أخبار عاجلة
الرئيسية » تقارير » «لن أرجع إلى سورية ولو كانت مذهبَة وهمِي الإستقرار وإحضار خطيبتي»

«لن أرجع إلى سورية ولو كانت مذهبَة وهمِي الإستقرار وإحضار خطيبتي»

زيارة أماكن إقامة طالبي اللجوء تحتاج إلى إذن مسبق من السلطات المعنية. أرسلَ زميلنا اسكندر الديك طلب الزيارة ورحنا ننتظر الرد. تأخروا. انزعج الزميل، إذ ليس من عادة الموظف الألماني أن يهمل أي إيميل يتلقّاه. هذه بلاد يعمل الموظفون فيها بجدية ولا ينتظرون الرشاوى لتمرير المعاملات. بعد 36 ساعة جاءت الموافقة مرفقة باعتذار مهذب. عاصفة اللجوء ألقت بثقلها على الجهاز المكلف متابعة هذا الموضوع.

توجهنا إلى مبنى في منطقة ليشتنبرغ. طلبنا من الموظفة الألمانية أن نزورعائلة سورية وصلت حديثاً. رحبت بنا، لكنها اشترطت موافقة العائلة نفسها وهذا ما حصل.

كانت السيدة ناريمان بلال تعيش في إدلب مع زوجها وولديها زيد وجنى. مهنتها التدريس وزوجها يملك كاراجاً لتصليح السيارات. كانت الحياة طبيعية أوعادية. وكانت العائلة بعيدة من السياسة وتتحاشى ما يسبّب وجع الرأس مع النظام. وهكذا مرت الأيام. تقود ناريمان سيارتها لنقل أطفالها والذهاب إلى مقر عملها. ويكافح زوجها لتحسين شروط العيش. كانت العائلة قانعة بأوضاعها ولم يخطر في بال الزوج أو الزوجة أن الأيام ستلقيهم في أرض أخرى بعيدة من إدلب. أرض مختلفة الثقافة واللغة وأسلوب العيش.

مع غارات طيران النظام وسيطرة «جبهة النصرة» على المنطقة تبدّل المشهد. صارت الإقامة محفوفة بالصعوبات والأخطار معاً. غارات طيران النظام لا ترحم. والعيش في ظل قواعد «النصرة» ليس بسيطاً. فُرض على النساء الخروج بالعباءة. تغير أسلوب الحياة. صارت ناريمان تشعر بأن مجرد قيادة السيارة يُعتبر جُرماً ومخالفة. إنها مسلمة سنّية. الإيمان بالنسبة إليها لا يعني التشدُّد. كانت أخبار المناطق السورية الأخرى مخيفة ومقلقة وبدت الحرب طويلة. راحت العائلة تفكر في مستقبل الطفلين وسط أجواء توحي بأن سورية نفسها بلا مستقبل.

كان لا بد من قرار صعب. باعت ناريمان سيارتها وتركت عملها. باع زوجها سيارته وترك مصدر رزقه. لا بد من مبلغ من المال لإرواء جشع المهرّبين الذين سيأخذون العائلة بعيداً من سورية. «لا أريد الدخول في السياسة. أريد فقط العيش بأمان مع عائلتي. النظام أخطأ و «جبهة النصرة» اخطأت. كان الله في عون السوريين».

سلَكَت العائلة طريق تركيا. انتظرت موعد الرحلة. صعدَت إلى القارب بعدما دفَعَت للمهرّب. صلّت إيمان طويلاً كي لا يغدر البحر بعائلة لا تبحث عن غير الأمان. تلاعب الموج بالقارب بين تركيا وشاطئ ميتاليني اليونانية لكن العائلة وصلت. ومن اليونان كانت الرحلة شبيهة برحلات الآخرين وانتهت في برلين في 22 آب (اغسطس) الماضي.

