أخبار عاجلة
الرئيسية » وثائق وبيانات » ترجمة كتاب “عملية قيصر ــ في قلب آلة الموت السورية” / موقع سوريتي يتوجه بالشكر لجريدة العربي الجديد على هذا الجهد المميز

ترجمة كتاب “عملية قيصر ــ في قلب آلة الموت السورية” / موقع سوريتي يتوجه بالشكر لجريدة العربي الجديد على هذا الجهد المميز

ينفرد “العربي الجديد”، على موقعه الالكتروني بنسختيه العربية والانكليزية، وفي نسخته الورقية، وبشكل حصري، بنشر فصول مترجمة من كتاب “عملية قيصر ــ في قلب آلة الموت

السورية” الذي يسرد شهادة المصوّر في جهاز الشرطة العسكرية للنظام السوري، الذي تمكّن من الهرب إلى الخارج في العام 2013 ونشر عشرات آلاف الصور عن ضحايا التعذيب الذي
قُتلوا في معتقلات النظام السوري. وثائق قرّر القضاء الفرنسي اعتبارها أخيراً أدلّة لمحاكمة بشار الأسد بتهمة ارتكاب جرائم حرب.

الكتاب يصدر في السابع من أكتوبر/تشرين الأول المقبل، ونال “العربي الجديد” حقّ نشر فصول منه بصورة حصرية، من الكاتبة الفرنسية غارانس لو كازن، ومن دار النشر “ستوك”.

المهنة: مصور جثث
اسمي قيصر. كنت أعمل لدى النظام السوري. كنت مصوراً في الشرطة العسكرية في دمشق. سوف أخبركم عن عملي قبل الثورة، وخلال العامين الأولين منها. لكن لا يمكنني تفسير كل الأمور لأني أخاف أن يتعرف النظام علي من خلال المعلومات التي سأفصح عنها. أنا لاجئ في أوروبا. أخاف أن يجدوني و…

تابع قراءة التفاصيل التي تروى لأول مرة، من شاهد عايش الموت بأبشع صوره لآلاف المعتقلين الذين قضوا في سجون الاستخبارات السورية.

 

 

“عملية قيصر” – الفصل الثاني:مصوّر جثث قبل الثورة وبعدها
ترجمة: العربي الجديد
30 سبتمبر 2015

في الفصل الثاني من كتاب “عملية قيصر” ـ في قلب آلة القتل الخاصة بالنظام السوري، يروي المصوّر المنشق عن جهاز الشرطة العسكرية في النظام السوري، “قيصر”، طبيعة مهنته كمصوّر جثث، والتحولات التي طرأت عليها بعد اندلاع الثورة، ربيع عام 2011. الشهادة قرر القضاء الفرنسي أخيراً اعتمادها كدليل جرمي لمحاكمة نظام بشار الأسد بتهمة ارتكاب جرائم حرب.

اسمي قيصر. كنت أعمل لدى النظام السوري. كنت مصوراً في الشرطة العسكرية في دمشق. سوف أخبركم عن عملي قبل الثورة، وخلال العامين الأولين منها. لكن لا يمكنني تفسير كل الأمور لأني أخاف أن يتعرف النظام علي من خلال المعلومات التي سأفصح عنها. أنا لاجئ في أوروبا. أخاف أن يجدوني ويتخلصوا مني، أو ينالوا من عائلتي.

قبل الثورة، كنت مسؤولاً عن تصوير الجرائم والحوادث التي يتورط فيها عسكريون. يشمل ذلك عمليات انتحار، وغرق، وحوادث سير وحرائق. كنا، أنا والمصورون الآخرون، نذهب إلى أمكنة الحوادث ونصوّر المنطقة والضحايا. هناك كان القاضي أو المحقق يقولان لنا: “صوّر هذا الشخص… صوّر ذلك الأمر”. كان عملنا مكملاً لعملهم. على سبيل المثال، إذا وقعت جريمة في مكتب ما، كنا نصوّر المكان الذي وجدت فيه الجثة، ثم نصوّر الجثة في المشرحة لنسجل من أين دخلت الرصاصة وخرجت. كنا أيضاً نستطيع تصوير الأدلة الخاصة بالجريمة، أي المسدس أو السكين المستخدم. إذا كان الأمر يتعلق بحادث سير، كنا نصوّر المكان والسيارة، ثم نعود إلى المكتب ونكتب تقريراً يرافق الصور. ثم يتم إرسال التقرير إلى المحكمة العسكرية كي تبدأ الإجراءات القضائية.

في تلك الفترة، كان قسمنا مرغوباً جداً من قبل الجنود والشباب المستدعين من الاحتياط. كثيرون كانوا يرغبون بالعمل في القسم لأنّه لم يكن هناك الكثير من العمل. كنا نتابع قضايا كل يومين أو ثلاثة، ولم نكن مجبرين على لبس أي زي رسمي، وكان بإمكاننا العمل بلباس رسمي أو مدني.

لكن الضباط لم يكونوا يرغبون بالعمل في القسم! إنّ قيادة (أو إدارة) مصورين واختصاصيي أرشفة ليس بالفعل عملاً ذا شأن. لا تملك الشرطة العسكرية الكثير من السلطة في البلاد، لا علاقة للأمر بالطبع بسلطة أجهزة الاستخبارات. أكثر من ذلك، لم يكن لدى عناصرها أي تواصل مع المدنيين، وبالتالي لا إمكانية لكسب المزيد من المال عبر البقشيش، كما يحصل في الجمارك، وفي الوزارات. كذلك لم يكن لديهم أي تأثير على الأمن والجيش.
في الهرمية الإدارية، لا أحد يهتم بعملنا، وقسمنا غير مهم. كان قسماً من بين العشرات. تشمل الشرطة العسكرية العشرات من الأقسام والفروع والكتائب. في دمشق وحدها كان يوجد ثلاثون قسماً على الأقل: مصورون، وسائقون، وميكانيكيون… وخدمات تشغيل، ورياضة، وفرقة لنقل المساجين بين الأفرع المختلفة للاستخبارات العسكرية. لكن الأهم من ذلك بالطبع هو موضوعا التحقيقات والسجون.

في أحد الأيام أخبرني زميل لي عن ضرورة تصوير جثث مدنيين. كان قد عاد للتو من تصوير جثث متظاهرين من محافظة درعا: كنا في الأسابيع الأولى للثورة في شهر مارس/آذار أو إبريل/ نيسان 2011. أخبرني وهو يبكي: (لقد أهان الجنود الجثث، وقاموا بدوسهم بأحذيتهم وهم يصرخون: “يا أبناء القحبة!”).

لم يرغب زميلي أن يعود، فهو كان خائفاً. حين اضطررت للذهاب، رأيت الأمور بنفسي. قال الضباط إنّ هؤلاء هم “إرهابيون”. لكنّهم كانوا ببساطة متظاهرين. كانت الجثث مصفوفة في مشرحة مستشفى تشرين العسكري، وهو غير بعيد عن المركز الرئيسي للشرطة العسكرية.
في البداية، كان يوضع الاسم على كل جثة. بعد بعض الوقت، أي حوالى بضعة أسابيع أو شهر، لم يعد للجثث أي أسماء، فقط أرقام. في مشرحة مستشفى تشرين قام جندي بإخراجهم من البرادات، ووضعهم على الأرض كي نتمكن من تصويرهم ومن ثم أعاد الجثث إلى البرادات.

كلما تم استدعاؤنا لجلسة تصوير، كان يحضر طبيب شرعي. مثلنا لم يكن الأطباء الشرعيون مضطرين لارتداء زي رسمي، لكنهم كانوا عسكريين مع رتب. في الأشهر الأولى، كانوا ضباطاً عاديين، ثم تم استبادلهم بمن هم أعلى رتباً.

مع وصول الجثث إلى المستشفى، كانت تحمل رقمين مكتوبين على ورقة لاصقة أو على الجلد مباشرة، الجبين أو الصدغ، وكانت المادة اللاصقة من نوعية رديئة وغالباً ما كانت الورقة تقع من تلقاء نفسها. الرقم الأول كان رقم الموقوف نفسه، والثاني خاص بفرع أجهزة الاستخبارات التي كان محتجزاً لديها. الطبيب الشرعي الذي كان يحضر في وقت أبكر صباحاً، يمنح كل جثة رقماً ثالثاً من أجل تقريره الطبي. كان هذا الرقم الأهم بالنسبة لعملنا الأرشيفي. يمكن للرقمين الآخرين أن يكتبا بشكل سيئ، أو خط غير مقروء، أو أن يكونا ببساطة غير صحيحين، بسبب وقوع أخطاء أحياناً.

كان الطبيب الشرعي يكتب الرقم الطبي على ورق مقوى. كان هو أو عنصر من جهاز أمني يضع الرقم قرب الجثث أو يمسك به حين نلتقط الصورة. هذه هي الأيادي التي رأيتموها في الصور التي سربتُها. أحياناً يمكن حتى رؤية أقدام الطبيب الشرعي أو العناصر الأمنية إلى جانب الجثث.

الأطباء الشرعيون هم أعلى منا مرتبة. لم يكن ممكناً الحديث معهم أو حتى توجيه أسئلة لهم. حين كان أحدهم يوجه لنا أمراً، كان علينا الطاعة. كان يقول لنا: “صوّر الجثث من 1 إلى 30، مثلاً، وارحل”. من أجل التمكن من التعرف بشكل سريع على الجثة في الملفات، كان يجب التقاط أكثر من صورة لها: واحدة للوجه، وأخرى للجسد بأكمله، وواحدة لجانبها، وواحدة للقسم الأعلى، وواحدة للقسم السفلي.

كان يتم تجميع الجثث بحسب الأقسام التي أتت منها، فكان هناك مثلاً مكان للفرع 215 من الاستخبارات العسكرية، وآخر لفرع الاستخبارات الجوية. سهل ذلك عملية التقاط الصور وتصنيفها لاحقاً.

لم أكن قد رأيت أياً من هذا مسبقاً. قبل الثورة، كان رجال النظام يعذبون المعتقلين من أجل الحصول على معلومات، لكنهم اليوم يقومون بذلك من أجل القتل. رأيت آثار شمع، ومرة رأيت علامة دائرية خاصة بالموقد الصغير – أي ذاك الذي يستخدم في صنع الشاي – وقد حرق وجه وشعر أحدهم. كان لدى بعض الأشخاص جروح غائرة، وعيون مقلوعة، وأسنان مكسورة، وآثار ضربات بكابلات كهربائية من تلك التي تستخدم لتشغيل بطاريات السيارات. كانت هناك جروح مليئة بالقيح، كما لو أنها لم تعالج منذ زمن وتعرضت للالتهاب. أحياناً، كانت الأجساد مغطاة بالدماء، لكن دماء طازجة. كانوا توفوا منذ مدة قصيرة بالطبع.

كنتُ أجد نفسي مضطراً للتوقف وأخذ استراحة كي لا أبكي. أذهب لغسل وجهي. في البيت لم أكن بوضع جيد أيضاً. لقد تغيّرت. كنت ذا طبع هادئ، وأصبحت سريع الانفعال، مع أهلي، وأخواتي. في الواقع، كنت مرعوباً، وأشاهد في رأسي كل ما رأيته خلال النهار. كنت أتخيل إخوتي وأخواتي وقد أصبحوا من تلك الجثث. جعلني كل ذلك مريضاً. لم أعد أحتمل كل ما يحصل، وقررت حينها الحديث مع سامي، وهو صديق يعيش في المنطقة نفسها. كان ذلك مساء يوم من ربيع العام 2011.

كان قيصر يرغب بالتوقف عن العمل والانشقاق. سمع سامي حججه، وأقنعه بالاستمرار لأنه الوحيد الذي يستطيع جمع الأدلة من داخل النظام. وعده بالوقوف إلى جانبه مهما حصل. (….) خلال عامين ورغم خطورة ذلك على حياته، سيقوم قيصر بنسخ ملايين الصور الخاصة بالمعتقلين والتي يمكن مشاهدتها اليوم في متحف الهولوكوست في واشنطن وعلى مواقع الانترنت. سيسانده سامي يوماً بيوم خلال عامين. وهو يستمر اليوم، في العام 2015، في مساندته في مكان ما حيث يعيش في أوروبا.

 

يروي قيصر، في الفصل الثالث من كتاب “عملية قيصر ـ في قلب آلة القتل الخاصة بالنظام السوري”، تفاصيل من يوميات الرعب في تصوير الضحايا المتوفين تحت التعذيب، على بُعد 40 متراً من قصر بشار الأسد. الشهادة التي تنشر “العربي الجديد” مقتطفات منها بصورة حصرية، قرر القضاء الفرنسي أخيراً اعتمادها كدليل جرمي لمحاكمة نظام بشار الأسد بتهمة ارتكاب جرائم حرب.
الروتين يصبح رعباً

“في وقت من الأوقات أرسلت الجثث أيضاً إلى المستشفى العسكري في المزة، الأكبر حجماً من مستشفى تشرين. كان اسمه الحقيقي “المستشفى 601”. وفيما كان مستشفى تشرين على بُعد خمس دقائق بالسيارة من مكتبنا، كان المزة يقع على بعد عشرات الكيلومترات، أي حوالي نصف ساعة في السيارة.

كان تصوير الجثث في “تشرين” أسهل لأنّها توضع بمنأى عن الشمس والضوء، في المشرحة أو في الأروقة حين تكون المشرحة ممتلئة. في “المزة” كانوا يتركون خارجاً، على الأرض وفي المرائب، حيث يتم تصليح وصيانة السيارات. يقع المستشفى في أسفل تلة حيث يوجد الحرس الجمهوري. في بعض الصور، يمكننا أن نرى التلة وكشك حارس المستشفى والأشجار التي تحدد محيط المبنى، وخلفه في الأعلى القصر الرئاسي.
لقد شاهدت جثثاً لمسيحيين وعلويين. رأيت واحداً وقد رسم وشماً لوجه بشار الأسد على صدره، كإشارة على وفائه. مع زملائي، لم يكن علينا فقط تصوير الجثث، لكن فتح ملفات لها. كان علينا طبع الصور، وترتيبها وفق الفروع، ولصقها على الملفات، وتصنيفها. كان عملاً منهجياً، إذ يوجد شخص يطبع الصور، وآخر يلصقها أو يشبكها في الملف، وثالث يكتب التقارير. يقوم رؤساؤنا بالتوقيع على التقارير ثم نرسلها إلى القضاء العسكري. قبل الثورة، كنا نقوم بهذا العمل مع جثث العسكريين، وبعدها استمرينا مع جثث المدنيين. كان الأمر وكأنّه روتيناً.

زاد العدد، وخصوصاً في العام 2012. لم نكن نتوقف عن العمل. كان الضباط المسؤولون عن قسمنا يشتموننا ويسألون: “لماذا لم تنتهوا بعد؟! الجثث تتكدس! هيا، أسرعوا!”. كانوا يعتقدون أننا نتلهّى، لكن لم يكن بإمكاننا العمل أسرع من ذلك. كانت هناك دوماً جثث أكثر وموظفون أقل، بسبب الانشقاقات بين الجنود. تعرضنا لضغط كبير جداً، لدرجة أنّه في النهاية كانت الجثث تلتصق بعضها ببعض في مرآب “المزة” قبل أن يتسنى لنا تصويرها. هناك، تحت الشمس وفي الحرارة، كان يتم حفظ الجثث بشكل سيئ، خصوصاً إذا بقيت أكثر من يومين. حتى الجنود كانوا يرفضون المس بها، وكانوا ينقلونها بواسطة أحذيتهم من دون أي احترام.

رائحة الجثث جزء من حياتنا

كانت تتعفن. مرة رأينا عصفوراً ينقر عين إحدى الجثث، وأحيانا أخرى كانت الحشرات تجتاح الجلد. ثم كانت هناك الرائحة، ليس في مستشفى تشرين حيث يتم حفظ الجثث في الداخل، لكن في المزة في المرأب الخارجي. هذه الرائحة التي لم نكن نستطيع التخلص منها في البداية، كانت تجعلنا مجانين. لكننا اعتدنا عليها وأصبحت جزءاً من يومياتنا.
كنا نعمل ما بين الساعة الثامنة صباحاً والثانية بعد الظهر ونرتاح حتى السادسة أو السابعة، ثم نعود إلى المكتب من السابعة إلى العاشرة مساءً. كانت النهارات طويلة، وكنا نعرف أنّه علينا الانتهاء مساءً كي لا نواجه أي تأخير، فالمزيد من الجثث ينتظرنا في اليوم التالي لنصورها.

ملف لكل ميت

مثل كل دول المعسكر الشرقي القديمة، تسجل سورية وتصنّف وتؤرشف كل معلومة أو ملف. إنّ الدولة التي تشك حتى بالموالين لها تحب تصنيف كل شيء من أجل تجنب أي خطأ. في سورية، وفي قلب أجهزة الدولة، لا يثق أي شخص بآخر. كل من يطيع الأوامر عليه أن يبرهن أنّها نُفّذت على أكمل وجه. يطلب الضباط أخباراً ووشايات من مرؤوسيهم الذين يسارعون لتزويدهم بها خوفاً من تصنيفهم كغير موالين وجبناء وغيرها من النعوت، وهي اتهامات تؤدي إلى السجن من دون أي محاكمة. هل يموت الموقوفون من الجوع أو في ظل التعذيب في مراكز الاحتجاز التابعة لأجهزة الاستخبارات؟ الأمر سري، لكنّه موجود ومسجل، ولكن في وثائق وفاة مزيّفة تعلن أنّ سبب الموت طبيعي.

 

في باحة المستشفى العسكري في المزة، وسط دمشق، وقبل أن تتوقف سيارة الهيونداي تماماً، يرمي الجنديان عشرات الأجساد العارية على الأرض. “ارموا أولاد الكلب هؤلاء هناك”! كانت الجثث قبل ذلك في مراكز الاحتجاز الخاصة بالفروع العسكرية. “كيف سأحمل هذا؟”، يصرخ المستدعى من الاحتياط مذعوراً، وهو لا يجرؤ على لمس الأشلاء الهزيلة، ويقول لرفيقه الذي يؤدي خدمته العسكرية أيضاً: “قم أنت بذلك”! بنظرات الرعب يجد الشابان أنفسهما مجبرين على نقل الجثث إلى المخزن.

مثل أي وجود مهدّد، يشرف بشار الأسد على كل شيء، فوقهما. حين يرفع الجنود أنظارهم يمكنهم رؤية المنحدرات الحجرية لقمة المزة. هناك، وعلى بعد أربعمائة متر فقط، تقع قلعة بشار الأسد المحاطة بالأشجار. يشرف القصر الرئاسي المسمى أيضاً قصر الشعب على العاصمة.

 

على بعد 400 متر من قصر بشار

أسفل القصر الرئاسي، تصل كل يوم تقريباً جثث جديدة، وعلى الجنود تعلّم كيفية جرّها وحملها ومن ثم فرزها وفق فروع أجهزة الاستخبارات حيث كانت محتجزة. تتكرر كل الحركات بشكل شبه يومي. يصل الطبيب الشرعي حوالي الساعة السابعة صباحاً. في يده دفتر، هو مجموعة من الأوراق الكبيرة والتي قسمت لثلاثة أعمدة، وينتقل من جثة لأخرى. يحمل كل جسد رقمين كُتبا على الجلد أو على ورقة ملصقة عليه. الأول يعود لرقم الموقوف، والثاني رقم فرع جهاز الاستخبارات حيث كان محتجزاً.

يضع الطبيب الشرعي رقماً ثالثاً من أجل تقريره الطبي. بعد كتابته على ورق مقوى، يوضع هذا الأخير على الجثة أو قربها. يقوم المصوّر بأخذ صورة بواسطة جهاز رقمي هو نيكسون كولبيكس بـ50 أو فوجي، ثم يعود الطبيب مع دفتره ليكتب الأرقام الثلاثة في العمود المناسب. يرافقه جندي “شاهد عيان”، ويعطيه مواصفات الميت لوضعها في العمود الأول: عمره التقريبي، وطوله، ولون بشرته وشعره، ووجود وشم من عدمه، وجرح ناتج عن رصاصة… وكذلك أسباب الموت، التي بشكل لا يتغيّر تؤكد بأنّ “الموقوف توفي إثر نوبة قلبية” أو بسبب “مشكلة في التنفس”. بالطبع لا تُكتب أي ملاحظة عن التعذيب في أي ورقة.

يقوم الطبيب الشرعي بعدها برسم خط تحت كل المعلومات وينتقل إلى الجثة التالية. تتضمن كل صفحة معلومات عن ثلاثة أو أربعة أشخاص بشكل متوسط. يتم إنهاء التقرير الطبي في مكاتب الطب الشرعي الموجودة في مستشفى تشرين.

بعد الانتهاء من التصوير، يعود قيصر وزملاؤه إلى مكتبهم في الشرطة العسكرية لكتابة تقريرهم الخاص، الموجه إلى القضاء العسكري. قبل الحرب، في بداية الثورة، كان كل ميت يحظى بوثيقة خاصة به. شيئاً فشيئاً، ازداد عدد الجثث، وأصبحت الورقة تتسع لعشرة ثم خمسة عشر ثم عشرين موقوفاً.
هذه الوثائق وترويستها تبيّن أنّها تابعة لقسم التصوير الجنائي داخل فرع الشرطة العسكرية في الجمهورية العربية السورية عليها عناوين مطبوعة مسبقاً: “preuve de justice”، “ملاحظات حول صورة الحادث”، “تفاصيل حول الحادث”. بعد الانتهاء من تصنيف الوثيقة بوصفها “موت”، يجب على جنود قسم التصوير الجنائي تعبئة كل واحدة بقلم الحبر.

أسباب الموت، التي بشكل لا يتغيّر تؤكد بأنّ “الموقوف توفي إثر نوبة قلبية” أو بسبب “مشكلة في التنفس.

 

 

في الفصل الثامن من شهادته التي قرر القضاء الفرنسي أخيراً اعتمادها كدليل جرمي لمحاكمة نظام بشار الأسد بتهمة ارتكاب جرائم حرب، يروي قيصر تفاصيل من الساعات والأيام الحاسمة لخروجه من سورية مع ملايين الوثائق والصور المرعبة، في إحدى أنجح عمليات الجيش السوري الحرّ.

الفصل الثامن

الخروج من سورية كواجب

أردنا نشر هذه الصور لكي تعلم عائلات المتوفّين في معتقلات النظام أن أقاربهم قد توفوا. كان يجب أن يدرك هؤلاء ماذا كان يحصل في السجون ومراكز الاعتقال، ذلك أنه عندما سيسقط بشار الأسد، سيعمل النظام على تدمير كل الأدلّة التي تدينه، هذا أمر مؤكد.

لكن لماذا يحتفظ النظام بهذه الصور؟ غالباً ما كنتُ أطرح على نفسي هذا السؤال. لماذا يوثّق جثث ضحايا التعذيب ويحتفظ بصورهم؟ أنا مجرد شخص بسيط ولست سياسياً، وسأجيب بكل بساطة: الأجهزة الأمنية للاستخبارات لا تنسّق في ما بينها. لا يعرف كل جهاز ما يفعله الجهاز الآخر. كل من هذه الأجهزة يدير تنظيمه بنفسه ويعمل وفق مصالحه، من القضاء العسكري والأجهزة الأمنية…

النظام يوثّق كي لا ينسى شيئاً

منذ خمسين عاماً، توثّق الشرطة العسكرية أدلّة حوادث ووفاة الجنود لمصلحة القضاء العسكري. النظام يوثّق كل شيء لكي لا ينسى شيئاً. من أجل ذلك، يقوم بتوثيق قتلاه. الصور الفوتوغرافية تفيد القضاة والمحققين. هي ضرورية لإتمام الملفات. إن قرر القضاة يوماً ما إعادة فتح هذا الملف أو ذاك، سيحتاج إلى هذه الصور. بعد انطلاق الثورة، وخلال الحرب، لم يفعلوا إلا الاستمرار بهذا الروتين، لا أكثر، من دون أن يتصور النظام أن هذه الصور قد تنقلب يوماً ما ضدّه.

تشعر الأجهزة الأمنية السورية بأنها تتمتع بحصانة مطلقة. لا يتصوّر ضباطها وعناصرها بأنه قد يأتي يوم يتمكن فيه أحد ما من محاسبتهم على تجاوزاتهم. يدرك هؤلاء أن قوى كبرى تساند النظام. كما أنهم لم يتخيلوا يوماً أن هذه الصور يمكن أن تخرج إلى العلن وتُنشر في الخارج.

في الحقيقة، أتساءل إن كان مسؤولو الأجهزة الأمنية أكثر غباءً ممّا نتصور. فهؤلاء، المشغولون بقمع المتظاهرين، ونهب الشعب، وقتله، نسوا أن تجاوزاتهم موثقة. أنظروا إلى الهجوم الكيميائي على منطقة غوطة دمشق. كان المسؤولون يعرفون جيداً أنه ستكون هناك أدلة تدينهم، وعلى الرغم من ذلك استهدفوا المنطقة.

لكن في العمق، لماذا يقوم النظام بتصوير كل هذه الجثث التي تعرضت للتعذيب حتى الموت؟ وحده النظام يمكنه الإجابة بدقة على هذا السؤال. حتى أنني على ثقة بأنه لا يزال يصوّر الجثث على الرغم من الصور التي سرّبتُها ونشرتها. كما أنني على ثقة بأن عناصر النظام لا يزالون يعتقدون بأن المتظاهرين والثوار من الجيش السوري الحر هم “إرهابيين” مدفوعين من عملاء أجانب وأنهم يدمرون سورية. في بداية الثورة، كان معظم العسكريين يظنون ذلك. بعدها، أدرك كثير منهم أن ذلك ليس صحيحاً، لكن بعدما سفكت الكثير من الدماء.

أذكر جيداً عندما قام النظام بالإفراج عن “جهاديين” شاركوا في حرب العراق ضد الأميركيين، بعدما كان قد اعتقلهم لدى عودتهم من العراق إلى سورية. حينئذٍ، تساءلنا متفاجئين في قسمنا بجهازنا الأمني: لماذا يقوم بالإفراج عنهم؟ في حينها، لم أتحدث شخصياً مع أي من هؤلاء المعتقلين، لكنهم أُحضروا إلى المقر العام للشرطة العسكرية. كان يتم جلب من يشملهم العفو الرئاسي إلى مركزنا، بما أن كل من وزارة الداخلية والأجهزة الأمنية العسكرية يرسلون أوامر إلى الشرطة العسكرية والشرطة المدنية.

كان الموقوفون يصلون إلى مقرنا (الشرطة العسكرية) بحافلات مسيَّجة بقضبان حديدية. كان يتم تجميعهم في الباحة ويتم إبقاؤهم في سجن الشرطة العسكرية لما بين 24 ساعة و48 ساعة، قبل أن يتم إرسالهم ليمثلوا أمام قاضٍ يصدر أمر الإفراج عنهم.

العفو عن مقاتلي العراق

كان عناصر الشرطة المولجين بمراقبتهم يتبادلون الأحاديث في ما بينهم. كانوا يتساءلون عن كيف بإمكان النظام الإفراج عن أشخاص حاربوا في العراق. لم يكن هؤلاء يفهمون السبب.
طيلة عامين نسختُ خلالهما الوثائق (الصور)، خفتُ على حياة أفراد عائلتي وعلى حياتي الشخصية. لكنني كنتُ قد سلكتُ طريقاً ولم أكن قادراً أن أعود أدراجي وأن أتراجع. كان عليّ أن أنهي ما بدأتُه. كنتُ على ثقة بأنني سأتوقف يوماً ما عن أداء هذا العمل، لكنني لم أكن أعرف متى بالتحديد. كنتُ أؤجّل هذا الموعد. لكن كان على الأمور أن تسير قدماً، وكان عليّ أن أغادر.

في أحد الأيام، شعرتُ أنني أصبحتُ في خطر متزايد. كان الخطر سبباً في جعلي مصمماً على اتخاذ قرار الخروج إلى المنفى. كان الأمر قاسياً. كنتُ قلقاً. لكن كنا قد خسرنا منزلنا وأعمالنا، وكنا نعيش منذ أشهر في شقة أعارنا إياها أحد معارفنا.

لم يخطر على بالي يوماً أنني سأكون مضطراً إلى مغادرة بلدي. قبل الثورة، كنا نعيش حياة متواضعة، بسيطة، لا نضرب حسابات لليوم التالي، من دون طموحات كبيرة. لم نزر يوماً المناطق الجميلة في سورية. لم يكن لدينا لا الوقت ولا المال لفعل ذلك. لم أكن قد ذهبتُ إلى السينما سوى مرتين في حياتي. لم أكن قد سافرتُ يوماً خارج البلد. لم يكن لديّ جواز سفر أساساً، بما أن المجندين خلال فترة خدمتهم العسكرية كما الجنود وعناصر أجهزة الاستخبارات، لا يسمح لهم بالسفر.

اقرأ أيضاً: أسيرات القهر في رحلة العذاب

عاش جيل أهلي تحت سلطة حافظ الأسد، وتلاه ابنه. لا شيء يمس الحياة اليومية يمكن أن يحصل من دون موافقة الأجهزة الأمنية: الزواج والطلاق والسفر إلى الخارج، حتى اختيار اسم العلم للطفل، كل ذلك كان يتطلب موافقات أمنية. اعتاد السوريون على الحياة في هذا الظلم. صار قوتهم اليومي. كنا نعاني. عندما يتراكم الألم، يتعلّم الإنسان التعايش معه.

اللحظة الحاسمة للخروج

في صباح أحد الأيام، كنتُ في المكتب، وقررت أن أبيت ليلتي هناك لأن عددَنا لم يكن كبيراً، ولم يكن مسموحاً لنا بالذهاب إلى منازلنا. كانت لديّ مهمة لتأديتها خارج دمشق وضاحيتها. في لحظتها، قررتُ الخروج وعدم العودة. عندما وضعتُ قدمي خارج مبنى عملي في الشرطة العسكرية، كنتُ حزيناً وسعيداً في آن واحد. حزين لمغادرة الأصدقاء الذين عملتُ معهم لفترة طويلة، وللذهاب نحو المجهول. لكنني كنتُ سعيداً للتخلّص من هذا الضغط اليومي القاضي بتصوير الأجساد وما يرافق ذلك من تعريضي للتوقيف. لم نكن نعرف أبداً ماذا يخبئ لنا غدنا.

مع اجتيازي بوابة المجمع العسكري، لم أفكر بأهلي. لم أفكر سوى بأن أكون بأمان: كيف أجتاز الحدود بسلامة؟ تملّكني خوف كبير. شعرتُ باطمئنان نسبي بسبب المهمة العسكرية التي من المفترض أن أنجزها والتي تسمح لي بأن أعبر بحرية نسبية الحواجز في دمشق وضواحيها.

