. وتؤكد في معرض حديثها عن العلاقات مع الناشرين والمحرر، وهو ما نفتقد له في وسطنا الأدبي العربي مع أن مهمتهُ في كثير من الحالات أهم بكثير من مهمة الناشر نفسه.

لا أحد يختلف على حقيقة أن العلاقات في الوسط الأدبي، بغض النظر عن شكلها، لها الأثر الأكبر في الانتشار وطرح اسم الكاتب في سوق الأدب. فالأدب صناعة مثل باقي الصناعات، تحتاج إلى مراحل وأدوات وقدرات متعددة ليخرج الكتاب في شكل يرضي جميع الأطراف “المستثمرة” ويرضي الجمهور.

رغم تحفظ الكاتبة العربية على الأمر وعدم خوض الكثيرات فيه، لا يمنع أن الكثيرات ربما صادفن في مسيرتهن الأدبية نوعاً من “الابتزاز” أو “وجدن” أنفسهن في موقف لم يستطعن التراجع عنه، وصارت مثل هذه العلاقات نسقاً لا بدّ منه لإدامة مسيرتهن، إن أردن لها الإدامة. وأخريات لم يستطعن المضي بنصيحة أوتس وما كان منهن إلا البقاء في نقطة ما دون تقدم. كأن تقرأ في حوار إحدى الشاعرات عن امتناع صاحب موقع ثقافي معروف عن النشر لها بعدما رفضت التعاطي معهُ على برامج المحادثة وما زالت جهات ادبية كثيرة في بلدها تتجاهلها. أو أن تقرأ لشاعرة شابة بما اعتبرهُ البعض “قصيدة” عن معاناة وجودها ككاتبة أنثى في وسط يتحكم فيه العقل الذكوري ويبتزها في النشر. المسألة الخلافية في هذه الحالة هو اصرار البعض تمسيتها “دعارة ثقافية” عندما تمس الكاتبة وتجاهلها تماماً عندما تمس الكتّاب الذكور. نجاح باهر واحتفاء عندما يقضي “أحد الكتاب العرب” ليلة مع مسؤولة ثقافية مهمة في دولة أوروبية ويعود إلى بلده مع عقد ترجمة لكتابهِ ولكنها دعارة إذا ما حدث المثل، وربما على نحو أخف، مع كاتبة. الاضاءة على هذا التناقض الملحوظ لا علاقة له بـ”النسوية”، الذي ابتذلتهُ النسويات في المقام الأول، بقدر ما له علاقة بثقافة مجتمع “ذكوري” لم يغير من طبيعتهِ الكثير سوى استغلال تطور الحريات الشخصية واعطاء فرصاً أكثر لتبرير ذكورته. والذكورة هنا ليست مقتصرة على الرجال فحسب.

من المؤسف أننا ما زلنا نتكلم “كنساء يائسات قادمات من الشرق الأوسط” وهدر طاقتنا في التوضيح المستمر أن الثقافات الأخرى لا تميز بين “مبدع داعر” و”مبدعة داعرة” طالما توفرت فيهما شروط ممارسة مهنة “الدعارة الثقافية”.

المصدر: المدن