تستبعد ناريمان أن ترجع إدلب إلى ما كانت عليه. «بدأتُ البارحة مع زوجي دورة لتعلُّم اللغة الألمانية على حساب الدولة هنا». تقول إن التعامل جيد. الطعام متوفر ولو كان مختلفاً عن مذاق أكل بلادنا. التطبيب مؤمن. في البداية أعطونا1008 يورو لمدة 40 يوماً. أعطونا ايضاً ملابس للشتاء. سيسجلون الأولاد في المدرسة قريباً.

اعتذرَتْ ناريمان عن التقاط صورة لها. أشارت إلى الطفلين يتابعان برنامجاً للصور المتحرَكة على التلفزيون. تحدّثت بهدوء من يستسلم لقدره. طُويتْ صفحة إدلب وفُتِحت صفحة جديدة.

أخذتنا الموظفة الألمانية في جولة في المبنى. غرف عادية لكنها نظيفة ومجهزة بما يكفي لإقامة اللاجئين. أخلت الشرطة المبنى تاركة المجال لإقامة اللاجئين. أطلعتنا الموظفة على الطابق المخصص للعائلات التي أصيب أحد أفرادها بإعاقة. غرف مجهّزة للعب الأطفال، فضلاً عن تجهيزات في الحديقة.

 

جاء من الغوطة

عبدالقادر شيخاني لا يحب إخفاء مشاعره. قال: «حين وصلت إلى ألمانيا شعرت للمرة الأولى في حياتي بكرامتي كإنسان. لا قيمة للإنسان في بلداننا. إنه مجرد رقم او أقل. عليه الخضوع على مدار الوقت. والقبول بما يرسمونه له. لا حقوق له ولا كرامة».

قال عبد القادر إنه من بلدة النشابية. حين بدأت الاحتجاجات تعاطف الناس معها. تعبوا من التسلط والظلم والفساد. «على رغم المعاناة الطويلة، لم يطالب الناس في البداية بإسقاط النظام. طلبوا من بشار الأسد أن يسمح لهم بالتنفس قليلاً. أن يُحقِّق شيئاً من الإصلاح الذي تحدث عنه على مدار سنوات. النظام جشع ولا يقبل بأن يتحدث الناس عن حقوق أو مطالب. يعتبر أن أي حديث من هذا النوع يشكل جريمة».

ويضيف: «خرج شبان البلدة في تظاهرة. أنا شخصياً لم أشارك لكن كنت أشاهد من قرب. كانوا يردّدون هتافات من نوع «سلمية سلمية» و «الشعب السوري واحد». يريدون تحسين شروط حياتهم ووقف عمليات الفساد والنهب. فجأة أطل رجال الأمن وأمطروا التظاهرة بالرصاص. هذه كانت المجزرة الأولى. الحصيلة 12 قتيلاً و255 جريحاً. لم يكن هناك أي سبب لإطلاق النار. اعتَقَدَ النظام ان المجزرة ستكسر إرادة الناس وتعيدهم إلى مرحلة الخوف. أنا أتحدث عمّا رأيت وليس نقلاً عن آخرين».

وتابع: «تعرّضت البلدة للويلات وقُصِف منزلي. كما تعرّضت للحصار والتجويع. نظام ظالم لا يرحم. تخضع له أو يعتبرك متآمراً وجاسوساً ليُبرر قتلك. كنت أعملُ سائقاً وفي الإنشاءات ايضاً. صارت الحياة مستحيلة. خفنا على عائلاتنا من ممارسات الشبيحة. وصلتُ إلى ألمانيا قبل ثلاثة أشهر من طريق بلغاريا وصربيا والنمسا. دفعتُ للمهرّبين 10 آلاف يورو على أربعة أفراد. ليس هناك ما هو أفضل من تعامل الألمان. تصور هذه ليست بلادك. لكنها تحترمك. توفر لك مكاناً للإقامة وطعاماً وتوفر التطبيب وتعطيك مصروف الجيب. تفتح لك باب العمل وتعاملك باحترام كأنك مواطن أصيل. حاول أن تقارن مع بلداننا».

