أخبار عاجلة
الرئيسية » كتاباتكم » بقلم هيفاء بيطار : ….الرجل الخارق ياسين الحاج صالح….

بقلم هيفاء بيطار : ….الرجل الخارق ياسين الحاج صالح….

بتاريخ 3 نوفمبر غصت قاعة معهد العالم العربي في باريس بجمهور غفير لم يعقه مطر باريس الغزير عن حضور الفيلم الوثائقي للمخرج السوري محمد على الأتاسي بعنوان “بلدنا الرهيب”. الفيلم يجسد تجربة المفكر والمناضل ياسين الحاج صالح وزوجته سميرة التي اختطفتها جماعة مُتطرفة منذ أكثر من عام مع الناشطة رزان زيتونه وزوجها.

بداية أشعر أنه من الضروري أن أشير إلى أن عددا من الحضور لم يتمكن من متابعة الفيلم لقسوته، لأننا فعلا نعيش في بلد رهيب هو سوريا. لن أتحدث عن الجانب السياسي للفيلم رغم أن ياسين الحاج صالح اعتقل وهو في العشرين من عمره وطالب في السنة الثالثة في كلية الطب البشري لمدة ستة عشر عاما وكتب تجربته الذاتية في كتاب من إصدار دار الساقي بعنوان “ستة عشر عاما في السجون السورية”.

لن أتطرق إلى الجانب السياسي لأننا اعتدنا على أنباء الاعتقال والسير الذاتية للمعتقلين، إلى درجة صرنا نشعر بأن الاعتقال في سوريا شيء لا بد منه ومألوف كالخبز اليومي. ولن أتطرق إلى مشاهد الدمار المروعة في دوما والغوطة، وعن تلك العدسة العبقرية التي أدمت قلوبنا وهي تسلط الضوء على جزء مهترئ من ستارة خضراء قاومت ولم تحترق لتشهد على بشر كانوا يسكنون في منزل تحول إلى أنقاض، وإلى أبنية تكسرت جدرانها وسقوفها وبدت كقطع من البسكويت يفتتها ويكسرها بأصابعه طفل صغير.

لم تُقصر الفضائيات في تصوير مشاهد الدمار المروعة في سوريا وغيرها، لكن تلك التفاصيل الصغيرة والتي تبدو للوهلة الأولى تافهة ولا تعلق في الذهن: كجزء من ثريا تفحمت أو رأس دمية محترقة الشعر كانت لطفلة آمنة تلعب بها قبل أن تفر من قدرها الأسود هاربة من البلد الرهيب، تذرع الآفاق سدى مع أهلها، وقد تكون قد ماتت وقُطع رأسها كدميتها أو تكون بائسة في خيمة نزوح.

مشاهد الدمار الفظيعة في دوما والغوطة وما يرافقها من كلام لياسين الحاج صالح وزوجته سميرة كما لو أنهما يعيشان حياتهما الطبيعية متجاهلين وجود كاميرا ترصدهما كل تلك المشاهد، جعلتنا نتابع الفيلم وأنفاسنا مخطوفة والفزع يُطبق علينا كأنه مصر على أن يدفعنا إلى الجنون لأننا نعي في كل لقطة وكل عبارة يقولها ياسين أي حياة رهيبة نعيش، أي خوف يُكبلنا وأي عذاب ينهشنا وأي دمار مادي ونفسي يلحق بنا؟ الفيلم ليس سوى إنعاش لذاكرتنا التي خدرتها المصائب المتلاحقة وأعماها الخوف، إنه أشبه بجرعة فيتامين قوية تهزنا من جذور أعصابنا لتضعنا أمام مرآة الحقيقة.

ما أريد التحدث عنه في هذا الفيلم الوثائقي الرائع (بلدنا الرهيب) هو قوة الإنسان التي جسدها ياسين الحاج صالح، لدرجة تساءلت مع كثيرين من الحاضرين كيف لا يزال يملك القدرة على المشي وعلى حلق ذقنه بأناقة كما شاهدنا في الفيلم وعلى الكتابة وعلى تبني مجموعة من الشبان بعمر أولاده ليدعمهم ويؤازرهم كي لا يسقطوا في لجة اليأس وكي لا ينحرفوا إلى العنف والإجرام والانتقام.

ياسين الذي هو نموذج للإنسان السوري الذي لم ينهر بعد سجنه ستة عشر عاما بل خرج من السجن مثقفا من الطراز الرفيع ومتحررا من الأحقاد ومؤمنا أكثر فأكثر بقضيته الإنسانية العادلة: الحرية والكرامة والعدالة للسوريين، وأكمل دراسته للطب رغم انقطاعه عنها ستة عشر عاما، لكنه نذر نفسه للكتابة وللعمل السياسي لأنه يعشق وطنه، لكن يبدو أن القدر يهوى تحدي الأشخاص الأقوياء والمميزين، فبعد أن قرر وزوجته المناضلة سميرة أن يعيشا في دوما والغوطة وأن يساعدا الناس المنكوبين، خُطف اثنين من إخوته في الرقة التي يسيطر عليها تنظيم داعش، فما كان منه إلا أن لجأ إلى الرقة -المدينة التي ولد وعاش فيها- عساه يصل إلى طرف الخيط ويعرف مصير إخوته وعاش تلك الأسابيع في الرقة مُتخفيا وهو يتأمل الوحوش المتعددة التي تنهش في جسد وطن مُستباح اسمه سوريا.

في تلك الفترة تم خطف زوجته سميرة من قبل جماعات متطرفة في الغوطة، وخُطفت معها رزان زيتونة وزوجها. كيف يمكن لإنسان أن يتحمل كل تلك المصائب ولا ينهار ولا يفقد عقله، اضطر للجوء إلى المنفى لأنه لم يعد قادرا على أن يقدم أي شيء في بلد الجنون والموت والدمار سوريا، واستمر في نضاله الأساسي الذي يسميه النضال الثقافي لأنه مؤمن بأن الجهل والتخلف لعبا دورا رئيسيا في وصولنا إلى ما نحن عليه، أكثر ما أعجبني في كلام ياسين إيمانه بدور الثقافة وبضرورة تغيير العقلية المتعفنة الأشبه بالبحيرة الآسنة.

هذا الرجل الجبار ياسين الحاج صالح مُحصّن ضد الإنهيار، يلعب لعبة ليّ الذراع مع القدر، لن ينهزم طالما لا يزال نبض في عروقه، يؤمن بالحرية والكرامة، ومن يؤمن بالحرية يعرف أن لا قيمة لعيش يشبه عيش دجاجات في قفص، بل تسهل التضحية بالحياة من أجل القيمة التي وجدنا لنعيشها، الحرية.

كان ياسين في الفيلم مرآة كل سوري وسورية، فكلنا في مهب الجنون العاصف والشياطين التي تستبيح البلاد والعباد وتحول سوريا إلى بلد رهيب. وبعد أحب أن أكرر مع ياسين ما قاله في الفيلم بأن الجميع، كل دول العالم تريدنا أن نبقى في الظلام. ظلام العقل والجهل. وما من سبيل للنجاة من هول ما نعيشه سوى بالثقافة وتنوير العقل.

تحية إلى الرجل الخارق ياسين الحاج صالح الذي أبدعت الحياة في تحدي رغبة الحياة والحرية في قلبه وانهزمت لأنه مؤمن حتى النخاع بأن لا قيمة لعيش إلا بالكرامة والحرية ولأنه عاشق لسوريا التي لا يريدها رهيبة.

 

 

بقلم هيفاء بيطار

 

صحيفة العرب



تنويه : ماينشر على صفحة كتاباتكم تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع