أخبار عاجلة
الرئيسية » شؤون عربية » التصعيد الإيراني ضد السعودية: أكبر من إعادة جثامين منى

التصعيد الإيراني ضد السعودية: أكبر من إعادة جثامين منى

تشير تداعيات حادثة وفاة الحجاج، إثر التدافع في مشعر منى، إلى أنّ العلاقات السعودية ــ الإيرانية لن يتم لملمتها بلقاء عابر لوزيريْ الصحة في البلدين، ومناقشتهما لآليات نقل جثامين الحجاج الإيرانيين، فضلاً عن حديث وزير الصحة الإيراني حسن هاشمي، في لقاء جدة، أمس الخميس، عن “الرضا بالقضاء والقدر”، وامتداحه التعاطي السعودي الإيجابي مع الحج والمصابين الإيرانيين.

لن تتجاوز هذه اللقاءات حقيقتين؛ أنّها لقاءات دبلوماسية عابرة لمسؤولي قطاعات أقل التصاقاً بالسياسة أي وزراء الصحة، بالإضافة إلى أن اللقاءات لنقاش مسائل تقنية، (نقل جثامين الإيرانيين)، وهي مسألة تم تصعيدها وإثارتها من الطرف الإيراني فقط. ولم يصدر عن الرياض، حتى اللحظة، أي تصريح بأنّها لن تسلّم جثامين الضحايا لأي بلد، في الوقت الذي توعّد فيه المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، علي خامنئي، برد “قاس وعنيف” في حال عدم تسليمهم. كما أن معظم الدول أظهرت تفهّماً عامّاً للموقف السعودي، وجاءت تصريحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في هذا الإطار، عندما أكّد أن “السعودية لا تُلام على حادثة التدافع في منى”.

ويأتي كمّ التصريحات ضد السعودية، من أعلى الهرم في السلطة الإيرانية، أي المرشد الأعلى، حتى الرئيس الإيراني السابق أكبر هامشي رفسنجاني، مروراً بخطيب طهران، محمد علي موحدي كرماني، لتؤكّد أنّ الأمر أعمق بكثير من خلاف حول نقل جثامين الضحايا، أو تأخر في كشف التحقيقات السعودية حول حادثة التدافع، أو الأسى تجاه ضحايا سقوط الرافعة في الحرم، قبيل انطلاق موسم الحج لهذا العام، أو انتقاد إدارتها السنوية للحج.

وتعتبر مطالبة خامنئي بإشراك إيران ودول إسلامية أخرى في التحقيقات حول حادثة منى، مساساً بخط أحمر سعودي بامتياز. فقد رفضت الرياض إشراك واشنطن في تحقيقات انفجار الخُبَر منتصف التسعينات، على الرغم من سقوط ضحايا أميركيين، معتبرة أنّها “مسألة سيادة السعودية”. وتكتسب حادثة الحج تعقيداً إضافياً، وانتهاكاً لسيادتها في هذا الإطار، باعتبار أنّ المطالبة بالمشاركة في التحقيقات، هي طعن مباشر في الإدارة السعودية للحج، والتي تعدها السعودية مسألة غير قابلة للمساس أو الانتقاص.

ويضيف مقتل 464 حاجاً إيرانياً، بينهم دبلوماسيون وشخصيات استخباراتية مهمة، مثل سفير إيران السابق في لبنان، غضنفر ركن أبادي، ورئيس دائرة المراسم في الخارجية الإيرانية، أحمد فهيما، حطباً جديداً على النار المشتعلة بين السعودية وإيران في المنطقة. تأججت تلك النيران، على هامش تدخل السعودية المباشر في البحرين عام 2011، ثم تدخلها ضد الحوثيين في اليمن، توازياً مع تدخلات إيران في العراق وسورية، وادعاء الأخيرة بأنّ السعودية ترعى الإرهاب والتطرف في المنطقة.

في هذا السياق، يرى الأكاديمي، الصحافي السعودي، خالد الدخيل (ضمن حوار خاص مع العربي الجديد حول الأوضاع السياسية في المنطقة، يُنشر يوم غد السبت)، أنّ التصريحات الإيرانية حول حادثة منى تثير الريبة، وتعطي انطباعاً بأنّ هناك إعداداً مسبقاً لهذه الحملة ضد السعودية، مؤكداً أن سبب استهداف السعودية من الجانب الإيراني، طائفي، “فإيران تعرّف عن نفسها على أساس طائفي، لذا تستهدف السعودية، باعتبارها عقبة أمام انتشار مشروعها الذي يعتمد على الطائفية والمليشيا”.

ويقول الدخيل، إنّ “ردة الفعل الإيرانية طبيعية، لكن ما هو مفاجئ، هو انطلاق حملة مريبة تصاعدت كالأوركسترا، من جميع المسؤولين الإيرانيين، اكتسبت لهجة وأهدافاً واحدة. ويطرح الصحافي سؤالاً، “حدثت مأساة، هذا صحيح، لكن هل تريدون منّا الحديث عن المآسي التي تحدث في العراق؟ أو نتحدث عن المآسي التي حدثت في إيران أثناء انتخابات 2009 والثورة الخضراء، والناس الذين قتلوا والذين اعتقلوا؟”، مشيراً إلى أن إيران، هي آخر من يستطيع المزايدة في هذا الموضوع.

وعن الموقف السعودي، يشير الدخيل إلى أن السعودية تقوم بتحقيق جاد ومكثف، وهي ملتزمة بالصمت حتى ظهور النتائج، مضيفاً أنّ “في الأمر التباسا، وظهرت إشاعات ومعلومات حول وجود مسؤولين إيرانيين في منى أثناء حادثة التدافع، مثل أبادي، إذ قيل بأنه دخل السعودية بجواز سفر مزوّر، مغيّراً اسمه. الواضح بالنسبة لي أن إيران كانت معِدّة للحملة ضد السعودية قبل الحادثة”.

ويعتقد بعض المراقبين، أنّ هذا الكم من التصريحات الإيرانية، ومطالباتها بالاشتراك في التحقيقات، يأتي في سياق الأحاديث المتكرّرة حول مسألة تدويل الحرمين. لكن الدكتور الدخيل، يرى أنّ هذه المسألة لم تطرح بشكل جاد، كما أنّ لا أسس قانونية أو دينية أو تاريخية لها. ويتابع حديثه، “فكرة تدويل الحرمين تطرح دائماً في إطار استفزاز السعودية، وأوّل من تكلم عنها، العقيد المخلوع معمر القذافي. تخيّل أن يأتي البريطانيون والأميركيون ويطالبوا بالاشتراك في إدارة الفاتيكان، هذا الطرح سخيف”.

ويلفت الدخيل إلى أنّ “مكة والمدينة، منذ ما قبل الإسلام بمئات وآلاف السنين، هي جزء من الجزيرة العربية، وبعد الإسلام، بقيت كذلك. لو كان هناك دولة إسلامية واحدة، مثل الإمبراطورية الأموية أو العباسية، يمكن أن تطرح هذه الفكرة، بمعنى عدم تولي أهل الحجاز لإدارة الحرمين وحدهم، لكنه اليوم من دون أسس”.

أمّا قانونياً، فيشير الأكاديمي إلى أنّ “السعودية، وبحسب القانون الدولي، دولة مستقلة ذات سيادة، تشمل مكة والمدينة. أما من الناحية الدينية، فالإسلام كدين حق للجميع، ولا يحق لأحد منع مسلم من أن يتوجه إلى القبلة، أو أداء العمرة أو الحج. أما ما يحدث اليوم، فهو خلط للأمور من خلال طرح فكرة الإدارة المشتركة للحرم”، متسائلاً عن أهداف الإدارة المشتركة، “هل هو تجنب حدوث كوارث في الحج؟”، موضحاً، أنّ “هذه الكوارث تحدث عبر التاريخ”.

 

العربي الجديد