وقال: «سورية بلدي. وأنا أحب بلدي. لكنني أريد أن أعيش بكرامة. في دولة تساوي بين الناس ويحكمها القانون. سأكون صريحاً. العودة غير واردة إذا بقي الأسد. لا يمكن قبول العودة إلى الظلم بعد بحر من الدماء والخراب. أنا أريد سورية دولة طبيعية يعيش فيها الناس ويعلّمون أولادهم ويمارسون حياتهم بلا خوف. أنا ضد التطرف والتعصب من أي جهة أتى. أنا سنّي وكردي. أحب أن ينال الأكراد حقوقهم في سورية لكنني لا أؤيد قيام كانتون خاص بالأكراد. لا أخفي عليك أن الحديث عن كانتون كردي بدأ يؤثر في العلاقات بين العرب والأكراد».

قال عبد القادر إن العالم بأسره أخطأ في حق السوريين. تركَهُم عُرضة للقتل والخراب. حَمَلَ بعنف على إيران ووصفها بأنها «عدوٌّ لدود». وحمل بعنف أكبر على «حزب الله» معتبراً أن «مشاركته في قتل السوريين تُظهر أنه مجرد أداة لتنفيذ البرنامج الإيراني، وأن لا صحة لما كان يدّعيه عن المقاومة والممانعة».

 

رحلة آراس

لن يرجع آراس الى سورية حتى ولو عرضت عليه مذهبَة. برنامجه أن يبني مستقبله في ألمانيا. فور استقراره سيحاول إحضار خطيبته التي تركها في تركيا خوفا من ان يغرق الزورق المطاطي بهما معا. لن أكتب قصة آراس ساتركه يرويها عبر الحوار:

> هل تقول لي إسمك؟

– آراس عبدالباسط، أنا من مدينة البوكمال في محافظة دير الزور. أنا من عائلة نسبها درويش وهي عائلة كردية، نحن عشرة أشخاص مع الأب والأم.

> هل غادرتم جميعاً؟

– أهلي بقوا في تركيا وأنا جئت مع اثنين من أشقائي.

> متى غادرتم سورية؟

– منذ نحو أربع سنوات حين اتخذت الأحداث طابعاً دموياً.

> لماذا خرجتم؟

– تعرضنا لضغوط لتجنيدنا. جاء الجيش النظامي واستخدم لغة التهديد. إما أن تتجنّدوا معنا أو سنعاقبكم. والعقاب يعني القتل. الانضمام الى الجيش في مثل الظروف التي تعيشها سورية يعني المشاركة في قتل الناس. إن معظم الذين يُقتلون في سورية من المدنيين والأبرياء. قررتُ أن لا أبدأ حياتي بالقتل. لا أريد دماً على يدي. قلنا نبتعد قليلاً. ذهبنا الى الحسكة. تكرّر المشهد هناك. جاء الجيش النظامي. ثم جاء الجيش الحر، وبعده الجيش الكردي. أنا لا أريد أن أقاتل. في الوقت نفسه ظهرت مجموعات مسلحة تهين الأكراد وتستفزّهم. يقولون للكردي: «أنت كردي سنقطع رأسك».

ذهبنا الى رأس العين للدخول إلى تركيا. صودف ان جندياً تركياً قُتِل برصاص أُطلق من الأرض السورية فتوتَّرَ الجو في منطقة الحدود. ساعدنا مهرّبون من رأس العين على العبور. ودفع كل فرد منا نحو 150 دولاراً لاجتياز الحدود.

> وفي تركيا؟

– أقمنا في منطقة قريبة من الحدود مع سورية. بدأتُ العمل في مطعم للكباب لأحد أقارب والدي. كان يعطيني عشر ليرات يومياً ثم رفعها الى خمس عشرة ليرة.

> كيف كانت معاملة الأتراك لكم؟

– كانوا يخاطبون السوريين بنوع من الإستعلاء ويسخرون منهم. هناك شيء من العنصرية. مع وصول السوريين ارتفعت إيجارات المنازل كثيراً.

> لماذا قرّرت مغادرة تركيا والمجيء إلى أوروبا؟

– كنا نسمع عما يجري في سورية. أعمال القتل والمجازر وتدمير المدن والقرى، وممارسات العصابات والميليشيات. حين تسمع ذلك يستحيل أن تفكر بالعودة إلى سورية. كان لي أصدقاء جاؤوا سابقاً إلى أوروبا. حكوا لي أنهم يعيشون مرتاحين أو في صورة طبيعية. شجعوني على المجيء. فكرتُ في مستقبلي وفي عائلتي. البقاء في تركيا ليس حلاً.

> قررتم الخروج. بمن اتصلتم؟

– اتصلنا بأحد أخوالنا وهو مقيم هنا منذ أكثر من عشر سنوات. قال: «تعالوا سترتاحون هنا بعيداً عن القتل والخراب».

> كيف بدأتم رحلة الخروج؟

– أراد أهلي إنقاذنا خوفاً من أن نعود إلى سورية وأن نشارك في الحرب. طلبوا منا المغادرة لتأمين مكان لنا.

> من أصعدك الى القارب؟

– مهرّبون من جنسية تركية. الحقيقة هناك مافيا كبيرة يعمل فيها عراقيون وسوريون وآسيويون وأفارقة، لكن زعماء هذه المافيا هم من الأتراك بسبب المكان. رأس المافيا تركي لأنه هو الذي سيقرر من أي نقطة سينطلق الزورق. أعطونا موعداً في مكان محدد ودفع كل واحد ألف دولار.

> كم شخصاً كنتم في القارب؟

– نحو 45 شخصاً. إنه قارب مطاطي يُنفخ ويُلقى في البحر. هذه فنون المافيا. يأتون بأحد الهاربين ويدرّبونه لدقائق على قيادة القارب. ثم يتركون له المهمة. لا يقودون القارب بأنفسهم كي لا يُقبض عليهم وكي يتفادوا المصير الأسود إذا غرق. وإذا وصل اللاجئون إلى هدفهم يتركون القارب في البحر فثمنه لا يزيد على ألف دولار. انطلقنا من بواتشا في إزمير. انطلقنا عند منتصف الليل ووصلنا في الثامنة صباحاً إلى اليونان.

> كيف كانت الرحلة؟

– مخيفة. الموت وارد في أي لحظة. وقوارب كثيرة غرقت. سلمتُ مصيري واعتبرتُ ان الموت ممكن أو متوقع. تأتي موجة فيرتفع القارب ويهتز بقوة فتسمع دعاء الأمهات وبكاء الأطفال.

> من قاد القارب؟

– لاجئ سوري مثلنا. درّبوه لدقائق قبل الانطلاق. فَقَدَ بعض الركاب أعصابهم. شاب راح يصرخ يريد أمه. أنا قررتُ أن أبقى صامتاً رغم مخاوفي. الحمدلله لم يسقط أحد في المياه. وفي النهاية وصلنا الى جزيرة ميتاليني اليونانية. قبل وصولنا بنحو كيلومتر اقترب يوناني من القارب وأرشدنا الى مكان النزول على الشاطئ وقال انه سيتصل بالشرطة لتستقبلنا. إنه متطوع أراد المساعدة.

> وحين نزلتم؟

– الشخص نفسه أحضر معه عدداً من اصدقائه، وقد اصطحبوا معهم بعض الطعام وزجاجات المياه. أرشدونا الى الطريق المؤدية الى المدينة. سرنا نحو يوم كامل لعشرات الكيلومترات. كانت الرحلة مُنهكة. ذهبنا الى المخفر لنحصل على خرائط وللصعود الى وسيلة نقل توصلنا الى أثينا.

نمنا في حديقة. وتعرّضنا لممارسات من رجال عصابات وسكارى حاولوا ابتزاز اللاجئين، انتقلنا ونمنا في حوش قرب المخفر.

عدنا الى المكان الذي سنتسلّم منه الخرائط؟ كان تعامل الشرطة سيئاً ووصل الى حد ضرب النساء والأطفال. مثلاً، أنا كنت واقفاً على الشاطئ، اقترب مني شرطي وانهال علي بهراوته. صعدنا الى الباخرة وتوجّهنا الى أثينا.

> وبعد أثينا؟

– ساعدنا سوري في الصعود الى باص أوصلنا الى حدود مقدونيا في رحلة استمرت ست ساعات. كانوا يدخلون اللاجئين في مجموعات وانتظرنا يومين هناك. أدخلونا الى مخيم ثم صعدنا إلى باص أوصلنا إلى حدود صربيا في رحلة استغرقت 4 ساعات. عند حدود صربيا كان الطقس بارداً.

تعرضنا لاستغلال حقيقي. كان سائق التاكسي يتقاضى أضعاف التعرفة ليوافق على نقل اللاجئين. لم يكن أمامنا غير ان ندفع. صعدنا الى باص في اتجاه الحدود الهنغارية. مشينا نحو كيلومتر على خط السكة الحديد. وكان عدد اللاجئين كبيراً، من سورية والعراق وباكستان وأفغانستان.

> كان الوضع صعباً هناك؟

– جداً، بدأ الناس يلقون بأنفسهم من فوق الشريط الشائك. ابتعدنا عن الشرطة. أحضرتُ بطانيتين كانتا معنا ووضعناهما فوق الشريط الشائك وبدأنا بتمرير الأطفال والنساء.

دخلنا إحدى الغابات. وصلنا الى محطة محروقات. صعدتُ مع إخوتي الى سيارة تاكسي. تبين لاحقاً أن السائق سرق هذه السيارة. لدى وصولنا إلى مقربة من نقطة تفتيش قفز السائق من السيارة وهرب، وتولّينا نحن إيقافها. أي انه تقاضى الأجرة المضاعفة وفر. طلبتُ من رفاقي ان يهربوا وسلمتُ نفسي إلى الشرطة وقلتُ لهم إنني سوري وكان تعاملهم جيداً. أعدنا تجميع أنفسنا ومشينا، ثم اكتشفنا ان سائق السيارة يختبئ وراء شجرة فتحلّقنا حوله واستعدنا ما دفعناه. تعرضت مجموعة أخرى للأمر نفسه. صعدنا في «فان» وتوجّهنا الى بودابست. انتظرنا القطار خمس ساعات وتوجّهنا إلى فيينا.

في فيينا كان المشهد مؤثراً. مواطنون عاديون جاؤوا يحملون الطعام والعصائر والبطانيات والأدوية. جاء أطباء للمساعدة وأعطونا خطوطاً للاتصال بأهلنا. تصوّر ماذا تفعل بنا بلداننا وكيف يعاملنا ابناء بلدان أخرى؟ (تدخّل لاجئ آخر ضاحكاً قال: أنظر كيف يتصرف من كنا نسميهم الإمبرياليين والكفار). أصعدونا الى القطار وتوجّهنا الى برلين.

> وفي برلين؟

– كان الاستقبال جيداً. حضر الأطباء لتقديم أي مساعدة. أصعدونا في باصات وأحضرونا الى هذا المكان وهو في الأصل ملعب كرة سلة. أنزلونا فيه وخلال أقل من خمس ساعات جهّزوا لنا مكاناً للأكل والنوم.

> كيف تصف التعامل؟

– ممتاز. ثلاث وجبات، وإن احتجت أكثر يمكنك الحصول عليه. أعطونا ثياباً. صار في استطاعتنا النوم بلا قلق أو خوف. إنك في بلاد آمنة. لا بعث هنا ولا «داعش». لا براميل ولا قطع رؤوس. نحن ننتظر عملية الفرز للحصول على مساعدة سكن ومساعدة لتعلُّم اللغة.

> ما هو طموحك الآن؟

– سأتحدث بصراحة. أنا أحب فتاة. ذهبتُ وخطبتها قبل الرحلة. قلت إذا وصلت حياً سأعمل على تأسيس مستقبلي هنا وسأرسل في طلبها.

> كنا في قصة لجوء وصرنا في قصة غرامية؟

– أنا لا أحكي إلاّ الصراحة. إنها فتاة سورية. سأريك صورتها لتعرف أنني لم أخطئ (أراني صورتها في الهاتف).

> هل يمكن ان ترجع الى سورية؟

– لا أريد العودة الى سورية على الإطلاق.

> وإن أقاموا كانتوناً كردياً؟

– وإن فعلوا ذلك… لو جعلوا سورية مذهّبة سأرفض العودة إليها. أعجبتني ألمانيا جداً. أريد الإستقرار فيها، أريد الحياة. بلادنا للخراب والموت والتعصب. هذه الصفحة انتهت. هنا نلمس ما نسمّيه الإنسانية.

> كيف كانت صورة ألمانيا لديك عندما كنت في سورية؟

– لم نكن نعرف عن ألمانيا سوى أنها أنجبت هتلر.

> والآن؟

– هذه دولة تحترم الإنسان وإن لم يكن إبن أرضها.

> وماذا تقول عن المستشارة أنجيلا مركل؟

– لقد سمّاها اللاجئون ماما مركل. هذا يكفي لوحده.

> لماذا لم تصطحب خطيبتك معك؟

– خفتُ ان يغرق المركب. أفضّل أن أموت أنا ولا أعرّضها للخطر. أنا على الأقل أجيد السباحة ويمكن أن أحاول النجاة.

> غداً إذا التقيت ألمانيّة جميلة ستنسى خطيبتك؟

– لا، أنا لست من هذا النوع.

> ما اسم شقيقك؟

– جفر خوين أي قلب الفدائي. وشقيقي الآخر اسمه جودي.

 

العراقي المتنكّر

> هل يمكن أن أعرف اسمك؟

– رجاء لا اسم ولا صورة.

> لماذا؟

– لأنني في وضع صعب.

> هل تشرح لي؟

– أنا لست سورياً لكنني تظاهرت بأنني سوري وجئت من تركيا إلى ألمانيا.

> لماذا تركت العراق أصلاً؟

– لأن الحياة هناك تحوّلت الى جحيم. ماكو أمان. ماكو كهربا. ماكو كرامة. عليك ان تختار بين العيش تابعاً في ظل «داعش» أو العيش ذليلاً في ظل ميليشيات «الحشد الشعبي». هذا يمكن أن يقتلك ويتّهمك بأنك كافر أو مرتد. وذاك يمكن أن يقتلك لأنه يعتبرك مشروع «داعشي». العراق خراب بخراب. ماكو دستور. ماكو قانون.

> لكن بلدكم غني؟

– كان غنياً، لقد نهبوه. لم يبق شيء. لو زرت العراق لشاهدت الفقر والعوز والحاجة. كان صدام حسين يبدد المال على بناء الجيش. هؤلاء يسرقون المال العام ويخضعون الجيش للميليشيات.

> هل أفهم أنك تحن إلى أيام صدام حسين؟

– لا. أعرف أنه كان ديكتاتوراً ومستبداً. لكنني أعتقد بأنه لم يخطئ في فهم نوايا إيران حيال العراق. ألم تشاهد صورة قاسم سليماني يرقص بين مسلّحي الحشد الشعبي؟ أنا لا أريد «داعش» على الإطلاق، لكنني لا أريد أيضاً أن تنصّب إيران حاكم العراق. لا أريد أبداً أن أعيش مواطناً من الدرجة الثانية.

> لماذا جئت إلى ألمانيا؟

– لأنني أريد الشعور بكرامتي. أريد أن أنام من دون الخوف من «داعش» أو الميليشيات. هل تعرف أنني لم أكن أجرؤ على السير في بعض شوارع بغداد التي كبرت فيها. يمكن ان يخطفك شخص يحمل بطاقة رسمية من الأمن. يقتلك ويرمي جثتك. هنا قد تكون الحياة صعبة لفترة لكن في النهاية سيكون لديك سقف تنام تحته. سيكون لديك تطبيب. لن تموت خوفاً من جارك لأنه ينتمي إلى طائفة كانت مستضعفة وصارت قوية تستضعف الآخرين.

> ألا تبالغ في تصوير الدور الإيراني؟

– دعني أقول لك أن فكرة سقوط الموصل بيد «داعش» كانت عبقرية. زوّدت التنظيم بترسانة هائلة. جعلت العرب السنّة متهمين بأنهم «بيئة حاضنة» للإرهاب. سهّلت شرعنة «الحشد الشعبي» ومكّنته من التوغُّل في الإرهاب والقيام بعمليات تطهير في الحزام السنّي حول بغداد. أما في سورية فإنها وضعت العالم أمام الخيار: إما «داعش» وإما الأسد. هذه ليست عبقرية أبو بكر البغدادي.

> ماذا ستفعل في ألمانيا؟

– هذا البلد لن يطردني. أنا مضطهد كالسوريين. لم يعد لي بلد. سأنام في الشارع إذا اضطررت. لن أغادر إلى أي مكان. وإذا أمكنني العمل سأكون سعيداً. هنا يمكن أن تذهب إلى عملك وترجع حياً الى مكان إقامتك. لا أخفي عليك. أريد الانتماء الى هذا العالم الذي يعيش في ظل القانون والمؤسسات. أريد قطع علاقتي بعالم العنف والتعصب والكراهية. لا أخفي عليك أنني أخطط ايضاً للزواج من ألمانية إذا تيسّر لي ذلك. أريد تأسيس جذور هنا كي لا أمضي العمر في البكاء على بغداد.

 

جاءت من بغداد

> هل يمكن ان نعرف اسمكِ؟

– اسماء.

> من أين جئتِ؟

– من بغداد.

> متى وصلتِ الى برلين؟

– قبل ستة أيام.

> كيف جئت؟

– عن طريق البحر. ذهبنا الى اسطنبول ومنها الى اليونان عبر قارب. كانت المعاناة رهيبة. رمى المهرّبون حقائبنا في البحر ومعها وثائقنا. ليس لدينا أي شيء. من اليونان الى مقدونيا فصربيا. احتجزونا خمسة أيام في هنغاريا في زنزانة. كان تعاملهم قاسياً. لا أكل ولا شرب. بعدها صعدنا في قطار الى النمسا ومنها إلى ألمانيا.

> لماذا تركتم بغداد؟

– لدينا طفل معوّق. ماكو علاج في بغداد. قيل لنا ان هذا الطفل يمكن ان يحصل على عناية في ألمانيا.

> من أي حي في بغداد جئتم؟

– من حي الاعلام.

> أنتم سنّة أم شيعة؟

– شيعة.

> الشيعة لا يتعرّضون حالياً للاضطهاد في العراق.

– العيش في العراق أصعب مما تتصور. لا أمان ولا خدمات. فضّلنا المخاطرة بالخروج على البقاء هناك. دفعنا للمهربين، لكننا وصلنا في النهاية إلى مكان آمن. رجاء لا تنشر لي صورة. تعرف أن تقاليدنا لا ترحب بذلك.

> هل يمكن ان تعودي إلى العراق ذات يوم؟

– لا.

> ألمانيا أفضل من العراق؟

– لا أريد المقارنة. لكن الألمان استقبلونا واهتموا بنا. العراق معاناة متواصلة.

 

 

alhayat

 

ghassan sharbel