أخبار عاجلة
الرئيسية » ثقافة وفن » “المعبر: رحلتي إلى قلب سورية المحطم” : كتاب وثائقي للمعارضة السورية العلوية سمر يزبك ( اجتمعت على سوريا كل ألوان العذاب)

“المعبر: رحلتي إلى قلب سورية المحطم” : كتاب وثائقي للمعارضة السورية العلوية سمر يزبك ( اجتمعت على سوريا كل ألوان العذاب)

تصف الكاتبة السورية سمر يزبك تنظيم داعش بأنه “الشيطان الأكبر على الإطلاق” و”الاحتلال” الذي تم خلقه نتيجة لوحشية نظام الأسد وفشل المجتمع الدولي في اتخاذ الإجراءات اللازمة لمعاجلة الوضع السوري، فمقاطع الفيديو الهوليوودية الوحشية التي ينشرها داعش احتلت الصفحات الأولى للصحف الغربية، لدرجة تم معها نسيان المجازر البشعة المرتكبة من قِبل النظام، “الإحصاءات الرسمية تشير إلى مقتل حوالي ربع مليون سوري ولكن على أرض الواقع العدد وصل ربما لأكثر من نصف مليون نسمة، جميعهم قتلوا على يد النظام، ولا أحد في العالم بأسره ينشر أو يتحدث عمّا يرتكبه بشار الأسد”، تقول يزبك.

هذه التعليقات وأمثالها أكسبت يزبك سمعة بكونها أحد أشد منتقدي ليس نظام بشار الأسد وحسب، وإنما جميع الفصائل المسلحة المختلفة التي تنحرط اليوم في الصراع السوري، علماً أن معارضة يزبك لحكومة الأسد سابقة على تاريخ 2011 وتضرب بجذورها عميقاً إلى ما قبل اندلاع الثورة، ولكن مشاركتها في الانتفاضة الشعبية أسفرت عن مصيرها الحالي، المنفى في باريس.

عندما انتقلت في بادئ الأمر إلى فرنسا، كانت يزبك تظن بأنها ستقيم هناك لمدة ثلاثة أشهر فقط حتى رحيل الأسد عن السلطة، لتعود بعدئذ إلى ديارها، ولكن بعد أربع سنوات لا يزال الأسد متشبثاً بالسلطة، ولا تزال يزبك في شقتها بباريس.

خلال هذه الفترة، عادت يزبك إلى وطنها ثلاث مرات، عابرة الحدود التركية باتجاه الشمال السوري بعيداً عن مناطق سيطرة قوات الأسد، وفي الداخل السوري التقت بأطفال يانعين نُسفت أطرافهم نتيجة لشظايا القذائف المتفجرة، وتعرفت على مأساة الأطباء الذين يرزحون تحت وطأة نقص الإمدادات الطبية، والعائلات التي تختبئ في حجر المخازن القديمة بمجرد اقتراب صوت القصف من منازلهم، وعمدت حينها إلى نسج خيوط قصص هؤلاء الأشخاص معاً لتؤطرها ضمن كتابها الأخير “المعبر: رحلتي إلى قلب سورية المحطم”، الذي توفر فيه للقارئ صورة عن الحياة على الأرض في البلد الذي أصبح الآن من أكثر بلدان العالم خطورة، ويشكل الكتاب نظرة من الداخل السوري الذي لا يجرؤ سوى حفنة قليلة من الصحفيين على الدخول إليه.

من السهل أن نحصل على انطباع بأن يزبك ضمن كتابها تسرد قصص الآخرين بأريحية أكبر مما تسرد به تجربتها الخاصة ضمن إطار الحرب السورية؛ فيزبك التي ولدت في جبلة منحدرة لعائلة علوية، وهي ذات الطائفة التي ينتمي إليها الأسد، أكسبتها معارضتها للنظام السوري صفة “الخائنة” في بعض الدوائر المقربة لها ضمن أسرتها، كون العلويين وقفوا بشكل تقليدي مع الحزب الحاكم، ولكن مناقشة آثار الحرب على عائلتها هو “خط أحمر”، كما تقول، وتكتفي بالتعليق بأن الصراع السوري بشكل عام خلق انقسامات كبيرة بين العائلات في “انقسام اجتماعي غير مسبوق ولم يُشهد له مثيل منذ بداية تاريخ سورية”.

على أرض الواقع، التفرقة تطفق في كل مكان، ممزقة العلاقات، الهويات، الطبقات الاجتماعية، والطوائف، وفي البداية، كما تقول يزبك، لم يتميز المشهد السوري بالخطاب الطائفي، لذا لم تكن تخفي جذورها العلوية، ولكن مع انتشار المشاعر الفئوية والطائفية اضطرت إلى إخفاء هويتها عندما عبرت الحدود إلى الداخل السوري، وتعتقد يزبك بأن خطوط الصدع الطائفية ظهرت في عام 2012 عندما وصلت الجماعات الجهادية إلى سورية، ووصفوا أولئك الذين لم يتماشوا مع أيديولوجيتهم بـ”الكفار”، ولكن في نهاية المطاف، تحمّل يزبك الأسد مسؤولية انتشار الطائفية، لأنه في ظل حكمه حافظ على انفصال المجتمعات عن بعضها البعض، وتركها تمقع من جهلها وفقرها، وآثار هذه السياسة ظهرت الآن على السطح “الشعب السوري لا يعرفون بعضهم البعض بشكل جيد”، تقول يزبك.

في كتابها “المعبر”، تُعرّف يزبك القرّاء في وقت مبكر على ميسرة ومحمد، وهما  المرشدان اللذان رافقاها في رحلتها ضمن الداخل السوري، وكالكثير من السوريين الآخرين، باشرا احتجاجاتهما بطريقة سلمية ضد نظام الأسد، ولكنهما انضما لاحقاً إلى المقاومة المسلحة، كون الانتفاضات المدنية أصبحت أثراً دارساً من الماضي “لا أستطيع أن أقول بأنه يوجد احتجاجات سلمية الآن، لأنه لا يوجد فرصة على الأرض لممارسة الاحتجاج السلمي، فإذا خرجت للاحتجاج وتم قصفك بالصواريخ، كيف ستحتج سلمياً بعدئذ؟ وكيف يمكنك أن تتابع مسارك السلمي؟” تتسأل يزبك، في إشارة إلى الحملة العنيفة التي شنها بشار الأسد ضد المتظاهرين السلميين.

“لقد حاولوا الخروج بمظاهرات سلمية، ولكن توجب عليهم أن يحملوا السلاح، وعندما يتجه الشعب إلى السلاح، يبدأ آخرون بتحقيق الربح، ويصبح الأمر تجارة أسلحة، فبعض الأشخاص يريدون للحرب أن تستمر حتى يتمكنوا من تحقيق الربح وليصبحوا أمراء حرب، وبهذه الطريقة انجرفت الثورة عن مسارها الديمقراطي، ولكن هذا لا يعني أنه لا يوجد أشخاص في سورية ما زالوا يعملون بهدف تحقيق المسار الديمقراطي، ومجرد كون أصواتهم غير مسموعة، أو كونهم غير مدعومين، لا يعني بأنه لا يوجد سوريون ما يزالون يؤمنون بالديمقراطية، وبسورية المدنية”.

سابقاً، أشارت يزبك إلى أن المرأة السورية كانت من بين أول المحتجين ضد النظام، وفي كتابها “المعبر” تشير إلى أن المرأة كانت أيضاً “أول من يدفع الثمن في هذه الحرب”، وفي خضم مناصرتها الطويلة لحقوق المرأة، أسست يزبك لمبادرة مجتمع مدني تدعى “النساء الآن من أجل التنمية”، والتي تساعد النساء على تحدي التطرف الذي يواجههن من خلال التعليم، وتساعدهن على بدء أعمال تجارية صغيرة تمكنهن من تحقيق بعض الاستقلال المالي.

خلال آخر عبور لها نحو الداخل السوري، ساعدت يزبك زوجة أحد الشهداء على تأسيس مشروع صغير لبيع منتجات التنظيف من منزلها، حتى تتمكن من إعالة نفسها بدلاً من الزواج من مقاتل يمني مقابل المال، “المرأة السورية في حالة يرثى لها، ولكنها لا تزال تعمل” تقول يزبك، وتضيف “نحن الذين غادرنا البلاد، وأنا مستاءة حقاً لاضطرارنا للمغادرة، يجب أن نكون جسراً وصوتاً للشعب السوري، فوضع المرأة سيء للغاية، والمناطق التي نعمل بها لا تزال تتعرض للقصف، إنهم يستخدمون الأسلحة، القنابل، البراميل المتفجرة، الصواريخ، والقنابل العنقودية، إنهم يدمرون كل شيء”.

تشير يزبك إلى أنه في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة المسلحة الإسلامية المتشددة، لا تتمتع المرأة بالحياة، وتضيف موضحة “لم تعد المرأة جزءاً من الجمهور، إنها تتعرض لكافة أشكال الاستغلال والانتهاك، ظروف المرأة السورية هي تماماً كظروف الشعب السوري، ولكن تبعاً لكونها إمرأة فإن ظروفها أصبحت أسوأ بشكل أكبر، وذلك عائد لكون الإسلاميين يعتقدون بأن المرأة عورة، ولا ينبغي لها أن تظهر على العلن، هم يعاملون النساء معاملة غير إنسانية، ويسيؤون تفسير وتطبيق قواعد الإسلام مشكلين قواعدهم الخاصة، لذلك فإن النساء في الداخل السوري يعانين بشدة”.

قصص النساء في سورية اللواتي يتم اغتصابهن، واسترقاقهن، وحرقهن أحياء، صدمت الكثيرين بالتأكيد، وكذلك فعلت الممارسات البشعة الأخرى التي انتهجها على مر الزمن المتشددون الإسلاميون، وهذا الحنق وصل إلى مداه في سبتمبر من العام الماضي عندما أعلن أوباما عن شن حملة قصف مفتوحة ضد هؤلاء، ولكن على الرغم من الغضب الذي ينتاب يزبك من ممارسات داعش، بيد أنها لا تزال متشككة من حملة التحالف الدولي، حيث تقول “هل سبق لك وأن سألت نفسك هذا السؤال: لماذا لا يقوم التحالف بقصف داعش ويقضي عليها نهائياً؟”، وتتابع قائلة “التنمية، القانون، العدالة، التعليم، القضاء العادل، فرص العمل، هذه هي الطريقة التي نكافح بها الإرهاب، وليس عن طريق تحويل سورية إلى مسرح جريمة، وحشد المسلحين من مختلف المشارب هناك، وثم تشكيل تحالف دولي في وقت لاحق يُفترض به أن يحارب داعش، هذا التحالف قائم على صفقات أسلحة مربحة ما بين البلدان الغنية، والتي تعمل على تحويل الدول الفقيرة إلى حمامات دم”.

بالإضافة إلى ذلك، ترى يزبك بأن إدارة أوباما اتخذت موقفاً متناقضاً بالنسبة لسورية؛ ففي أغسطس 2013 أكد مفتشو الأسلحة الدوليون بأن غاز الأعصاب السارين تم استخدامه في دمشق من قِبل نظام الأسد، وهي المجزرة التي أزهقت أرواح المئات في ضواحي دمشق، وكان أوباما قد تعهد في وقت سابق بأن هذا “خط أحمر” ومن شأنه أن يحرض على تدخل الولايات المتحدة في سورية، ولكنه لم يف بهذا الوعد.

“هناك تدخل إيراني وتدخل أمريكي، ولكن كل شيء يصب بصالح الأسد، ألا تظن بأن تورط حزب الله في سورية هو تدخل؟، وعندما تسمح تركيا بمرور جميع المقاتلين عبر حدودها، أليس هذا تدخل؟ وعندما يتم دعم الجماعات المسلحة في الوقت الذي يتم فيه اغتيال قادة الجيش السوري الحر وحرمانهم من الأسلحة، أليس هذا تدخل أجنبي؟”

تتوقع يزبك بأن الصراع على الأرض السورية سيبقى متعادلاً، لأنها ترى بأن المجتمع الدولي ليس لديه أي نية بوقف إراقة الدماء، حيث تقول “نحن في انتظار اتفاق الدول الكبرى حتى نعرف ماذا سيحل بشعبنا، وهذا هو الجزء الأكثر إيلاماً من القضية، فالمسألة ليست بأيدينا، ومصيرنا يتم تحديده من قِبل الآخرين”، وتردف مضيفة في وقت لاحق “لا يمكن تدارك الفجوة الاجتماعية والأسرية والدينية في سورية إلا في حال أخذت العدالة مجراها”، وهذا يعني إحضار الأسد ونظامه للمثول أمام المحكمة الجنائية الدولية، ومحاكمة القتلة والمجرمين ومرتكبي المجازر الطائفية.

أخيراً، تأمل يزبك بأن يساعد كتابها الجديد على إحداث التغيير مهما كان طفيفاً، فبعد كل شيء، وكما تقول “الكتّاب يجب أن يكونوا جزءاً من التغيير”، وإجابة لنا على سؤالنا حول الرسالة التي تسعى لإيصالها من خلال الكتاب، تقول يزبك “أنا لا أريد الكثير، أريد للعالم أن يعرفوا بأن ما حدث في سورية كان ثورة، ثورة شعبية، مدنية، وديمقراطية، قامت بها أمة حاولت أن تنادي طلباً للحرية”.

 

 

 

Read More

مترجم: سمر يزبك: اجتمعت على سوريا كل ألوان العذاب

من منفاها في باريس كتبت سمر يزبك كتاباً قوياً ومؤثراً في وصف ما حدث لوطنها المدمر. وفي هذه المقالة تحكي سمر لنا كيف عرّضت حياتها للخطر كي تدخل سوريا بشكل غير قانوني…

“جرحت الأسلاك الشائكة جلد ظهري بينما كنت أزحف لأعبر من بلد إلى آخر، وما أن مررت حتى بدأت بالجري…” مقطع من كتاب سمر يزبك

عدا عن استخدام سمر يزبك للغتها الأم أثناء حواري معها- كنا قد استعنا بمترجم- إلا أنه كان من الصعب تصور شخصية أكثر باريسية من السيدة سمر يزبك وهي تجلس على طاولتها  في مقهى الدائرة السابعة بأناقة وهي تهز سيجارة الجيتان للتأكيد على عباراتها. وبالرغم من ذكائها وسحرها إلا أن القصص التي أخبرتني بها كانت مرعبة.

سمر يزبك شاهد حي على ما حصل وما زال يحصل من معاناة وبؤس وفوضى في سوريا، وهي لا تستطيع أن تتوقف عن قص هذه القصص، فتتزاحم جملها مقاطعة أسئلتي الموجهة لها.

وقد زاد من وتيرة الدراما في حوارنا أننا كنا لا نبعد أكثر من 10 دقائق عن السفارة السورية في شارع فينو، ومما رأيته خلال مروري على دراجتي في هذا الشارع في الأعوام الفائتة ظهور رسومات جدارية معادية لنظام الأسد وطمس أي علامة تشير إلى كون المكان مقراً رسمياً، وكان ذلك يعتمد على تقدم أو تراجع نظام الأسد في الحرب. وكان الثابت الوحيد هو تلك السيارات غير المعلّمة ذات الشبابيك السوداء والتي تقف للحراسة. أما الآن فقد عادت العلامات الدالة أن هذه سفارة الجمهورية السورية، وبينما جلسنا لنتحدث كانت سمر على وعي تام بأن من في السفارة يتمنون قتلها إن استطاعوا نظرا لتاريخ معارضتها الطويل لنظام الأسد والعائد لما قبل انتفاضة عام 2011 ولمساهمتها في ما تصفه بالثورة والتي تضيء عيناها عند ذكرها.

وقد غدت سمر الآن مستهدفة أكثر من ذي قبل بعد صدور كتابها الجديد – العبور: رحلتي إلى قلب سوريا الممزق– والذي يحكي تفاصيل رحلة دخولها بشكل غير شرعي إلى سوريا في 2012 عبر تركيا والتي تلتها عدة زيارات متتالية كانت تزداد خطورة مرة بعد مرة.

ولم تكن سمر يزبك مطلوبة لنظام الأسد فقط، بل إن رحلتها عبر ما كان وطنها حولتها إلى شخصية مثيرة للشكوك من قبل الألوية المختلفة للثوار على حد سواء.

وعندما سألتها لماذا خاطرت بحياتك بهذا الشكل أجابتني باستغراب:

“لم أكن خائفة على نفسي، ولماذا أخاف؟ هذه بلدي. وهنا ترعرعت وتعلمت الكلام. أنا أعرف الناس، ولكن ما آثار رعبي آنذاك وفي رحلاتي التالية هو كيف تغيرت الأشياء في سوريا التي أعرفها إلى درجة لم أعد أعرفها. ففي الماضي كان هذا المكان دافئاً فيه الانتماءات التقليدية وحسن الضيافة، أما الآن فقد تعرض الناس للتشويه، هذا ما فعله نظام الأسد بنا، لا أدري إذا ما كانت سوريا ستعود يوماً كما كانت”.

 

 

ولدت سمر يزبك في العام 1970 في مدينة جبلة الساحلية وقد عاشت أيضاً في اللاذقية والرقة–عاصمة الدولة الإسلامية حاليا–وكانت هذه المدن كما وصفتها متسامحة وراقية، وبالرغم من كونها من منطقة صغيرة إلا أن سمر يزبك كانت بعيدة كل البعد عن ضيق الأفق الفكري، فهاهي تستعيد ذكرياتها عن قراءتها لفرجينيا وولف في بداية مراهقتها وكيف تمنت لو كانت مكان بطلة الرواية السيدة دالوي. إلا أن هذا الوعي الأدبي لم يكن مستغربا بالنظر إلى تاريخ عائلتها المميز فقد ولدت في عائلة علوية تنتمي للمدينة وتحمل مزايا عديدة،  والطائفة العلوية هي أقلية صغيرة وقوية وهي الحاكمة فعلياً في سوريا منذ الاستعمار الفرنسي الذي انتهى في العام 1943 حتى الآن، وينتمي آل الأسد إلى هذه الطائفة مما يعني كون انتفاضة سمر يزبك ضد الحكومة بنظر أعدائها خيانة مضاعفة لدينها وطبقتها الاجتماعية.

إحدى المشكلات التي واجهتها يزبك هي محاولتها لإخفاء أصولها العلوية عند التقائها بغير العلويين، فالعلويين لا ينظر إليهم فقط على أنهم مؤيدون للأسد بل يعتبرهم السنّة من الشيعة الكفرة، فتقول سمر أنها أخبرت أحد الثوار يوماً أنها: “من كل مكان” عندما سألها عن أصولها، وقد تعلمت كيف تغير لهجتها عندما تصبح مثاراً للشكوك.

وأضافت: “ولكنني لم أكذب فأنا سورية فوق كل شيء إلا أن الحرب قد عمقت الخلافات الطائفية بيننا، وهذا الانقسام لم يكن موجوداً عندما كنت صغيرة، مازلت أذكر عندما كانت سوريا قلب الشرق الحقيقي كما لبنان بكل طوائفها ودياناتها المختلفة، ولكن الآن وعلى مايبدو لايمكن أن تكون سورياً إلا إذا كنت سنياً أو شيعياً أو أي شيء آخر، ومن الخارج تبدو الحرب وكأنها بين دكتاتور وشعبه فقط- وهي حقاً كذلك- إلا أن الأمر من الداخل أشبه بنزاع عائلي بكل ما فيه من خروج غير مرغوب للضغائن والأحقاد”.

وتحمل سمر يزبك ازدراءً واضحاً للدولة الإسلامية واصفة إياهم بجيش المحتلين الغرباء ثم تصحح قولها بأنهم ليسو سوى مجموعة من البلطجية والفتوات. وفي كتابها (العبور)، تصف وجوه الغرباء على الحواجز من السعوديين والصوماليين والشيشان بشيء من القرف معتبرة أن هؤلاء يقومون بمضايقة الشعب السوري محولين الرقة إلى قطعة من الجحيم، وتضيف: “مازلت أذكر كيف كانت المنطقة وكيف تحولت إلى شيء لا إنساني ومقرف، هناك جيل كامل فقدناه لتأكله هذه الوحشية.”

وهي غاضبة أيما غضب من المسلمات اللاتي قدمن ويأتين كل يوم من أوروبا لدعم الدولة الإسلامية، فتقول:

“بالطبع أنا مع حقوق المرأة وما يفعلونه هو إرجاع وضع النساء في سوريا إلى عصر رهيب. إن ما يفعله هؤلاء هو أقرب للنظرة الاستشراقية، فهؤلاء النساء هن مسلمات ديناً لكنهن ينتمين إلى الغرب ولا يعرفن شيئاً عن سوريا والحياة فيها، لكنهن معجبات بالصورة الخيالية للمقاتل العربي الممتلئ فحولة يمتطي صهوة حصانه حاملاً بندقية. فيأتين هرباً من الملل في بلادهن وطلباً للثورة على الواقع، لكنهن لايعرفن شيئا عن الإسلام ولا عن سوريا فيجعلن أوضاع نسائنا السوريات أسوأ”.

ومن أكثر أجزاء الكتاب شداً للأعصاب هو المقابلة التي أجرتها يزبك مع الحجي -وهو لقب أحد قادة كتيبة أحرار اللاذقية- والذي قضى حياته متنقلاً بين الحدود السورية والساحل السوري. ورغم أن سمر والحجي ينتميان إلى المنطقة ذاتها من العالم إلا أن عوالم من الاختلاف غدت تفرّق بينهما. ومما يشعرك بالإحباط أن الحجي يصف الحرب في سوريا بالحرب الدينية التي ستستمر لعقود وحيث تبرر فيها الإبادات الجماعية كأحد أسلحة الصراع، وعندما سألته سمر هل أنت قاتل يجيب الحجي ابن سائق التكسي دون تردد: نعم. وسوف يستمر في القتل لكنه يطمئنها قائلاً: “لا تخافي لن أقتلك” وينصحها بالابتعاد عن هذه الحرب القذرة، كما أضاف بأنه يرثي لمستقبل العلويين في سوريا.

ومن الروايات المرعبة الأخرى التي يحكيها الكتاب هي قصة أحد الجنود الذي تم إطلاق النار على أعضائه التناسلية لرفضه اغتصاب إحدى الفتيات بأوامر من قائده العسكري. وحيثما ولّت سمر وجهها يواجهها أناس عاديون تعرضت نظمهم الأخلاقية للتدمير بسبب قصص مشابهة في مواجهة العنف. ومن أكثر الجوانب تأثيراً في الكتاب هو إدراك الكاتبة لحقيقة أن أهل هذه البلاد كانوا حتى وقت غير بعيد يعيشون حياة طبيعية.

وقد اعتمدت سمر في كتابها على ترك الناس يروون قصصهم بمفردهم متأثرة بكتاب Stasiland (بلاد الشتازي) لآنا فوندر والذي يصف كيف يمكن لدولة أن تنهار تحت حكم قائم على الأكاذيب والتهديد بالعنف. وحالياً لم يعد العنف في سوريا مجرد تهديد بل هو حقيقة يومية. وتقول سمر أن هذا يتعلق جزئياً فقط بالاعتبارات الجيوسياسية – فمن تنظيم الدولة إلى السياسة الخارجية الأمريكية يتم استخدام سوريا كحقل تجارب حول كيفية تدمير بلد بأكمله. وتوضح في كتابها العبور أن نتيجة ذلك على الأرض هو تدمير الإنسان حرفياً ومجازياً، وتقول في خاتمة كتابها: ” لن تعود سوريا إلى سابق عهدها لأنها تعرضت لأقسى ألوان العذاب فقد شُنقت وسُحلت وقُطّعت إرباً.”

إن كتاب العبور ليس مجرد ريبورتاج أو تحليل سياسي، بل يمكن مقارنته بكتاب جورج أورويل الحنين إلى كاتالونيا Homage to Catalonia كعمل أدبي.

سمر يزبك كاتبة روائية رائعة قادرة على تقديم نصها بسلاسة مناسبة وحبك الحوارات وتقديم الحزن بشكل يفهمه أي إنسان في العالم، وهكذا تعبر الخط الفاصل بين الكتابة الصحفية والأدب الرفيع، وعندما صارحتها بذلك احمر وجهها خجلاً وهي تشعل سيجارة جيتان أخرى. ولكنها لم تتظاهر بالتواضع فقالت: “بالتأكيد كنت أسعى لكتابة الأدب لهدف واحد وهو أن الكثير مما يكتب عن بلدي قد يجعلك تمل من قصص الحرب وعلاوة على ذلك أعتقد أن الأدب وحده قادر على نقل الواقع السوري بتعقيداته وتفاصيله.”

ثم ذكرت لها الكاتبين أورويل وكافكا فأعربت عن إعجابها بالاثنين إلا أنها ترى في كافكا مثالاً يُحتذى وتقول: “إن ما حدث في سوريا يشبه أن تكون عالقاً في نفق عميق مظلم دون أن ترى مخرجاً. كنت كلي أمل في عام 2011 فقد كنت أؤمن أن بإمكاننا أن نحدث التغيير في أنفسنا وفي حياتنا ولكنني كلما زرت سوريا أرى بأن الأمور تسوء وبسرعة مذهلة. ولكن ماذا يتوقع المرء مع كل هذه المجازر اليومية على الطرفين؟ لم يعد الأمر سياسياً أو دينياً بل هو أسوأ من ذلك–الحالة حالة كراهية صافية.

سبق لسمر يزبك كتابة الروايات والشعر كما عملت كمذيعة في التلفزيون السوري قبل الثورة. وفي عام 2010 تم ضمها إلى مجموعة بيروت 39 وهي مجموعة يختارها مهرجان هاي فيستيفال وتضم أفضل كتّاب العالم العربي ممن تقل أعمارهم عن 40 سنة. وفي عام 2012 تقاسمت جائزة Pen Pinter مع الشاعرة كارول آن دفي عن كتابها امرأة على خط النار والذي يتحدث عن بداية الحرب الأهلية السورية.

أما كتاب العبور فهو كتاب مختلف لأنه يعبر عن تغيير عميق في تفكيرها، تغيير تعبّر عنه بقولها: “أريد أن أستمر بالإيمان بالأمل، ولكنني أتساءل أذا ما كنت أؤمن به حقاً، فلقد شهدت الكثير من الدمار الذي من الصعب تصور أن يأتي منه أي خير، أشعر كأنني سقطت من شاهق السماء إلى الهاوية، فخلال مسيرة حياتي كنت أؤمن أن على الكاتب أن يكتب عن التغيير وأن يكون جزءاً منه ولذلك عدت لسوريا قبل عامين، إنه هاجسي. إلا أنني بِتُّ أحمل هاجساً آخر وهو أن القتل مستمر في بلدي ولست أملك شيئاً لإيقافه.”

تقبع يزبك حاليا في منفاها الباريسي متألمة، فإذا عادت لسوريا سيكون الوضع أكثر خطورة من ذي قبل وهي لا ترغب في المجازفة ما لم تُضطر إلى ذلك، ولهذا فقد غدا حنينها إلى سوريا أكبر بكثير من ذي قبل. وتردف سمر قائلة: “عندما كنت صغيرة كنت أحلم بالسفر حول العالم لاعتقادي بأن مدينتي مكان مغمور، وأنا أردت أن أكون عالمية ومشهورة ومثقفة، وقد حلمت بباريس على سبيل المثال، أما الآن وقد أصبحت هنا صرت أرى أن المدينة جميلة لكنها ليست كبلدي. أنا في باريس لكنني لا أفكر إلا في اللاذقية وجبلة طوال الوقت.. أنا لم اختر المنفى، هذا هو الفرق الأساسي. لم آتِ هنا لأكون فنانة وإنما أتيت لأنني طردت. هذا أمر يجرحك جرحاً عميقاً ويصعب عليك تجاوزه.”

تبلغ سمر يزبك من العمر 45 سنة الآن وتقول أن نظرتها لما تكتبه وما تغطيه من واقع رهيب على الأرض قد تغيرت  فتقول: ” لم أختر أن أكتب هذا الكتاب أو أن أكون هذا النوع من الكتّاب. إلا أن الوضع لامفر منه.” ورغم أنها لم تقصد ذلك في الأصل إلا أن سمر يزبك قد تكون كتبت أولى الكلاسيكيات السياسية في القرن الحادي والعشرين.

سيتم نشر كتاب العبور في الثاني من تموز باللغة الإنكليزية بترجمة Ruth Ahmedzai Kemp  و Nashwa Gowanlock لدار نشر Rider، وستقوم الكاتبة بقراءة من الكتاب في المكتبة البريطانية في لندن يوم 25 من تموز، كما ستشارك في مناقشة حول حرية التعبير في الشرق الأوسط بعنوان “قول الحق في وجه السلطة” في مركز Free Word Centre في لندن يوم 23 تموز.

 

 

ترجمه عن الغارديان موقع  السوري الجديد