كان لدي موعد مع عضو في المعارضة عند محطة حافلات. كانوا قد وصفوا لي الشخص المذكور وكان بدوره يعرف شكلي. كان لدى كل منّا رقم هاتف الآخر في حال احتجنا للتواصل، على الرغم من أن هاتفي كان مراقباً. كان ذلك اللقاء يحمل المخاطر. كنتُ أخشى أن يخونني ذلك الشخص وكان بدوره يخاف أن أكون جاسوساً عند النظام. لحسن الحظ، كنتُ أعرف المكان، وهذا ما طمأنني. تعرفنا إلى بعضنا البعض، من دون الإكثار من الكلام، صعدنا في سيارته وانطلقنا.

فاجأني هذا الشخص لكونه كان يعرف الكثير من الناس. لقد عبرنا عدداً من الحواجز حتى من دون أن يُطلب منّا إظهار بطاقاتنا الشخصية. ثم سلكنا طريقاً فرعية يملأها الحصى وقلما تسلكها السيارات للخروج من دمشق. وبعد اجتيازنا حوالي 50 كيلومتراً، سلّمني هذا الشخص لرجل آخر الذي سلمني بدوره لثالث لم أكن أعرفه نهائياً. كان يتم تسليمي إلى شخص مختلف كلما كنا نجتاز نحو 50 كيلومتراً. هذه هي الطريقة الوحيدة التي تسمح لك بالتجول في سورية اليوم. عليك مرافقة أشخاص يعرفون مناطقهم جيداً، طرقاتها ودروبها غير المراقبة لتفادي الحواجز. لكن الدقائق التي تتخلل تبديل السيارة والسائق كانت فعلاً مثيرة للقلق لدي. كنتُ أتساءل: هل سيخونني هذا؟ هل أنا بأيدٍ أمينة؟

ثم وصلتُ إلى الحدود الجنوبية. مكثتُ هناك لفترة من الوقت في منزل أحد الأشخاص الموثوق بهم، في منزله العائلي، مع أولاده وزوجته. كانت الزوجة تعرف أنني منشق لكن لم تكن تدرك ما كانت وظيفتي بالتحديد. كانت تلك المنطقة الحدودية المعروفة باحتضانها المنشقين، محاصرة من قوات النظام.

كان عليّ انتظار اللحظة المناسبة لاجتياز الحدود بشكل غير شرعي. بعد بضعة أيام، بدأتُ أملّ من المكوث في المنزل. خرجتُ وشاهدتُ جمعيات تساعد المدنيين وتوزع عليهم المواد الغذائية من طحين وحليب. كانت تلك المساعدات مصدرها دول عربية وغربية. في أحد الأيام، ولحظة توزيع المساعدات، سقط صاروخ على بعد 20 متراً من تواجدنا. فكرت أن ذلك لم يكن بالصدفة، وأن الجيش يملك مخبرين من دون شك في المنطقة!

العيش وأنت جائع

مع مرور الأيام، صارت العائلة التي أمكث عندها تعاملني كجزء منها. لكنني كنتُ أشعر بأنني أشكل ثقلاً عليهم. كان أفراد العائلة عديدون، وكانت المواد الغذائية نادرة. كانت الجدة تحضّر بنفسها الخبز لأن المخبز في البلدة سبق أن دمّره النظام.

عندها، فهمتُ ماذا يعني أن تعيش وأنتَ جائع في منطقة محاصرة. في دمشق، في منطقة سيطرة النظام، كان لدينا خبز وما نشتريه لنأكله. لم نكن ندرك فعلاً في دمشق أن جزءاً من الشعب السوري يعاني من الجوع. فحيث مكثتُ في المنطقة الحدودية، كان الناس يقفون في الصف لساعات من أجل الحصول على كيس صغير من المواد الغذائية. لم أتصوّر يوماً أنني سأعيش هذه اللحظات.

كنتُ أخرج أحياناً خلال النهار إلى الحدائق المجاورة. كانت لا تزال هناك محاصيل زراعية. كنتُ أقطف العنب. كان سكان تلك المنطقة أسخياء. لم يكن من المستحسن أن أبتعد كثيراً عن المنزل. في مساء أحد الأيام، عاد رب المنزل إلى البيت ولم يجدني هناك وغضب مني عندما عدتُ. كان يخشى أن أكون قد وقعتُ في قبضة مخبري النظام أو المجموعات المسلحة المتطرفة.

اجتزتُ الحدود مختبئاً في سيارة. عندما دخلتُ إلى البلد الحدودي، وجدتُ العديد من أفراد عائلتي في انتظاري. كنتُ سعيداً بلقائهم بأمان. لكن هذا البلد كان يعجّ بالعملاء ولم نكن مطمئنين. هناك، كان العديد من المنشقين قد تمت تصفيتهم. كنا نتوخّى عدم مخالطة الكثير من السوريين اللاجئين بكثرة إلى هذا البلد. مكثنا هناك لأشهر عدة، قبل أن نلجأ إلى أوروبا.

سامي وأبو خالد

لا يستطيع قيصر سرد كيف تمت حمايته. في مطلع العام 2013، كان ثوار من الجيش السوري الحر يراقبونه بسرية. من دون أن يعلم، وطيلة أشهر، كانوا يتعقبون كل تحركاته عن بُعد. كان المسؤول عن هؤلاء، أبو خالد، رجل قصير القامة، مقلّ في الكلام، من منطقة القلمون. أضاع أبو خالد ورجاله، لمرتين، المخبرين، قبل أن يُخرجوا الأدلة الجرمية التي جمعوها في المستشفيات العسكرية بالمزة وتشرين.

كان قد مر عامان على الثورة وعلى سقوط سورية في الحرب. صارت خارطة سورية مقطعة إلى أجزاء: بقع خاضعة للنظام، وبقع أخرى تمسك المعارضة بزمامها وتحاول إرساء إدارة جديدة فيها مثلما كان حاصلاً في الشمال، قرب الحدود التركية. كانت بعض خطوط الجبهات تستقر لفترة، وتتحرك أخرى. كان قد صار مستحيلاً التنقل بين منطقة وأخرى عبر الطرقات الرئيسية. كان لزاماً معرفة أين تُنصب حواجز الطرف المعادي، والتأكد من الطرقات والدروب التي تسمح بتفادي الحواجز، مع ما يفرضه هذا لناحية سلوك طرقات طويلة تتطلب ساعات وأحياناً أياماً.

دخل تنظيم “داعش” إلى الساحة السورية وهمّه محاربة المعارضة أكثر من قتال النظام، وصار إخراج قيصر من البلد أمراً طارئاً. صار قيصر واقعاً أكثر وأكثر بين نارين، واقعاً ضحية الشعور بالذنب لمشاركته، رغماً عنه، بمجازر النظام. أراد التوقف عن مواصلة مهنته مراراً، لكن كل مرة كان هناك من يقنعه بالاستمرار لأنه وحده كان قادراً على جمع الأدلة من داخل النظام. كان صديقه سامي على اتصال مع ناشط من المعارضة “المعتدلة” والسلمية يقوم بإرسال الصور المسربة، عبر البريد الإلكتروني المشفّر إلى الخارج. تم جمع الآلاف من هذه الصور بهذه الطريقة عبر قيصر وإرسالها إلى الخارج. هل كان على قيصر مواصلة عمله هذا، تحت خطر أن يفتضح أمره، في حين أنه الشاهد الرئيسي على آلة الموت التي يديرها بشار الأسد؟

في يوميات الحرب واستمرار عملية قيصر، لم تكن حساسية هذا الملف ظاهرة بالضرورة. من أجل إدراك حساسية الملف، كان يجب الإمعان في النظر إلى تلك الصور، واستعراضها ببطء. الإمعان في النظر إلى تلك الضحكة على هذه الوجوه اليافعة، لاستيعاب أنها وجوه جنود من النظام السوري، يضعون قفازات الأطباء الجراحين في أياديهم. سوريون يستعرضون وهم يجلسون القرفصاء أمام الكاميرا، سعداء أمام جثث سوريين آخرين. كان يجب التوقف أمام الصورة، بفزع، صورة جثة جارٍ أو قريب.

يعرف سامي هذه المعاناة ويعرف فعاليتها. قرر إرسال الصورة التي وجدها على القرص الصلب في حاسوب أحد أصدقائه وهو طبيب مسجون من قبل النظام، لأبو خالد. في الحرب السورية، تتم ملاحقة كل من يعمل في المجال الطبي. فهم يعتنون بالجرحى أياً كانوا ـ متظاهرين سلميين أم ثوار مسلحين أو سكان حي تسيطر عليه المعارضة أو حتى مليشيا تابعة للنظام ـ ويعتبرهم النظام “إرهابيين”.

منذ الأشهر الأولى للثورة، لم تعد المستشفيات العامة آمنة. كانوا يبترون من دون سبب طبي أيدي الناشطين، أو يتركون متظاهرين مصابين بجروج طفيفة يموتون. من أجل معالجة المدنيين، بدأ الأطباء بالعمل في السر، في المطابخ والأقبية والغرف الصغيرة التي لا تنطبق عليها معايير النظافة ومع نقص في كل ما يحتاجونه من مخدّر ومطهّر وغيرها من الأدوات الطبية…

وبشكل مشابه للناشطين والثوار، اتخذ الكثير من العاملين في المستشفيات أسماء وهمية، لتجنب الكشف عن هويتهم وحماية عائلاتهم. في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة، تم استهداف المستشفيات بشكل مقصود عن طريق قذائف وصواريخ النظام. أن يكون المرء طبيباً أو ممرضاً أو مساعداً طبيّاً، يوازي اليوم خطر حمل كلاشينكوف على جبهة القتال.

كان سامي يعرف إذاً ما يفعله حين أرسل صورة جسد ذاك الطبيب لأبو خالد. تم توقيف الرجل على حاجز تابع للجيش النظامي حين كان في طريقه لمقابلة قائد الجيش السوري الحر. تعذّب حتى الموت: تورّم وجهه، وتخلخلت عظامه ووصلت صورته وفق القنوات الرسمية إلى أرشيف الشرطة العسكرية. ومن ثم عن طريق قيصر على قرص صلب من قبل سامي. وأخيراً على الحاسوب الخاص بأبي خالد. وهنا كانت الصدمة.

في اليوم التالي، سلك سامي طريق المزرعة العائلية لأبي خالد، التي تقع في مرتفعات القلمون والمعزولة في الجبل، والتي تطل على بضعة تلال هي دفاع طبيعي ضد المعتدين. هناك تحدث الرجلان مطولاً. قال أبو خالد “علينا مساعدة قيصر على الانشقاق، وعليه أن يخرج حياً من البلاد، وأن تصل صوره للعالم أجمع”.

نظّم أبو خالد هروب البطل المجهول. اجتاز قيصر الحدود وهو يختبئ داخل سيارة. عشرات الملايين من الملفات سجلت على قرصين صلبين، واحد مع نسخ الصور أرسل عبر البريد الإلكتروني بنوعية منخفضة الجودة إلى الخارج، والآخر مع الصور الأصلية بنوعية عالية الجودة بقي في سورية. سيقوم أبو خالد لاحقاً باجتياز الجبال على الحدود اللبنانية بشكل سري لتهريب القرص الصلب وتسليمه لسامي في بيروت.

الكشف اقترب وزمن العدالة يأتي بعده.

 

تكتمل مأساة شهادة قيصر، المصوّر المنشق عن جهاز الشرطة العسكرية التابعة للنظام السوري، في الفصل السابع من كتاب “عملية قيصر”، إذ يروي فيه قصص تعرف العائلات إلى جثث ضحايا تعذيب النظام مقابل رشاوى لضباط الأجهزة الأمنية. أما تفاصيل مجزرة داريا الشهيرة، فلها جزء كبير من الفصل. شهادة قرر القضاء الفرنسي أخيراً اعتمادها كدليل جرمي لمحاكمة نظام بشار الأسد بتهمة ارتكاب جرائم حرب.
مع عائلات المفقودين

“حدث أن ساعدتُ أمهاتٍ كنّ يبحثن عن أبنائهنّ. إن طلبن ذلك، فلأنهنّ جرّبن كل شيء. قمن باتصالاتٍ لم تسفر عن شيء أو دفعن المال هباءً. في بلادنا، لطالما دفع السوريون المال لقاء الحصول على معلوماتٍ عن أقربائهم المحتجزين. بعد الثورة، أخذ الفساد حجماً آخر. في صفوف الجيش وجهاز المخابرات، انهارت السلطة، وباتت الأوامر تحترم بشكلٍ أقل، وتفككت، نوعاً ما، أركان النظام. أصبحت هذه المافيا أشبه بالغاب. وقد رأى الكثيرون في ذلك فرصة لجني المزيد من المال عبر بيع المعلومات، وإن كانت خاطئة. أقل سؤال يُطرح على أحد أعضاء النظام يُشرى، وأقل جوابٍ أيضاً.

قبل الحرب، إن دفعت المال وخُدعت، كان بإمكانك أن تتقدّم بشكوى. أما اليوم فذلك مستحيل. عندما يسعى أبٌ إلى معرفة مكان ابنه الموقوف الذي لم يصله عنه أي خبر منذ أشهر، يحاول مقابلة أحد الضباط، أو أحد العملاء في جهاز المخابرات، أو محامٍ مقرّب من النظام. إن ابتزوه بالمال واعدين بإخراجه ولم يفوا بوعدهم أو كذبوا عليه لأنّ ابنه توفي، ماذا بوسع الأب أن يفعل؟ أن يعترض لدى السلطة؟ سيردون عليه: “تبحث عن معلوماتٍ تتعلق بإرهابي؟ إذاً أنت أيضاً إرهابي. ربيت ابنك ليكون إرهابياً. عليك أنت بدورك أن تذهب إلى السجن!” يتستّر العملاء بعضهم على البعض الآخر.

بالتالي كانت الأمهات يسعين إلى الحصول على معلوماتٍ بواسطتي. وبما أنني لم أكن أحد المسؤولين الكبار، كانت صلاحياتي أقل من الآخرين. وإن لجأن إليّ فذلك لأنهن يائسات. عندما كن يتصلن بي على هاتفي الخلوي، كن يعرضنني للخطر لأنه مراقب. بالتالي كنت أعاود الاتصال بهن من أحد الهواتف العمومية غير المراقبة. بفضل بعض الأصدقاء، كنت أستطيع الحصول على معلومات. عند الخروج من المعتقلات، كان المعتقلون يمرون بالشرطة العسكرية قبل الذهاب إلى السجن. لكنني لم أكن أعرف ماذا يحصل في المعتقلات. كانت مساعدة هذه العائلات تجعلني أشعر بأنني أفضل حالاً. يمكن أن يرتاح ضميري حتى إن كنت ما زلت أعمل لدى النظام، لصالح بشّار الأسد.

 

عندما يبحث شخصٌ عن معلوماتٍ عن قريبٍ موقوف على يد المخابرات العسكرية، على سبيل المثال، يقصد نظرياً القضاء العسكري. إن كان السجين متوفيا، يُطلب منه أن يذهب إلى مستشفى تشرين حيث يُحفَظ أرشيف الأطباء الشرعيين للاستحصال على وثيقة وفاة. وإن كان هذا القريب في السجن، يُحال إلى الشرطة العسكرية للحصول على إذنٍ بالزيارة. أما إن كان في معتقل تابع لأحد فروع المخابرات، في هذه الحال تُدفن المسألة من خلال التأكيد على عدم توافر أي معلوماتٍ عنه. من هنا أهمية المعارف والمال.

خلال السنتين اللتين صورتُ فيهما جثث السجناء، قصدت عشرات العائلات قسمنا مباشرة. من خلال رقم السجين نفسه أو رقم التقرير الطبي، يمكننا العثور على صورته في أرشيفنا. لكن إن لم يكن لدينا أحد هذين الرقمين، ذلك مستحيل لأننا لا نضع في الأرشيف هذه الصور مع أسماء الأشخاص المتوفين.

 

في أحد الأيام، جاء رجلٌ يبحث عن صورة شقيقه. كان برفقته محقق من الشرطة العسكرية ورئيس قسمنا. كان قد حصل على رقم السجين الخاص بشقيقه. كان من الاستثنائي أن يأتي أحدٌ إلى هنا ومعه هذه المعلومات كلها. وجدنا الجثة التي تحمل هذا الرقم ورآها. تعرّف إلى أخيه من خلال وشمه وسنٍّ ذهبية. كان رب أسرة من ولدين. مصدوماً وهو يغادر، ناول الرجل المحقق المال. غير أنّ هذا الأخير رفضه أمامي، لكنني واثقٌ أنّه استعاده في ما بعد.

في يومٍ آخر، جاءت امرأتان إلى القسم، وكما الحال دائماً برفقة محقق ورئيس قسم المعلوماتية. كانتا تبحثان عن زوج الأولى وهو شقيق الأخرى. كانتا في الثلاثين أو الخامسة والثلاثين تقريباً. كان بحوزتهما ورقة موقعة من جهاز المخابرات مع رقم الطبيب الشرعي. وبفضل هذا الرقم تمكنت من معرفة اليوم الذي التقطت فيه صورة هذا الرجل. كان من السهل إيجادها لأنّ الصور مرتبة وفق هذا الرقم وبحسب التاريخ. لم يكن هناك بالتالي إلا ثلاثون أو أربعون صورة للاطلاع عليها في ملف هذا اليوم.

 

عندما رأتا الصورة، بدأتا بالصراخ، وخدش وجهيهما، وحلش شعرهما. كان ذلك قاسياً جداً؛ إذ إنني لم أكن أستطيع أن أقول شيئاً، أو أظهر أنني أتفهم ألمهما. وهما كلتاهما ما كانتا تستطيعان إهانة النظام الذي قتل هذا الزوج والأخ. كانتا ستتعرضان للتوقيف بدورهما. أغمي على واحدة منهما فذهب أحد العملاء لإحضار ماء الكولونيا لإعادتها إلى وعيها. أذكر ذلك جيداً، كانت السنة الأولى من الثورة لأنّه، في تلك الحقبة، كان الجنود ما زالوا يستطيعون شراء ماء الكولونيا. في ما بعد، أصبح ثمنها باهظاً جداً بسبب الحرب.

وفي مرة أخرى أيضاً، اتّصل أعضاء في النظام بعائلة صبي معتقل. وعدوها بإخراجه مقابل نصف مليون ليرة سورية (ما يعادل 3300 يورو تقريباً في تلك الفترة). كان والد الصبي يعرف أحداً في صفوف الشرطة العسكرية. وقد قال له هذا العميل إنّ ابنه قد توفي حتماً وينبغي ألا يدفع هذا المبلغ. لم يشأ الوالد تصديقه وكان مستعداً لدفع المبلغ.

جاء هذا العميل ليراني وبحثنا. كنا نعرف التاريخ التقريبي لوفاته. بحثنا في الصور ووجدناها. عندما رأينا الجثة، فهمنا أنّه توفي بعد اعتقاله مباشرة. صوّر العميل إحدى صور ملف الصبي بهاتفه الخلوي، صورة الجزء السفلي من الجثة التي يمكن التعرف إليها لأنه يرتدي سروالاً رسمت عليه رقعة شطرنج. لم أشأ أن ينسخ الصور الأخرى، وبخاصة صورة الوجه. كنت خائفاً جداً من أن يذهب الأهل ويتقدموا بشكوى لدى قوى الأمن التي كانت تسعى إلى ابتزاز المال في حين أنّ الشاب متوفٍ. أقسم لي العميل أنّه سيمحو الصورة عن هاتفه لئلا نتعرض للتوقيف، أنا وهو.

 

في سورية، عندما يلقى القبض على شخصٍ ما، يتعرض للتعذيب، ويمكن أن يعطي معلوماتٍ، صحيحة أو خاطئة، ويرسل عشرة أشخاص آخرين إلى السجن. سواء كانوا أم لم يكونوا على علاقة بالقضية”.

 

المال لقاء المعلومات

عندما توفي خالد، كانت جثته مدموغة على الجبين برقمٍ واسم: “9077” و”جويّة” (“جهاز المخابرات الجوية”). وقد أعطى الطبيب الشرعي الرقم 3217 لتقريره الطبي. على الصورة، لا يظهر خالد أي إشارة جلية لتعرضه للتعذيب، ويمكن التعرّف إلى وجهه، على الرغم من حرقٍ في إحدى عينيه ولحية عمرها حوالى العشرة أيام. الدليل الوحيد: إحدى قدميه حمراء. يرتدي خالد دائماً الجزأين العلوي والسفلي من بيجامته اللذين يبقيهما تحت ثيابه. كان الطقس بارداً في 2 يناير/كانون الثاني 2013 صباحاً عندما أوقفته في الشارع دورية المخابرات الجوية. كانت المرة الثانية التي يعتقل فيها.

كان ربّ الأسرة هذا الذي يبلغ الثانية والأربعين من العمر رئيس ورشة في داريا، مدينة متوسطة في ضاحية دمشق. على مسافة عشرة كيلومترات في الجنوب الغربي من وسط العاصمة، وعلى مقربة من مطار المزة العسكري، كانت هذه البلدة التي تضم 250 ألف شخص في طليعة الحركة السلمية. فمنذ الأيام الأولى من ربيع عام 2011، قام شباب داريا بمسيرة صامتة للمطالبة بتحرير سجناء الرأي. وقد نادى بعضهم: “سلمية، سلمية!” فيما قدّم آخرون الزهور والماء إلى جنود النظام.

تم اعتقال خالد للمرة الأولى في مكتبه في آذار/مارس عام 2012. بعد وقتٍ قصير، نشر معتقل حرره جهاز المخابرات لائحة بأسماء زملائه في الزنزانة على صفحة من موقع “فيسبوك” الإلكتروني مخصصة لداريا. وذلك كي يتمكن من إبلاغ العائلات، والأصدقاء، والمقربين في أقرب وقتٍ ممكن.

 

لدى خروج معتقل داريا، دوّن اسم خالد على شبكات التواصل الاجتماعي. فسأله أحمد، الشقيق: “هل أنت واثق من أنّه كان هو؟”. أجل كان خالد. ثم وضعه صديق آخر على اتصال بأحد عملاء النظام الذي، لقاء 400 ألف ليرة سورية (4000 يورو في تلك الفترة)، سجّل خلسة صوت خالد لتسمعه عائلته. وأكّد أحمد: “تعرّفت إليه على الفور”. وبعد خمسة أشهر، أطلق سراح رئيس الورشة. كانت عودة إلى واقعٍ أليم وعنيف.

تفاصيل مجزرة داريا

بعد بضعة أسابيع، خضعت داريا السلمية لأحد أبشع مجازر الحرب. فقد تم إعدام 700 شخص في إطار حملة عقابية على المدينة، في 25 و26 أغسطس/آب 2012. وألقي القبض على الإمام المحلي الذي كان يدعو إلى اللاعنف. وغيّاث مطر، شاب في السادسة والعشرين من العمر كان يقدّم الورود إلى الجنود، تعرّض للتعذيب حتى الموت وأعيدت جثته إلى عائلته. بيد أنّ داريا التي لا يمكن إخضاعها أصرت على المطالبة بالديمقراطية. وفي 20 أغسطس/آب، حشد الجيش قواته حول المدينة، وسدّ المداخل والمخارج، قبل أن يقصف الضواحي. قُطعت الاتصالات. تسلل الشبيحة، ومشّطوا الأحياء، وارتكبوا مجازر في المساجد، وأعدموا الناس الذين تجرأوا على الخروج إلى الشوارع، وذبحوا عائلاتٍ بأكملها في بيت الدرج.

في اليوم التالي، كانت الشوارع مغطاة بجثث الضحايا. رجال، ونساء، وأولاد، ومسنون. على قناة “الدنيا” التلفزيونية التابعة للدولة، يتحدث المذيع عن مجزرة ارتكبها “الإرهابيون”، ويؤكّد أنّ الجيش نظّف المدينة من “العصابات المسلّحة”، ثم يعرض تقرير الصحافية التي أرسلت إلى الميدان. واضعة نظارة شمسية في شعرها، ومرتدية قميصاً أزرق سماوياً يتلاءم مع سترتها الواقية، وكتفاها عاريتان، كانت هذه الجميلة تحدّث المشاهد: “كما يمكنكم أن تروا أعزائي المشاهدين، الضحايا في كل مكان. لا أعرف إن كانت الكلمات كافية… هاكم، هناك أيضاً امرأة على قيد الحياة، سنتحدث معها ونسمعها…”.

 

تقريرٌ فظيع ودنيء. تتجاوز الصحافية الجثث وتمد الميكروفون إلى امرأة عجوز مصابة، ممددة في المقبرة. فقدت زوجها، وابنتها، وابنيها. تتابع المراسلة طريقها لإجراء مقابلة مع فتاة صغيرة في الثالثة من العمر، جالسة في شاحنة صغيرة، مسمّرة بالقرب من جثة والدتها. مع التعزيزات الموسيقية الكبيرة التي ترافق أفلام الحركة، وإبطاء المقاطع ثم تسريعها، تتبع الجنود الذين يفتحون النار في إطار “مهمة تطهير ما تبقى من الإرهابيين”. في صفوف الجنود، يؤكّد الشهود الرواية الرسمية.

 

خلال الهجوم، تم توقيف أحمد جلال، عم خالد لجهة والده، وهو إمام محترم يدعو إلى اللاعنف. وقد فرّ باقي أفراد الأسرة من المدينة للاستقرار على مسافة بضعة كيلومترات أخرى شمالاً، في حي المزة في دمشق. ثلاثة من الأشقاء الستة، وزوجاتهم، وأولادهم يسكنون معاً منزلاً كبيراً من سبع غرف. في 2 يناير/كانون الثاني 2013، عندما لم يعد خالد مع المشتريات، فهم شقيقه أحمد الوضع. وقد أكّد بائع السجائر أنّ مخبراً قد وشى به للمخابرات، وقد جاءت دورية تابعة للمخابرات الجوية لاعتقاله.

اتصل أحمد مجدداً بوسيط. ضابط متقاعد هذه المرة. في المقهى حيث التقاه، يمرر له مغلفاً يحتوي على 1500 دولار. ووعده الآخر: “أمهلني بعض الوقت، سأرى ما يمكنني فعله”. التقاه أحمد بعد أسبوع في المكان نفسه. “شقيقك بخير. طلبنا من حراس السجن ألا يضربوه. إن أردت إخراجه، يطلب رئيس الفرع 1500 دولار”. فجمع الرجل جزءًا آخر من مدّخراته، وباع سواراً ذهبياً لزوجته. وبعد بضعة أسابيع، التقى مجدداً بالضابط المتقاعد. “أعددنا تقريراً لئلا يُحاكم كإرهابي”. مر شهر ونصف. “صبراً” رد عليه هذا العسكري السابق. وفي المرة التالية أكّد له: “إنّه بخير. لن يؤذيه أحد. سيطلق سراحه أثناء عفو”.

في الواقع، توفي خالد منذ زمنٍ طويل. بعد أقل من أسبوعين على اعتقاله، بحسب الصورة التي التقطها قيصر أو أحد زملائه. لكن العائلة ظلت تحتفظ بالأمل لوقتٍ طويل. “ماذا كان بوسعنا أن نفعل غير ذلك؟”، يأسف اليوم أحمد، وهو لاجئ في تركيا مع عائلته.

قبل سنة، أتاح المال تحرير منصر، الشقيق الأصغر سناً. محكوماً بخمسة عشر عاماً في السجن بتهمة الإرهاب، ومسجوناً في سجن صيدنايا، أتاح المال رشوة قاضٍ حرره. وقد استفاد أحد أعمامه أيضاً من ترتيب مماثل. بعد ثلاثة أشهر من الاعتقال، تم نقل هذا الرجل المسن إلى سجن عدرا المدني ثم أطلق سراحه. ليس اليوم بكامل عقله، ولا يستطيع أن يرى بشكلٍ جيد، ولا يسمع إلا بأذنٍ واحدة. ترك مروره بمشفى المزة (601)، حيث كان مقيّداً بالسلاسل إلى السرير، مع ذراعٍ مخلوعة وعانى هلوسات، آثاراً عليه. ويوضح أحمد: “العملية أسهل عندما يكون أقاربنا في السجن. يستطيع المحامي أن يعنى بإيصال المال إلى الشخص المعني. بيد أنّها أكثر غموضاً، ولا يمكن التكهن بنتائجها عندما يكون السجناء محتجزين في مراكز الاعتقال. لا نعرف أبداً أين يذهب مالنا، ومن هم الوسطاء النافذون”.

المقابر الجماعية

لم يُطلق سراح الشيخ أحمد جلال، العم الإمام الذي ألقي القبض عليه خلال مجزرة داريا. وتوفي بعد خمسة أشهر من اعتقاله. وجِدَت صورته بين صور قيصر المنشورة على شبكة الإنترنت. يحمل هذا الرجل الرقم 3026 وعبارة “جويّة”. في 1 نوفمبر/تشرين الثاني 2012، وضع الطبيب الشرعي ملفه في الأرشيف تحت الرقم 2409. وكما الحال معه، رميت جثة خالد تحت سقيفة مشفى المزة (601). تم توثيق وفاته في التقرير الطبي الذي يحمل الرقم 3217 في يناير/كانون الثاني 2013. في هذا التاريخ، التجأت عائلته بكاملها إلى هذا الحي السكني بعد مجزرة داريا. كانوا يسكنون على مسافة تقل عن خمسمائة متر من المشفى.
كانت جثة خالد هنا، تبعد بضع دقائق سيراً على الأقدام عن المنزل-المأوى، قبل أن ترمى في مقبرة. لكن كما هي الحال بالنسبة إلى آلاف المدنيين الذين قتلوا في المعتقلات، صدر أمر بشأن “دفن” خالد وحفظ في الأرشيف كمتوفٍّ “إثر توقف قلبه وجهازه التنفسي”.

أين دُفن خالد؟ في “مقبرة الشهداء” في نجها؟ في “مقبرة المدينة الجنوبية”، أو مقبرة البحدلية؟ تقع المقبرتان في ضاحية دمشق الجنوبية، ويشتبه بأنهما تحتويان على مقابر جماعية. بالتعاون مع هيومن رايتس ووتش والمنظمة السورية لحقوق الإنسان، نشر مركز توثيق الانتهاكات في سورية في تقريره عن شهر سبتمبر/أيلول 2013، عن الفرع 215 من المخابرات العسكرية، شهادات وصورا اتهامية التقطت بالقمر الاصطناعي: وصول الشاحنات المبردة، وأعمال طمر بواسطة الجرافات، وآثار كوم من الرمل والكلس، مما يسمح بتحلل الجثث…

 

 

 

 



تنويه : ماينشر على صفحة وثائق وبيانات تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع