أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات وآراء » ماذا لو لم يأتِ الـ”ستينغر”؟ هل سيستعيد النظام حلب وريفها عما قريب ???

ماذا لو لم يأتِ الـ”ستينغر”؟ هل سيستعيد النظام حلب وريفها عما قريب ???

بينما كانت صفحاتنا تحتفي بتدمير المزيد من دبابات قوات النظام في معارك ريف حماة، كانت صفحات الموالاة تحتفل بتقدم محدود لقواته على الجبهة نفسها وفي اتجاه “سلمى”. وبينما كان البعض منا، بناء على مجزرة الدبابات والأخبار عن إسقاط مروحيتين يحتفي بوصول الأسلحة النوعية التي طال انتظارها، كانت وزارة الدفاع الأمريكية تعقد يوم السبت مؤتمر فيديو مع نظيرتها الروسية لمناقشة “إجراء عمليات جوية آمنة فوق سوريا”، مع الوعد بمناقشات أخرى قادمة بعد التقدم في الحالية.

قد نختصر الأخبار بالقول: ليست كلها حسنة وليست كلها سيئة، وهذا هو حالنا طوال أربع سنوات تقريباً. وقد يذهب تفاؤل البعض إلى أننا على موعد مع أفغانستان جديدة في سوريا، وأن خسائر النظام هي تباشيرها. لكن اختزال المعركة على هذا النحو لا يساعد إطلاقاً على فهم طبيعتها، ولا على فهم احتمالاتها، مع أن قسماً من الاحتمالات بات بادياً للعيان. في حلب، على سبيل المثال، لم يكن من باب المصادفة إطلاقاً أن يتقدم تنظيم داعش ويستولي على “مدرسة المشاة”، وأن تبدأ قوات الحماية الكردية قبله بأيام باستهداف طريق الكاستيلو بصفته المعبر الحيوي بين القسم المحرر من المدينة وريفها، بينما تتوالى الأخبار عن وصول تعزيزات داعمة لقوات النظام من الحرس الثوري والميليشيات الشيعية. أي أننا على موعد لن يطول مع معركة في حلب ضد الجيش الحر، معركة يُرجح أن يشارك فيها داعش والنظام وميليشيات الحماية الكردية، كل منهما لأسبابه، ومن غير المستبعد أن تستبق المعركة الانتخابات التركية المقبلة لاستغلال انشغال الحكومة التركية بها، مع التنويه بالحادث الإرهابي الأخير في أنقرة الذي يجعل الأمن الداخلي أولوية قصوى.

احتفالنا بخسارات النظام من القوات والعتاد، وربما بخسارات روسية أقل مرافقة له، ينبغي أن يقترن بملاحظة أمرين: أولهما إنشاء جسر إمدادات روسي متواصل للمرة الأولى منذ انطلاق الثورة، أي أن نقص الإمدادات سيُعوّض سريعاً، بخاصة من الأسلحة التي خبرتها قوات النظام جيداً ولا تُعدّ حديثة وذات قيمة عالية للروس. الأمر الثاني هو عدم اكتراث النظام بما يضحي به من خسائر بشرية، ولامبالاته تجاه خسائر ما يُسمى “حاضنته الشعبية” على مذبح بقائه. فضلاً عن أن الحكم الروسي نفسه أثبت من خلال حروب سابقة أنه لا يقيم وزناً للخسائر البشرية بين المدنيين أو في صفوف قواته، يزيد على ذلك في حالتنا ما يجري تداوله من معلومات أكيدة عن فتح باب التطوع للمرتزقة الروس، ومن نافل القول أن المرتزقة باعوا حياتهم سلفاً.

إذاً، سيكون ضرورياً الانتباه إلى أننا نخوض مرحلة جديدة من الحرب، من أبرز سماتها وجود عزيمة روسية على تحقيق مكاسب على الأرض مهما كلفها هذا من أسلحة وقوة نيران، ومهما كلف النظام والميليشيات الحليفة من أرواح. الطيران الروسي تكفل بتسوية الأرض أمام النظام وحلفائه، وربما كان الروس قد وقعوا بدايةً ضحية ما أوهمهم به النظام من امتلاك إحداثيات دقيقة عن قوات المعارضة، ولعل هذا يفسّر جزءاً من خسائر ريف حماة من دون أن نبخس أبطال الريف حقهم. إلا أن الروس بدأوا بأنفسهم تولي مهمة الاستطلاع، عبر طائرات بدون طيار تعمل على مدار الساعة، وهم لن يتوانوا عن قصف الأهداف العسكرية والمدنية الحيوية، بما فيها المستشفيات كما رأينا. وينبغي ألا نُخدع بإنكارهم وجود جيش حر، ومن ثم اعترافه بهم وطلب التواصل معه، فهذه التكتيكات الإعلامية استُخدمت من قبل مع المعارضة السياسية بغية استنزافها واستنزاف الوقت معاً.

بالعودة إلى موضوع زيادة دعم المعارضة، ثمة تسريبات عن سماح الإدارة الأمريكية بوصول صواريخ مضادة للطيران تقتصر فعاليتها على المروحيات، أي أنها لا تشكل خطراً على القاذفات الروسية التي تقوم بالمهمة الأكبر من التدمير. ولأن السماء السورية مزدحمة الآن بالطائرات الروسية وطائرات التحالف ضد داعش يُستبعد أن تغامر الإدارة الأمريكية بالسماح بتزويد المعارضة بصواريخ مضادة للطائرات ذات فعالية عالية، على النحو الذي تم في أفغانستان. من المستحسن هنا الابتعاد عن التكهنات وعن التلميحات الغامضة التي توحي بدعم غير منظور، فخطوة مثل هذه لن تكون سراً، وعندما يدخل أول صاروخ متطور الأراضي السورية ويكون جاهزاً للاستخدام ستعلن الإدارة الأمريكية تعليق عمليات التحالف بذريعة أو بأخرى، وما لم تُعلّق عمليات التحالف الدولي فلن تكون هناك صواريخ متطورة. المعادلة الأخيرة بسيطة جداً وواضحة من الناحية العسكرية، وفيما عداها يجب على الإدارة ذاتها، أو على أحد من الحلفاء الإقليميين الإشراف مباشرة على أي صاروخ يُطلق، وأن يكون مرتبطاً بغرفة تحكم عمليات التحالف منعاً لحدوث أي خطأ، وبالتأكيد هذا الاحتمال غير وارد.

لقد أصبحنا مباشرة في مواجهة قوة عظمى، من دون أن تمتلك مواصفات القوة العظمى تماماً، فالقوة العسكرية الروسية لا تستند إلى إرث ديمقراطي داخلي يردعها، ولا إلى اعتبارات تقيم وزناً لحياة جنودها، وهي لا تتورع حتى عن التضحية بمكاسب اقتصادية كرمى لإبراز العضلات وإثبات الحضور. على سبيل المثال، فشلت محاولات السعودية للتأثير على الموقف الروسي، سواء بخفض أسعار النفط أو بإبرام صفقات مجزية مع موسكو، كما فشلت العقوبات الاقتصادية الغربية الخاصة بالملف الأوكراني. هذا يقتضي التحضير لحرب استنزاف قد تطول، ومن المستبعد جداً انتهاؤها قبل رحيل إدارة أوباما، مثلما من المستبعد أن تُقدم هذه الإدارة على تغيير جوهري في تعاطيها من الملف السوري. ولنتذكر أن إدارة أوباما قاومت طوال السنوات الأخيرة فكرة إقامة منطقة آمنة، شمالاً أو جنوباً، أي أنها عملياً رفضت بحزم فكرة حماية المدنيين، وهي لن تكترث بمزيد من الدمار الذي ستأتي به القاذفات الروسية.

التعاطي بخفة وانفعال مع الاحتلال الروسي لن يكون مفيداً، ومعرفة العدو هي أول ما ينبغي التفكر فيه لمواجهته؛ يُضاف إليها في حالتنا معرفة “الأصدقاء”، ومعرفة أن القوى الداعمة لفصائل المعارضة لها خط متشابك من العداوات والمصالح مع موسكو، خط يمر بسوريا ولا يقتصر عليها، والبعض منهم لا يضيره أن تبقى الساحة السورية ميداناً لاستنزاف روسيا على المدى المتوسط أو البعيد، تماماً كما شكلت الساحة السورية ميداناً لاستنزاف إيران وحزب الله من جهة، وداعش وأمثاله من جهة أخرى. الوضع الأمثل لمفهوم الساحة منع فصائل المعارضة من امتلاك الجو، ومنعها تالياً من إسقاط النظام على قاعدة منع الأخير أيضاً من السيطرة على الأرض. تلك القاعدة قد تبقى سارية بصعوبات أشد مع القصف الروسي الكثيف، وأسوأ ما في سريانها إحساس النظام بالارتياح في مناطق سيطرته وانتقاله إلى موقع الهجوم حقاً.

التحليل السابق لا يأتي من موقع التشاؤم، بقدر ما هو آتٍ من ضرورة إدراك المستجدات التي أتى بها الاحتلال الروسي، وأيضاً ضرورة بناء استراتيجيات وتكتيكات جديدة لمواجهته. لن يكون معقولاً إطلاقاً أن تتعلق المواجهة بـ”ستينغر” طال أمد انتظاره، بل على المعنيين بالمواجهة أن يجيبوا أنفسهم على السؤال: ماذا لو يأتِ الـ”ستينغر”؟



تنويه : ماينشر على صفحة مقالات وآراء تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع