أخبار عاجلة
الرئيسية » فيسبوكيات » شعوبٌ لديها قابلية للاستعباد – المحامي فوزي مهنا

شعوبٌ لديها قابلية للاستعباد – المحامي فوزي مهنا

 “ أمة لديها قابلية للاستعمار” مقولة أطلقها منتصف القرن الماضي المفكر الجزائري مالك بن نبي، مضيفاً أن استعداد الشعوب نفسياً للخضوع للاستعمار يعتبر عاملا قويا لاستدامته وبقائه، لو قُدِّر لبن نبي الحياة أكثر لشهد حقيقة ما ذهب إليه، وإلا كيف استطاع العثمانيون أن يجثمون على صدر هذه الأمة طيلة أربعة قرون متواصلة؟ كيف لحدود سايكس بيكو أن تصمد قرنا من الزمان؟ ثم كيف لفلسطين أن تُغتصب وعلى طريقها أخذت تُداس الشعوب وتُستباح الأوطان؟.

الوقت لا يمكن تقديره بثمن، مائة عام وأوصياء العروبة يحفرون قبر سايكس وشريكه، ويعلِّقونهما شمّاعة تستر عار تخلف مجتمعاتهم، وبدلا من إزالة تلك الحدود أخذوا يقيمون عليها مزيداً من الجدران والحصون، ويشيِّدون لشعوبهم الجيوش والقلاع والسجون، إنها شرعة السماء فعندما لا تُغيِّر ما بنفسك فإن التاريخ لن يتغير، ما أشبه اليوم بالبارحة تقاتلوا في الأندلس فكان رحيل آخر بدوي عنها، واليوم عادوا ليتقاتلون لتصبح المنطقة جاهزة للتقسيم، ولتستعد شعوبها لاستقبال الاستعمار من جديد.

هل تصدق رؤية مفكري الغرب عن شعوب هذا الشرق الحزين؟ فكارل ماركس يقول عنهم: أنهم لا يستطيعون أن يمثلوا أنفسهم، إنهم يجب أن يُمثَلوا، بينما يرى أحد أعمدة الفلسفة في القرن 19 “هيغل” بأن قدر الشرق أن يتبع الغرب، في حين يصفهم كرومر المندوب البريطانى السامي في مصر أنهم سذجاَ غافلين محرومين من الحيوية والقدرة على المبادرة مجبولين على الإطراء الباذخ والدسيسه والدهاء والقسوة على الحيوانات، وهم عريقون في الكذب وهم كسالي سيئوا الظن، وهم في كل شئ على طرف نقيض من العرق الأنجلو سكسونى في وضوحه ومباشرته ونبله.

ثم ماذا يمكن أن يُقال عن أمة اقرأ التي لا تقر؟ غير أن شعوبها باتت مسلوبة الإرادة تتحكم فيها التقاليد والنصوص الجامدة، والتي بدلاً من أن تقوم بالتصدي للحاضر والتطلع للمستقبل، أخذت تتطلع للماضي وتتشبث فيه، وهو ما يعتبره علماء الاجتماع من عوامل التخلف الأساسية، على اعتبار أنها محركا للمجتمع ونمط قانونه.

وهي بذلك تُعد حاجزاً دفاعياً للمقهورين أمام حركة التطور التي يرفضون أن يكونوا جزءا منها، نظراً لما يوفره العودة للماضي من سد حاجاتهم في الطمأنينة والاستقرار، لأن الإنسان المقهور بالعادة يتنكر لحاضره الذي يكون مرآة تعكس مرارة حياته ومأساته، وبالتالي فهو لا يجد بداً للدفاع عن نفسه إلا بالهروب للماضي، باعتبار الماضي حصن من لا حاضر ولا مستقبل له، على حد قول الدكتور مصطفى حجازي.

يقول أحد الثوار المكسيكيين “أن الشعوب في المراحل الأولى من تطورها السياسي يبهرها في الزعامة المواصفات البدنية والصوت الجهوري أكثر مما تُعنى بالمواصفات الذهنية والأخلاقية ومستوى الذكاء.

هذا هو حال شعوبنا اليوم لقد انهار لديها الجهاز المناعي على حد قول الدكتور خالص جلبي، وأصبحت مُصابة “بمتلازمة ستوكهولم” وهو مرض تصبح معه الضحية متعاطفة مع جلادها ومعذبها، لدرجة أنها تستبسل للدفاع عنه والتضحية من أجله، وما ذلك إلى أن الجهل بحقيقته وثنية وهو لا يغرس أفكاراً، وإنما ينصِّب أصناماً، وعندما تغرب الفكرة تكثر عندها عبادة الأصنام.

لذلك لو قُدِّر لبن نبي الحياة أكثر وشاهد هذه الشعوب وهي تتشبث بأسنانها بمن وأدوا أحلامها وأضاعوا أوطانها، لأدرك بأن لديها أيضاً قابلية أكثر للاستعباد، بعدما ضربت في جذورها الأصولية والطائفية والتخندق وأمراض الاستبداد، وهذا يعود إلى أن مشاكلنا المستعصية مع قضايا النهضة ازدادت بل فرّخت وباتت أكثر تعقيداً، وأن جوهر المسألة لا زال في مشكلتنا العقلية التي أصبحنا خلالها لا نسير ونحن رؤوسنا في الأرض وأرجلنا في الهواء فقط، وإنما غرقت جميعا تحت التراب.

شعوبٌ مأزومة ورثت عن الاستعمار والاستبداد روح الهزيمة والاستسلام، فشكلّت بمجملها هزيمة حضارية نشهد اليوم نتائجها، فطول سنوات الخضوع والقهر والذل وسياسة الإفقار من شأنه أن يقتل لدى الشعب القدرة على التفكير والعطاء، فضلاً عن ممارسة حقه الطبيعي في التمييز والاختيار.

يقول توكيفيل: “من العسير علينا التصور كيف أناسا تخلوا تماما عن عادة حكم أنفسهم بأنفسهم يمكنهم أن ينجحوا في حسن اختيار الذين سيتولون حكمهم، فليس ثمة شخص واحد يستطيع أن يعتقد أن حكومة متحررة رشيدة يمكن أن تنبثق من شعب مغلوب على أمره”.

يبقى السؤال متى ستتذوق هذه الشعوب طعم الحرية؟ جاء في كتاب العبودية المختارة للابواسيه 1562 “أن أثينا أرسلت رسولين إلى فارس، فاستقبلهم الوالي وأطعمهم وأكرمهم ثم قال لهم: لماذا لا تتحولون إلى عبيد سيدي الشاهنشاه؟ نظر الرجلان إليه بتعجب وقالا: إنك لم تذق طعم الحرية بعد، ولو ذقتها لقاتلت عنها بأظافرك وأسنانك، وكل شرح لشيء لم تذقه لا يقربك من المسألة إلا بعدا عنها

ختاماً قيل: “أخرِجوا الاستعمار من نفوسِكم يخرجْ من أرضِكم”، ونقول إذا لم يخرج الاستبداد بشقيه الديني والسياسي من نفوس هذه الشعوب فلن يخرج من حياتها، ولن تعرف طريق الحضارة أبدا



تنويه : ماينشر على صفحة فيسبوكيات تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع